لا أَحَدَ في الشّارِع.. سبع وقائع في سرد الاختفاء

فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

مروان ياسين الدليمي

تمهيد: نَفَسٌ على العَتَبةِ

لا يُفتَحُ الشّارعُ بِمِفتاح

هوَ يَنفتِحُ حينَ تَغفلُ

حينَ لا تَكونُ تمامًا هُنا

ولا هناك.

 

في صَمتِه شُقوقٌ تَنمو إلى الدّاخل

وفي بَردهِ عُمرٌ يُحاولُ أن يُرمِّمَ نفسه.

 

ليسَ على الأبوابِ أسماء

ولا على الوجوهِ أسباب

فقطُ نَفَسٌ قديمٌ يَتنقَّلُ من عَتَبةٍ إلى أُخرى

كأنَّهُ يُفتّشُ عن بيتٍ لم يَسكُنْهُ أحد.

 

هُنا تبدأ الحِكاية…

لا صوتَ يُنادي

ولا قَدَمَ تَجيء

فقط…

لا أَحَدَ في الشّارع.

 

النص الأول – ظل النافذة

لا أَحَدَ…

سِوى ظِلِّ النّافِذةِ وهوَ يُقلِّبُ الوَقتَ بظُفرٍ مكسور.

الإسفلتُ يَلّوحُ كصَفحةٍ أُغلِقَت على نَدمٍ قديم

ولا عُنوانَ في الطُّرُق

فقطُ الأرصفةُ تَشمُّ أنفاسَ الغائبين وتَبتَلُّ.

 

تَتدلّى ساعةُ الجِدارِ من عُنقِها

كأنّ الزّمنَ انتحرَ ولم يتركْ مِلفًّا للوصيّة.

 

النَّوافِذُ نائمةٌ على وجوهِها

والستائرُ تُصلّي للغُبارِ أن لا يَفيق.

 

كُنتُ أبحثُ عن صوتٍ

ولو كانَ لأَحذِيَةٍ تَلعنُ المسيرَ

لكنّ الأرضَ تَزفرُ الفراغَ فقط.

 

الهواءُ يتجوّلُ كضَابِطِ

يَتفحّصُ القلوبَ المهجورة

يَكتُبُ تقاريرَ عن خُطًى لم تُخلَقْ بعد.

 

كأنّ العالَمَ اختبأ في جَيبِ معطفٍ قديم

نسيهُ أحدُ الهاربين من الحُلم.

 

حتى الضَّوءُ…

يتسلّلُ على رؤوسِ أصابعِهِ

خائفًا أن يُوقِظَ ما لم يَعُدْ هُنا.

 

الشّارعُ:

غُرفَةُ انتظارٍ فارغة

والموعدُ مؤجَّلٌ…

إلى إشعارٍ لا يَذكُرُنا.

 

النص الثاني – لا أحد يمشي في الشارع

 (نص موازي من زاوية الريح والعين الخائبة)

 

لا أَحَدَ…

فالرِّيحُ تَجُرُّ فُستانَها المهترئَ خلفَ الأزقّةِ

تَضحكُ كما لو كانت تَبحثُ عن شريكٍ للعبث.

 

المصابيحُ تَنكسرُ ببطءٍ في أعينِها

تُشبهُ أمهاتٍ يُطفِئنَ القناديلَ

حتى لا يرى الغائبونَ الطريقَ إلى الرّجوع.

 

تُغنّي الأرصفةُ لآثارِ الأقدامِ التي لم تَكتمل

تُغنّي بصوتٍ أَجشّ

كأنَّها تُمتحِنُ الفَقدَ في كلِّ مِتر.

 

المارةُ ،

هُم نُسخٌ من دخانِ التبغِ

تَتكوّرُ في أفواهِ المقاعدِ الفارغة

ثم تَختفي.

 

كانَ الشّارعُ،

فيما مضى

شَريانًا يُقنعُ الحجرَ أنَّهُ يَنبِض

أمّا الآن…

فهوَ جُثَّةٌ تَنبُتُ عليها أعشابُ الصَّمت.

 

حتى القطةُ التي كانت تَتدلّى من سُورِ المخبز

صارت تَقرأُ الغُربةَ في انعكاسِ الزُّجاج.

 

لا أحدَ…

فقطُ الأبوابُ تَتثاءب

والجُدرانُ تَسترقُ السّمعَ لوَجعٍ لا يُقال.

 

في الشّارعِ نَفَسٌ مُختنق

وأنفاسُنا القديمةُ ما زالت تُدوِّنُ أسماءَنا

على غُبارِ السياراتِ الموقوفةِ منذ قرون.

 

الفُقدان لا يَحتاجُ إلى إعلان،

يَكفي أن تُصغي إلى نَعلِك…

ولا يُجيبُهُ صَدى.

 

النص الثالث – الأرصفة لا تمشي

 (الانتظار المتجسّد في الحجر، وفي نَفَس الطرقات)

 

الأرصفةُ لا تَعرفُ كيفَ تُهاجِر.

تَصحو كلَّ يومٍ على ظِلِّ جسدٍ لَم يَعُد

وتُعيدُ ترتيبَ الفقدان في ملامِحِ الطَّريق.

 

كانت تَحفظُ أسماءَ العُشّاق،

تَخيطُ لهم شُقوقَ الأملِ بإبرةِ النُّزهات

أمّا الآن…

فهيَ تَجلسُ كعجوزٍ تَروي لِلرّيحِ حكاياتٍ بلا مُستمع.

 

الأرصفةُ لا تَشتكي

لكنَّها تُصدِرُ أنينًا خفيًّا

حينَ تَعبُرها أظافرُ الشّمسِ الحادّة

دونَ أن تَرافقَها قُبلةُ ظلٍّ أو عُذرُ خُطوة.

 

في كُلِّ زاويةٍ بَقايا وَعدٍ

وفي كُلِّ مَيلٍ جُرحٌ يُشبهُ السُّؤال:

أينَ ذهبَ الذين كُنّا نَعرفُهم ؟

 

المِزلاجُ عالقٌ في آخرِ السّرداب،

والأرصفةُ لا تَملكُ مِفتاحًا لِمُساءلةِ الغُبار.

هيَ تُراقِبُ فقط

تَجمعُ ملامِحَ الذين لا يَعودون

وتُخزِّنُهم في ذاكرةِ البلاط.

 

الأرصفةُ…

تَعلّمتِ الانتظارَ من الباب

والتجاهلَ من السّيارةِ الواقفة

والتَجرُّدَ من المعنى

من كعبِ حذاءٍ لا يَسألُ عمّا يَدوسُ عليه.

لا تَمشِي…

لأنَّها تعرفُ أنَّ ما كانَ يُحرّكُها

قد وُضِعَ في الظّلّ

وحين تَذهبُ الرِّيح

لا تَبقى سِوى الحجارةِ تَتشاورُ على صَمتِها.

 

النص الرابع – عَيْنُ المِصباحِ

(الشاهد الخافت على التبدّد، والحارس الكَهربي للغُربة)

المِصباحُ مُعلّقٌ كعَينٍ أُطفِئت

ما عادَ يَسهرُ إلّا على بُكاءِ الزّجاج.

ضَوؤُهُ لا يُنيرُ

هوَ فقط يُبلِّلُ العَتَباتِ بدمعةٍ كهربائيّة.

كأنّهُ يَرى…

لكنهُ لا يُميّزُ بينَ خُطًى حقيقيّة

وخَيالاتٍ تُمارِسُ التّكرارَ كطَقس.

 

العَتمةُ لا تُزعجه

إنّما يُربكهُ أن لا أحدَ يَجيء

أنّ الطُّرقاتِ تُشبهُ مَمرّاتِ المُصابين بفَقدِ الذاكرة.

 

المِصباحُ شاهِدٌ

ليسَ نُقطةَ ضَوءٍ فقط

بل أُذُنٌ تَسمعُ تَنَهُّدَ الأرصفةِ

ونبضَ الأبوابِ خلفَ السُّتُور.

 

إنْ اقتربتَ منهُ

ربّما يُسرُّ لكَ بأسماءٍ مَمسحوّةٍ من على جُدرانِ الاختفاء

يُخبرُك كيفَ أنَّ امرأةً كانت تَعدُّ الظِّلال

قبلَ أن تُطفئَها الأحلامُ وتَغيب.

 

كلُّ مساءٍ يُعيدُ شَحنَ بَصيرتِهِ

لكنَّهُ لا يَجدُ في الشّارعِ إلّا طُيُورًا مَطويّةً

كَرَسائلَ لم تُفتَحْ.

 

عَينُ المِصباحِ لا تَنام

لأنَّها تخافُ أن تَصحو…

ولا يَكونَ شيءٌ تحتها يستحقُّ الرُّؤية.

 

النص الخامس – قلب الزاوية

(الزاوية كمستودع للتواري، والضياع المُجرَّد)

في الزّاويةِ قلبٌ لا يَنبِضُ

لكنَّهُ ما زالَ يَتذكّرُ

كَيْفَ انطَبَقَ عليهِ الحائطُ والحَذَر.

 

الزّاويةُ فخٌّ لِلذّاكرة،

كُلُّ مَن استَندَ إليها

تَركَ شيئًا من صوتهِ في الجدار،

كأنَّ الحيطانَ تُراكمُ النّبضَ

وتَرفضُ أن تُعيدَه.

 

هُنا…

ضَحِكَ أحدُهم بملءِ الخَيبة،

وهُناكَ لَمسَت يدٌ ظَهرَ الوقتِ

ثمّ اختفت.

 

الزّاويةُ لا ترى،

لكنّها تَشمُّ القَلقَ

كأنَّهُ عِطرٌ مُنْسَيٌّ في ياقةِ الوجع.

 

كُلُّ ما لا يُقالُ يَسقُطُ إليها…

يَتجمّعُ كخَرائطَ مُمزّقةٍ

لا تَقودُ إلى مكان،

بل تُشيرُ فقط

إلى أماكنَ غادرَها أحدٌ دونَ أن يُغلِقَ الباب.

 

في قَلبِ الزّاويةِ

تَتكاثرُ الأصواتُ السّاكنة

تُنشئُ جوقةً من الأسئلةِ المُكسوّةِ بالغُبار

تُرتّلُ في صَمتٍ لُغةً لا تُفهَم

إلا إذا نَظرتَ إلى غيابِكَ

كما لو أنّهُ صورةٌ قديمةٌ لِابتسامتِك.

 

الزّاويةُ تُراقِب

لكنَّها لا تَشهد

تُصغي…

لكنَّها لا تَشهد

تَطوي الأسرارَ كما يُطوى اللّيل

وتَغلقُ قلبَها على شيءٍ لم يَحدث،

لكنّهُ تألّم.

 

النص السادس – خرائط التخلّي

(تشظي الأماكن، وخداع البوصلة)

لم تَعُدِ الخَرائطُ تُشيرُ إلى مكان

كُلُّ سَهمٍ فيها مَائلٌ كذِكرى

وكُلُّ نُقطةٍ تَنبضُ في الفراغِ كجرحٍ لا يَهدأ.

 

التخلّي لا يَحتاجُ إلى بوصلة

إنَّهُ يَعرِفُ الطَّريقَ وحده

يَمضي في الأزقّةِ المُعتِمةِ

كأنَّهُ كانَ دائمًا هُنا…

في زاوِيَةِ الباب

في بُقعةِ الضّوءِ التي لَم تُفتَح

في صوتِ الهاتفِ الذي لا يَرنّ.

 

خَرائطُ الغِيابِ مَرسومةٌ بالحواسّ

باللّمساتِ التي تَوقّفت

بالعُيونِ التي انعطفتْ في النّظر

بالعِناقِ الذي تَجمَّدَ في شُرفةِ النّيّة.

 

كأنّ المَدُنَ هَجَرَت مواقِعَها

وتَركَت على الجُدرانِ إشاراتٍ

لا تَفهمها إلّا الكراسي الخاوية.

 

في كُلِّ خرِيطةٍ جُزءٌ مُمزَّق

وإصبعٌ كانَ يُدلُّ على بيتٍ

لكنَّ البيتَ ذابَ في فمِ الحنين.

 

المسافاتُ تَكذِب

القُربُ مُجرّدُ خَطّ،

والبُعدُ دُخانٌ يُقيمُ في القلبِ بلا إذن.

 

التخلّي هوَ المِسطَرةُ الوحيدةُ التي لا تَقيسُ

هوَ النّقطةُ الّتي تَنسى البِداية

والسّطرُ الذي يُكتَبُ على حافَّةِ النّسيان

ثُمّ يُمحى

بصَمتٍ…

وبدونِ ندم.

 

النص السابع – أرشيف الخطى

(حفظ الأثر، تتبّع الصدى، وانتهاء المسار بلا عودة)

فوقَ هذهِ الأرضِ التي لا تَشيخ

تَتكَوَّمُ الخُطى كأوراقٍ قديمةٍ

لم يَجرؤ أحدٌ على حرقِها.

 

كلُّ خُطوةٍ سُجِّلَت في الأَسفلت

ثمّ نَسِيَها أصحابُها

وبقيت هُنا

تُصنِّفُ أنفاسها في أدراجِ الغبار

وتَنتظرُ من يَقرأُها كوصيّةٍ مشفَّرة.

 

الأرصفةُ حَافظَت على كلِّ شيء

على التردُّدِ

على الحنينِ

على صوتِ الكَعبِ الّذي تغيَّرَ بعدَ أولِ خَيبة.

 

أرشيفُ الخُطى لا يُفتَح،

يَخافُ أن تَخرجَ منهُ الأرواحُ التي

لا تَزالُ تَبحثُ عن نَفسِها

عن سؤالٍ تُركَ تحتَ الباب

عن وداعٍ أُغلقَ عليهِ البابُ باكرًا.

 

في أرشيفِ الخُطى:

بُقعُ ماءٍ جفَّت

ضحكاتٌ انكسرَت

أحذيةٌ لَم تَعد تَعني شيئًا

ووجوهٌ مشتْ على عَجلٍ

ثمّ تبَخَّرَت كأنَّها لَم تَكن.

 

لا أحدَ يُطالِبُ هذه الخُطى بحقّ العودة

هيَ مِلكُ الغيابِ الآن

تُمرَّرُ من عَينِ زاويةٍ إلى أُذنِ مِصباح

ثم تُغلَّفُ في صَمتِ الرَّصيف.

 

هذا الأرشيفُ لا يُؤرّخُ الوقت

بل يُؤرّخُ ما تَركَهُ الوقتُ فينا:

الأماكنُ التي لم نصلها

الأصواتُ التي سَمِعناها ولم نَردّ عليها

والأجسادُ التي مَشت باسمنا

ثمّ توقَّفَت دونَ أن تُفسّرَ شيئًا.

 

في آخرِ الرفّ

تَنامُ خُطوةٌ واحدة…

بلا اسم

بلا شُهود

بلا طريقٍ تعود منه.

 

الختام: حين يمشي الاختفاء

الاختفاء لا يَسيرُ على الأرصفة

هوَ يَسبِحُ في الهواء بين الحوافّ

وحُروفِ الأبواب المخلَّعة.

لا يحتاجُ إلى طريقٍ

لأنَّهُ هوَ الطريق.

إذا قرَّرَ أن يمشي

فهو لا يَحتاجُ إلى خطواتٍ واضحة.

يَسيرُ في الفضاء

مثلَ ضوءٍ تَجنَّبَ أن يراه أحدٌ

مثلَ حفيفِ أوراقٍ تَساقطت من شجرةٍ لا تذكر اسمها.

 

في كلِّ زاويةٍ

يَمرُّ الاختفاء كطفلٍ يَبحثُ عن لعبةٍ قديمةٍ

في صندوقٍ مغلقٍ منذ زمنٍ بعيد.

إذا لامسَ الحائطَ أصبحَ من الماضي.

إذا مرَّ تحتَ نافذةٍ صارَ ضبابًا يتساقط على الأَثاث المتروك.

 

لكنَّ الاختفاء لا يتوقَّف

لا يَستطيعُ أن يُوقفَ نفسه

عن السير في الوقت الذي لا يُلاحَظ فيه.

 

هوَ لا يحتاجُ إلى كلمةٍ ليتحدَّث،

ولا إلى أقدامٍ ليتسارع .

هوَ فقط في اللحظةِ التي تَتوارى فيها الأضواء

ويَحملُهُ الصمتُ كأحرفٍ متكسِّرةٍ على صفحةٍ بيضاء.

وحين يَمشي

يمشي وحيدًا…

يَبحثُ عن شيءٍ لا يعود.

مقالات من نفس القسم