مريم الخطيب
في إحدى الليالي، يجلس الشاعر وحده بعد أن ينام الجميع.
لا يحدث شيء استثنائي.
المدينة في الخارج مستمرة في حياتها المعتادة: سيارات تمر، ضوء شقة ينطفئ، شخص ما يغلق نافذته، وآخر يرسل رسالة لن يُجاب عنها إلا في الصباح.
لكن الشاعر لا ينام.
ينظر إلى كوب الماء الموضوع بجانبه، إلى الهاتف المضاء على الطاولة، إلى الستارة التي تتحرك قليلًا مع الهواء، ثم يتذكر شيئًا قديمًا لا علاقة له بهذه الليلة أصلًا.
وجهًا.
صوتًا.
مكانًا لم يعد إليه.
جملة قيلت منذ سنوات، لكنه لم يعرف لماذا بقيت في رأسه كل هذا الوقت.
هنا تبدأ المشكلة، لأن الإنسان يستطيع أحيانًا أن يقول: «انتهى الأمر»، ثم يمضي.
أما الشاعر، فغالبًا ما يملك قدرة مزعجة على السؤال:
لماذا لم ينتهِ الأمر داخلي؟ وهذا، ربما، أحد أسباب حزن الشعراء.
لأنهم خُلقوا بحزن زائد لا يكفي نشرات الأخبار و الحديث عنه في المقاهي ، و الشعر مهنة حزينة بطبيعتها، الشاعر يعيش تجربة مختلفة مع مشاعره: هو لا يشعر فقط، بل يراقب شعوره وهو يحدث.
وهذه المراقبة قد تكون عبئًا.
الشاعر لا يحزن أكثر… ربما يرى حزنه أكثر و هذا الإبصار يجعل حزنه يتمدد داخله ليجد نفسه يوماً بعضواً إضافياً داخل جسده الهش اسمه ” الحزن “
أحيانا نميل إلى الاعتقاد بأن الشاعر شخص شديد الحساسية، ولذلك يحزن أكثر من غيره.
لكن المسألة أكثر تعقيدًا.
قد يكون الفرق الحقيقي أن كثيرًا من الناس يشعرون بالحزن ثم يحاولون تجاوزه، بينما يميل الشاعر إلى التوقف عنده، والنظر إليه، وتفكيكه، والبحث عن اللغة التي تصفه. و يرفض أن يترك التجربة قبل أن يفهمها.
وهنا يصبح الوعي بالمشاعر سلاحًا ذا حدين.
فالوعي يمنحنا القدرة على فهم أنفسنا، لكنه يجعلنا أيضًا أكثر انتباهًا لما يحدث في داخلنا.
وأحيانًا يكون عدم الانتباه نوعًا من النجاة.
هناك أشخاص يمرّون بالحزن، وهناك من يسكن داخله قليلًا
الحزن في الحياة اليومية غالبًا له وظيفة: يأتي ليخبرنا أن شيئًا فقدناه، أو أن شيئًا لم يحدث كما أردنا، ثم ينسحب تدريجيًا عندما نعود إلى إيقاع الحياة.
لكن الشاعر لا يتعامل مع الحزن باعتباره مجرد حالة يجب أن تنتهي.
إنه يحاول أن يعرفه.
شكله ؟
كيف يدخل الجسد؟
لماذا يظهر ليلًا؟
لماذا يصبح أقوى في بعض الأماكن؟
لماذا يمكن لرائحة واحدة أن تعيد سنوات كاملة؟
وهذا البحث قد يحوّل الشعور البسيط إلى تجربة أكثر تعقيدًا.
العقل البشري نفسه يعمل بهذه الطريقة؛ بعض التفاصيل الصغيرة تصبح مرتبطة بتجارب عاطفية قوية، ولذلك يمكن لمحفز بسيط أن يستدعي شعورًا كاملًا دفعة واحدة.
لكن الشاعر يفعل شيئًا إضافيًا:
يمنح هذا الاستدعاء لغة.
وهنا تتحول الذكرى من شيء يحدث في الداخل إلى شيء يمكن الإمساك به.
الشعر ليس نتيجة الحزن فقط
وهذه نقطة مهمة.
ليس صحيحًا أن الشعر يولد من الحزن وحده.
الشاعر يكتب عن الحب، والدهشة، والرغبة، والغضب، والفرح، والجسد، والمدينة، والوقت، والطفولة.
لكن الحزن يمتلك شيئًا خاصًا.
إنه يدفع الإنسان إلى الداخل.
عندما يكون كل شيء على ما يرام، لا نسأل أنفسنا دائمًا من نحن.
نعيش.
نخطط.
نضحك.
نتحرك.
أما حين نخسر شيئًا، تتوقف الصورة المعتادة للحياة قليلًا.
وفجأة يجد الإنسان نفسه أمام سؤال لم يكن يريد مواجهته:
ماذا أفعل بكل هذا الشعور الذي لا أستطيع إعادته إلى صاحبه؟
ربما هنا تبدأ الكتابة.
الشعر، في أحد معانيه، محاولة لإعطاء شكل لشيء لم يكن له شكل.
أن تأخذ شعورًا غامضًا، لا تستطيع الإمساك به، ثم تحوله إلى صورة.
أن تقول: «أنا حزين» لا يكفي أحيانًا.
فتقول شيئًا آخر.
شيئًا يجعل القارئ يشعر بالحزن دون أن تخبره أنك حزين.
وهنا تصبح القصيدة أكثر من اعتراف.
تصبح إعادة بناء للتجربة.
لكن لماذا يحتفظ الشاعر بالحزن؟
لأن بعض الشعراء لا يريدون فقط التخلص من تجاربهم.
يريدون الاحتفاظ بما تعنيه.
وهذا فرق كبير.
هناك ألم نريد أن نتخلص منه، وهناك ألم نخاف أن نتخلص منه لأنه آخر ما بقي لنا من شيء أحببناه.
قد لا يريد الإنسان أن يتذكر موت شخص ما، لكنه يخاف أيضًا من اليوم الذي يصبح فيه قادرًا على التفكير فيه دون أن يتألم.
كأن الألم، بطريقة غريبة، يصبح دليلًا على أن الحب كان موجودًا.
ولهذا قد تكون بعض الذكريات مؤلمة وعزيزة في الوقت نفسه.
والشاعر أكثر الناس قدرة على ملاحظة هذه المفارقة.
هو يعرف أن الإنسان لا يريد دائمًا أن يُشفى تمامًا.
أحيانًا يريد فقط أن يستطيع حمل ندبته دون أن تنزف.
الشعر محاولة لفهم ما لا يمكن إصلاحه
هناك أشياء في الحياة لا يمكن إصلاحها.
الموت لا يُصلح.
الوقت لا يعود.
بعض العلاقات لا تنجو.
بعض الكلمات لا يمكن سحبها بعد أن تُقال.
وبعض النسخ القديمة منا انتهت فعلًا.
أمام هذه الأشياء، لا يملك الإنسان كثيرًا من الخيارات.
يمكنه الإنكار.
يمكنه الهروب.
يمكنه الانشغال.
ويمكنه الكتابة.
لكن الكتابة لا تعيد شيئًا.
وهذه إحدى أهم وظائف الشعر.
الشعر لا يعيد الشيء الذي فقدناه؛ يعيد علاقتنا به.
الميت لا يعود، لكن يمكن للقصيدة أن تمنح غيابه شكلًا.
الحب المنتهي لا يعود، لكن يمكن للغة أن تمنح التجربة مكانًا في الذاكرة.
الطفولة لا تعود، لكن يمكن لقصيدة أن تجعل الإنسان يزورها لدقائق.
لهذا لا أظن أن الشعراء يكتبون لأنهم يحبون الحزن.
ربما يكتبون لأنهم يرفضون أن يكون ما عاشوه بلا معنى.
ومع ذلك، هناك ثمن
أن تكون منتبهًا إلى داخلك طوال الوقت ليس أمرًا سهلًا.
الشاعر الذي يستطيع أن يلاحظ تغير نبرة صوت شخص ما، قد يلاحظ أيضًا تغيرًا صغيرًا في صوته هو.
والذي يستطيع أن يرى الوحدة في غرفة مزدحمة، قد يجد صعوبة في الهروب من وحدته الخاصة.
كل شيء يصبح قابلًا للتأويل.
كل شيء يمكن أن يصبح ذكرى.
وكل ذكرى يمكن أن تصبح سؤالًا.
وهذا ما يجعل الحساسية عبئًا أحيانًا.
لأن الإنسان حين يصبح شديد الانتباه، يفقد بعض القدرة على المرور السريع فوق الأشياء.
المكان يبقى مكانًا.
إلا عند من ترك فيه شيئًا من نفسه.
وهكذا يصبح العالم بالنسبة للشاعر أكثر كثافة.
ليس بالضرورة أجمل.
بل أكثر امتلاءً بما لا يُرى.
وربما لهذا نحتاج الشعر
نحن نحتاج الشعر لأن التجربة الإنسانية نفسها أكبر من اللغة اليومية.
نقول:
«اشتقت إليك.»
لكن أحيانًا لا تكفي الجملة.
نقول:
«أنا حزين.»
ولا تشرح الجملة كيف يبدو الحزن في الثالثة صباحًا، ولا كيف يجعل غرفة كاملة تبدو أكبر من اللازم، ولا كيف يمكن لاسم واحد على شاشة الهاتف أن يغير إيقاع القلب، ولا كيف يمكن للإنسان أن يفتقد شخصًا وهو يعرف أنه لن يعود.
هنا تأتي القصيدة.
إنها لا تشرح الشعور بالضرورة.
هي تجعلك تعيشه.
وهذا هو الفرق بين أن تعرف أن شخصًا ما حزين، وأن تقرأ سطرًا يجعلك تشعر بحزنه دون أن يخبرك بذلك مباشرة.
الشعر لا يقول دائمًا: «انظر إلى ألمي.»
أحيانًا يضع شيئًا صغيرًا أمامك، ثم يتركك تكتشف الألم بنفسك.
في النهاية، هل الشاعر حزين فعلًا أكثر من الآخرين؟
ربما لا
ربما نعم
ربما الشاعر ليس أكثر حزنًا.
هو فقط أقل قدرة على تجاهل الحزن حين يأتي.
وقد يكون هذا هو الوجه الأكثر قسوة في الشعر والأكثر جمالًا في الوقت نفسه.
أن تمتلك عينًا ترى ما يحاول الآخرون المرور من فوقه.
أن تسمع في الصمت شيئًا.
أن تجد في الأشياء التي تبدو عادية تاريخًا كاملًا من المشاعر.
فالشاعر حين يكتب عن حزنه لا يقول بالضرورة: «أنقذوني.»
ربما يقول شيئًا أكثر هدوءًا:
«لقد حدث هذا لي.
وقد مرّ الجميع من هنا،
لكنني توقفت قليلًا لأرى ماذا ترك فيَّ.»
ومن هذه الوقفة،
يولد الشعر.

















