ماذا يعني أن يكون لدى مصر بروفيسور محمود عبد الغفار؟!

mahmoud abd alghaffar

د. سيد ضيف الله

محمود عبد الغفار خبير بالثقافة الكورية من العيار الثقيل، ومصر التي صنعت محمود عبد الغفار ليكون مؤهلاً لأن يكون الأكاديمي المصري الوحيد الذي يدعوه رئيس كوريا على العشاء في زيارته الأخيرة لمصر، هي مصر نفسها التي تحتاج أن تتذكر أن تجني ثمار ما صنعت وزرعت!

كثيرون سافروا إلى كوريا الجنوبية على مر العقدين الماضيين بهدف تدريس اللغة العربية والأدب العربي للكوريين، لكن محمود عبد الغفار تفرد بأنه استثمر الفرصة خير استثمار فغاص في المجتمع الكوري وحدّق بعين الملاحظ الثقافي في ثقافة المجتمع الكوري كما تتجلي في شعره ورواياته وقصصه وأساطيره.

محمود عبد الغفار تجسيد إنساني وعلمي راقٍ لمدرسة قسم اللغة العربية بآداب القاهرة، فقد طبق عمليًا مسعى أساتذة هذا القسم الأكابر لمقاومة الهيمنة الغربية على الثقافة العربية. فتح عبد الغفار نافذة للثقافة العربية والمصرية على كوريا الجنوبية ونال أعظم التقدير من كوريا فصار اسمًا محل ثقة كبيرة فيما يخص بناء جسور صداقة ثقافية ليس مع مصر وحدها وإنما مع العالم العربي كله.

نجح محمود عبد الغفار في حصد هذا التقدير لأنه تحصّن بافتخار كبير بمصريته فكان يستحيل أن يتسرب إليه إحساس بالدونية تجاه الآخر؛ ذلك الإحساس الذي أصاب الكثير من المثقفين في علاقتهم بالثقافة الغربية. وبقدر اعتزازه بمصريته وعروبته كان تقدير عبد الغفار للشعب الكوري وثقافته، فتلمس في شعرهم ما يجعله ينتشي وهو يشير في كتابه “الأسطورة الكورية” لحلم الشاعر الكوري “كيم يونغ مو” بأن يكون وجها فرعونيًا عندما تحين لحظة مغاردته للعالم!

اليوم الذي سأغادر فيه العالم،

أريد أن أكون وجهًا فرعونيًا،

منقوشًا على حائط المدينة أو آنية الماء

وبنظرة مفعمة باليقين، أحدّق نحو الخلود

فيما وراء الأفق

محمود عبد الغفار أستاذ الأدب المقارن ذو نزعة إنسانية تحصّنه من مشاعر الشوفينية التي تغشي عين الباحثين وتضلل عقول المخلصين منهم. ولا ينفصل سلوكه الأكاديمي عن سلوكياته في حياته اليومية. الحالم بالتحضر والخير لبلده لديه مهارات التعامل مع البسطاء فيكسب قلوبهم في لحظات بل إنني اندهشت عندما ذهبت ذات يوم أمام بيته فوجدت كلاب الشارع وقد احتشدت أمام مدخل العمارة بمجرد نزوله لتداعبه، وأنا أنتظر بعيدًا مندهشًا وخائفًا في الوقت نفسه! من يطعم الكلاب بيديه ويقيم معها لغة حوار خاصة أستاذ بارع في مناغشة الشعر كأنه طفل وُلد في المهد صبيا، وهو أستاذ يقف على أرض صلبة من أدبيات الأدب المقارن والدراسات الثقافية ودراسات الترجمة.

أكاد أوقن أن عبد الغفار شاعر يخجل أن يتكلم عن نفسه وعالمه فيكتب عن الشعر عوضَا عن ذاته الشعرية المطمورة في نفسه، وأشعر أن إتقانه للغة الكورية زاد من رهافته الشعرية والنقدية حيث ذهب إلى شعراء كوريين شديدي الرهافة والعذوبة الإنسانية في قصائدهم وترجم لهم. ما أصعب ترجمة الشعر، ودوما يختار عبد الغفار الصعب على الآخرين حين يكون الأقرب لذاته الشاعرة المطمورة. يكاد عبد الغفار أن يكون المتخصص الوحيد عربيًا في ترجمة الشعر الكوري، إذ يحفز زملاءه وتلاميذه على ترجمة الروايات والقصص و يختار لنفسه الشعر الأقرب لنفسه.

الذات الشعرية المطمورة في نفس محمود عبد الغفار هي ما وجهته في لحظة مهنية استثنائية لأن يقترب من عالم هان كانغ الروائي الذي يتسم بلغة شعرية تليق بالذات الإنسانية المعاصرة شديدة الهشاشة، فيناغش عبد الغفار رواية”النباتية” مناغشته للشعر ويداعبها مثلما يداعب الكلاب أمام بيته وهو يطعمها بيديه، فيهدى للثقافة المصرية والعربية رواية كورية تحصد جائزة نوبل في عام 2024 أي بعد ترجمتها بسبع سنوات تقريبًا.

محمود عبد الغفار حالم مثل أكابر أساتذته بدءا من الجد الأكبر طه حسين مؤسس قسم اللغة العربية بآداب القاهرة ليكون نواة لجامعة القاهرة(فؤاد الأول سابقًا) وصولا للآباء والأحفاد الذين لهم دور بارز في إثراء أقسام لغات مختلفة سواء بجامعة القاهرة أو بجامعات مصر المختلفة، محمود عبد الغفار يسير على الدرب ذاته فيسعى لتأسيس قسم اللغة الكورية بآداب القاهرة، ويعينه على حلمه تقدير مجلس كلية الآداب بجامعة القاهرة عميدة ووكلاء ورؤساء أقسام؛ تقديرهم لإخلاص محمود عبد الغفار لحلم يليق بآداب القاهرة، لاسيما أنه حلم إذا ما تحقق لا يقدم مترجمين للكورية لسد حاجة سوق العمل لهم في المجالات الصناعية والتجارية فحسب، وإنما الأهم أن يسد حاجة استراتيجية للدبلوماسية المصرية، فالدبلوماسية الثقافية لا غنى عنها لتحقيق المصلحة الوطنية في العلاقات الدولية شديدة التعقيد، والاكتفاء الذاتي فيما يتعلق بالموارد البشرية اللازمة لبناء جسور الصداقة الثقافية مع شعوب العالم المختلفة صار ضرورة من ضروروات تحقيق المصلحة الوطنية.

 

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع