د.سارة حامد حوَّاس
ربما جاء هذا الكتاب ”غرفة تخص المرء وحده” ، الصادر عن دار التكوين وترجمة د. باسل المسالمة، كنوعٍ من الحنين إلى أيامٍ كنت أدرس فيها شكسبير مسرحًا وشعرًا. فقد بدأ حبي للأدب الإنجليزي مع بداية تعلمي حروف الهجاء الإنجليزية، أي منذ دراستي في مدرستي “المنصورة التجريبية للغات”، تلك المدرسة التي أهداها اليونانيون اعتزازا وامتنانا لفترة إقامتهم في المنصورة لسنواتٍ عديدةٍ للدراسة والعمل.
ومنذ نعومة أظفاري وأنا أقلب بين دفتي عقل وروح شكسبير، أقرأ وأفسر وأحلل وأتأمل وأحفظ بعض الأبيات من شعره الذي كان أبي “البروفيسور حامد حوَّاس”، رحمه الله، يرددها دائمًا أمامي في جلسات نقاشية كنا نتحدث فيها عن اللغة والأدب والشعر على وجه الخصوص. حتى إنه كان يردد دائمًا قصيدة “Shall I Compare Thee to a Summer’s Day”، التي افتتنتُ بها منذ طفولتي تأثرًا بأبي وبشكسبير، الذي أحببته من خلال أبي قبل مدرستي.
أتحدث عن شكسبير الآن لأن فرجينيا وولف تأثرت به وبموهبته الفريدة، حتى إنها استشهدت به في مواضع متعددة من الكتاب، وطرحت سؤالًا متخيَّلًا: ماذا لو كان لشكسبير أخت تُدعى جوديث، تمتلك الموهبة نفسها والعقلية نفسها؟ هل كانت ستحقق النجاح الذي حققه شكسبير؟
جاءت فرجينيا في هذا الكتاب لتكون ممثلةً لصوت النساء الذي لم يُسمع، ولتكون تجسيدًا لأقلام نساء ضاعت قبل أن تصل.
عرفتُ من خلالها أن الشعر لا بد أن يكون له أب وأم، أي ألا يعلو الصوت الذكوري وحده أو الصوت الأنثوي وحده في القصيدة. فكانت تدعو إلى ضرورة الاتسام بالعقل الأندروجيني في الوعي الإبداعي؛ أي لا بد من التلاحم والاتحاد بين الأنوثة والذكورة في القصيدة حتى تنضج وتتسم بالتكامل.
نصحت فرجينيا وولف النساء بأن يكون لهن مصدر دخل ثابت وغرفة تخصهن وحدهن حتى يُنجزن ويكتبن ويبدعن؛ فالعزلة والتأمل جزءان أصيلان من الإبداع.
ولم تكن فرجينيا في تلك المسألة تعني “غرفة” بالمعنى المادي فقط، بل كانت تتحدث عن المساحة النفسية الآمنة التي تحمي الكاتبة من قسوة العالم وتقلباته.
فقد نصحتهن فرچينيا وولف بأن يكتبن في كل المجالات، وألا يكتفين بكتابة الروايات فقط، وألا يُنجبن الكثير من الأطفال؛ يكفي طفلان أو ثلاثة حتى يتبقى لهن من الوقت ليكتبن ويحققن ما يحلمن به في الكتابة. وأن يؤمنَّ بأفكارهن الخاصة، وألا يتأثرن بانتقاد أحد؛ فكثير من الأدباء والأديبات تأثروا بشدة بالنقد. يعني أن تؤمن المرأة بأفكارها وأن تستقل روحيًّا قبل أن تستقل ماديًّا؛ فالإبداع يحتاج إلى يقين داخلي، وإلى تلك المسافة بين صوتك وصوت الآخرين. إن لم توجد هذه المسافة، يختلط الصدى بالجوهر، ويضيع الصوت الحقيقي وسط الضجيج.
هذه الفكرة أخذتني إلى كتابي “أسرار الكتابة كما يرويها كُتَّاب العالم”، الصادر عن الدار المصرية اللبنانية، عندما تحدث الروائي الأمريكي ويليام فوكنر عن عدم اهتمامه كثيرًا بالنقد ولا بآراء الناس حوله: “أنا مشغولٌ جدًّا عن أن أفكر في القراء أو في رضاهم. لا وقت عندي لأتساءل من يقرؤني، ولا يهمني رأي فلان في عملي أو في أعمال غيري” (ص 28).
أما الروائي البريطاني “جوليان بارنز”، فهو لا يقرأ النقد الذي يُكتب عن أعماله: “لم أعد أقرأ النقد الذي يُكتب عن أعمالي. فالنقد في الماضي كان دعمًا للغرور، لكنه لم يساعدني يومًا في كتابة الرواية التالية، لذلك أقلعت عنه” (ص 244).
فالنقد قد يكون أداة بناء، لكنه يتحول أحيانًا إلى أداة هدم عندما يتجاوز النص إلى الشخص ويزعزع ثقة المبدع في صوته الداخلي.
هذا كتاب أحسبه مرشدًا ماديًّا ومعنويًّا ونفسيًّا إلى الأنثى أولًا والمبدعة ثانيًا. فالاكتمال الإبداعي لن يتحقق إلا بالاكتمال الأنثوي، ولا أتحدث هنا عن الاكتمال الأنثوي المادي الخاص بالعيون الواسعة والشعر الناعم والجسد الرشيق، بل أتحدث عما هو أعلى وأسمى من ذلك؛ أتحدث عن عقل الأنثى وروحها وثقافتها.
هو دعوة للكاتبات أن يُكملن مسيرة نساء لم يكتبن إلا على صفحات عقولهن، صفحاتٍ ممهورةٍ ليس بإمضائهن، بل بتجاربهن التي لم تُعش، وخيالهن الذي لم يتعدَّ فضاء بيوتهن وغرفة معيشة ملأى بالضجيج والأثاث.

















