لأن الفرحَ ينسى أنه فرح

لأن الفرحَ ينسى أنه فرح

فاطِمَـة ناعـُوت

لم يسْقِ معها زهورَ الشُّرفةْ

ولا لاعبها الشطرنجَ

تحت ضوءِ القمرْ.

***

لم يقتسِمْ معها

صحنَ الزيتون

ولا قاسمَها

ثمارَ الذُّرة المشوية

على ضفافِ النيلْ.

***

لم يُوشوِشْ لجُدرانِ البيت

حتى تنتبه أمُّها

-التي في السماءِْ-

أنه جاءَ

…

فتطمئِنُ على ابنتِِها

وترقدُ في سلامْ

…

ولا قرأ خطاباتِ جَدِّها

لجَدَّتِها

حتى

يتعلّمَ فنَّ الهوى.

***

لم يتركْ لها مِخلاةَ صَيدِه

التي تسقطُ منها الطرائدُ

لتقتاتَ منها

إذا ما ذبحَها الجوعُ

ولا تركَ على طاولتِِها

كأسَ ماءِ

تروى ظمأ السنين.

***

لم يجلبْ لها

نَبتةً في إصّيصْ

…

لأن النباتَ حياةٌ

…

وما جَاءَ إلاّ

ليزرعَ الموتَ

على حوافِ الأضرِحة.

***

جاءَ

والفرحُ مخبأٌ

في ثنايا حقائبِه

…

لكنّه

لم يفتحِ الحقائبَ أبدًا

حتى لا

يفِرَّ الفرحُ

ويملأَ جنباتِ البَيْتِ الذي

تسكنُه الوحشة.

***

لم يتركْ عندَ أقدامِ العروسْ

فستانَ العُرسِ الذي

غَزَلَه النسّاجونَ شهورًا

من أجلِها

…

بلْ

أخذَه معَه

ليُمزِّقَ خيوطَه

أجلافُ الصحاري

عند أبوابِ المدينة.

***

لم يَخُطّ بيدِه:

‘أُحبُّك’

التي نسي أنْ يكتبَها

ساعي البريد

على باقةِ الزهرْ

في عيدِ العُشاق.

***

لم يتركِ الصبيةَ الوحيدةَ

تنامُ على صدرِه

وتحكي

حكايا طفولتِها

…

إنما

أمرَ ‘مسرورَ’

أن يُجهِّزَ السَّيفَ

الذي يَجُزُّ نحورَ العذراواتْ

قبل صياحِ الديكْ.

***

مضَى

إلى حيثُ يمضِي الذين يمضون

بغيرِ إيابْ

…

دون أن يزرعَ نبتةَ البامبوو

خضراءَ

في حَوضِ الزجاجْ

…

ودون أن يتركَ الثوبَ

أبيضَ

في دولابِ العروسْ

…

ودون أن تنامَ العروسُ

على صدرِه

وتحكي

حكاياها الملونةْ

…

ودون أن يتركَ اِسْمَه

على بطاقةِ الزهرِ الأرجوانيّ

…

ودونَ أن يُحرّكَ بندولَ الرنينْ

…

ودون أن يسقي الورودَ

والطيرْ

…

ودون أن يُطعمَها من يديه

كَرزَةً

زرعتها من أجلِه.

***

هكذا مضَى

في صمتٍ

دون أن يتركَ في البيتِ الحزينْ

أثرًا

ولا ذكرى

…

لملَمَ أشياءَه

وسرقَ

من صندوقِ وحدتِها

قطعةَ الفرحِ الوحيدة

التي جلبَها في حقيبتِه

…

وتركَ محلَّها

شوكةً

سوداءَ

تُدمي القلبَ الواهنَ

….

تُوجِع.

***

يجيءُ الفرحُ ويمضي

وينسَى

أن يملأ البيتَ بالفرحْ

…

الفرحُ دائمًا

ينسَى

أنه فرحٌ!

صدر لها: مجموعات شعرية: 1.       نقرة إصبع - الهيئة المصرية العامة للكتاب -سلسلة كتابات جديدة- القاهرة 2002 2.       على بعد…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع