نور الهدى سعودي
فتح سكان مدينة خيل البلجيكية بيوتهم، منذ القرن الثالث عشر، لأشخاص قصدوا ضريح القديسة ديمفنا طلبا للشفاء مما أطلق عليه الناس اسم الجنون. امتدت إقامة بعض الزائرين، وصار لهم مكان بين أفراد الأسرة، يشاركونهم تفاصيل المعيشة وفق ما تسمح به أحوالهم. نشأ من هذه العادة تقليد للرعاية العائلية استمر قرونا، حتى أصبح الجنون، الذي استدعى في أماكن أخرى إبعاد أصحابه عن الحياة العامة، جزءا من الحياة اليومية لهذه المدينة. يثير هذا التاريخ فضولا حول طبيعة الجنون نفسه، وحول المقياس الذي نحتكم إليه لمعرفة أن أحدهم قد فقد عقله. كيف يجن الإنسان أصلا، وأي شيء يحدث للعقل حتى يفقد قدرته على تدبير العالم الذي اعتاد عليه، فيما تختلف المجتمعات نفسها في تحديد السلوك الذي يستحق هذا الوصف؟
تختلف الحدود التي ترسمها الجماعات للعقل باختلاف ما تعتبره قابلا للفهم داخل تجربتها المشتركة. تتحدث امرأة إلى ابنها الميت، فتجد في مخاطبته امتدادا لصلة ما زالت تعيشها، وقد يستقبل محيطها هذا السلوك بوصفه تعبيرا مألوفا عن الحداد، أو يقرأ فيه بداية اختلال. يتغير الحكم على المرأة تبعا لما يألفه الآخرون من سلوك، حتى قبل أن يعرفوا مقدار ما تعانيه أو طبيعة علاقتها بما تفعل. تستمد الأحكام على السلوك الطبيعي كثيرا من معانيها من التوافق الضمني الذي يعقده الأفراد على طريقة العيش، وتتسلل الأعراف إلى تصوراتهم عن طبيعة الإنسان، حتى يصبح خروج أحدهم عنها سببا للارتياب في عقله. وقد يلتبس في هذا الحكم ما يعانيه الفرد بما يعجز المحيطون به عن فهمه، فتسبق نظرتهم إلى غرابته معرفتهم بتجربته.
يكتسب هذا الالتباس وجها آخر في العصر الكلاسيكي الأوروبي، حيث أخذت المؤسسات تتدخل في تنظيم العلاقة بين المجتمع ومن يعجز عن استيعابهم. صدر سنة 1656 مرسوم إنشاء المستشفى العام في باريس، ضمن سياسة جمعت الإيواء بالضبط الاجتماعي، وشملت فئات من الفقراء والمهمشين، وبينهم أشخاص اعتبرتهم السلطة فاقدين للعقل. وجد فوكو في هذا التاريخ مدخلا إلى مساءلة السلطة التي تمارسها الجماعة عندما تصنف بعض أفرادها خارج حدود المعقول؛ فالتسمية تحدد مكان الإنسان في المجتمع، وتمنح من يضعها قدرة على التصرف في مصيره. وقد أثارت أطروحته عن الحبس الكبير مراجعات تاريخية، فيما بقيت العلاقة بين المعرفة والإقصاء جديرة بالتأمل، خصوصا عندما تتحول رعاية الإنسان إلى سلطة على حياته، وتصبح الصورة التي تصوغها المؤسسة عنه أقدر على تقرير مصيره من صوته هو.
تتغير الأشياء في عين الإنسان أحيانا قبل أن يتغير هو في أعين الآخرين؛ فالتفاصيل التي ألفها طوال حياته تبدأ في اكتساب معان لم يعرفها من قبل. التفاتة غريب في الشارع تحمل قصدا خفيا، وحديث يجري بالقرب منه يبدو موجها إليه. تتلاحق الوقائع في انتباهه وفق صلات أخذ يكتشفها بينها، وتزداد ثقته بتفسيره كلما عثر على إشارة تلائمه. حتى ما يخالف اعتقاده قد يلتحق به؛ فاعتراض شخص قريب يزيد ظنه بأن أحدا يخفي عنه شيئا، ومحاولة طمأنته تتحول إلى سبب جديد للريبة. يصل المعنى قبل دليله، ثم يصير المعنى نفسه مقياسا للأدلة، وتتقلص قدرة العقل على مراجعة ما ينتجه من أحكام. تستولي الفكرة على من أنتجها.
في تجارب أخرى، يتسلل الاضطراب من شعور مبهم بأن الأشياء فقدت ألفتها، حتى تصبح الحياة اليومية محتاجة إلى جهد استثنائي لفهم ما كان يجري فيها بتلقائية. وقد يجد الإنسان نفسه يراقب أفعالا اعتاد القيام بها دون تفكير، بعدما فقدت صلتها القديمة بشعوره بذاته. تتراجع تلك الثقة الصامتة التي تسمح لنا بالانشغال بالعالم دون مراقبة مستمرة لأنفسنا، ويبدأ الاغتراب عن الذات من تفاصيل تبدو ضئيلة في عيون الآخرين، فيما تتغير من داخلها علاقة الإنسان بوجوده اليومي. ولأحوال الجسد نصيبها في هذه التحولات؛ تتشابك مع آثار التجارب الفردية بطرق تتفاوت بين الأشخاص، وقد يتدرج الاختلال زمنا طويلا، فيبدو للآخرين تغيرا مفاجئا، بعد أن عاش صاحبه وحده في عالم أخذ يتشكل بعيدا عن انتباههم.
وللعقل شهود يستعين بهم في أكثر أحكامه اعتيادا. يسمع المرء اسمه وسط ضجيج، فيلتفت إلى مرافقه مستوثقا مما سمع، وقد تكفي إشارة صغيرة حتى يعود ما حسبه يقينا إلى مجرد احتمال. من هذه المراجعات الدقيقة تنشأ ألفة العالم المشترك، حيث يجد الإنسان في إدراك الآخرين فرصة لامتحان ما يدركه بنفسه، مع ما تحتمله شهادتهم بدورها من خطأ. وقد يطال الجنون هذه الصلة، فتفقد كلمات المقربين قدرتها على زحزحة اعتقاد استقر في ذهن صاحبه، وتستمر المحادثة بينهم فيما تتباعد الحقيقة التي يعيشها عن العالم الذي يتقاسمونه. يتحدثون اللغة نفسها، ثم يفترقون عند ما تشير إليه الكلمات. أي غربة أشد من أن يظل الإنسان بين من يعرفهم، وقد صار إدراكه للعالم عصيا على المشاركة معهم؟
وما إن يظهر الاضطراب حتى يبدأ المقربون من صاحبه التنقيب في ماضيه عن حادثة تصلح لتفسير ما جرى. يستعيدون عزلة طالت أو حزنا أثقل أيامه، ويعيدون ترتيب الوقائع السابقة على ضوء ما عرفوه عنه لاحقا. تمنح الحادثة الواحدة لهذا المسار المعقد بداية يمكن تأريخها، ويبدو الجنون معها نتيجة لشيء استثنائي وقع في حياة شخص بعينه. ولعل رغبتنا في تعيين سبب محدد لكل جنون تحمل شيئا من حاجتنا إلى الاطمئنان بأن المسافة بين عقولنا وما نسميه جنونا أوسع مما هي عليه.
كم مرة صادفنا شخصا يحدث نفسه في الشارع، فانتقلنا إلى الرصيف المقابل خشية أن يقترب؟ يكفي أن تضطرب عبارته أو ينفلت صوته من انتظام الكلام المألوف حتى يصبح وجوده باعثا على التوجس. ننتظر من المجنون كل شيء، لأننا فقدنا القدرة على توقع شيء محدد منه. وقد يسبق خوفنا معرفتنا به؛ فالرجل الذي نعبر الشارع اتقاء له قد يمضي في طريقه منشغلا بما يعصف في رأسه، فيما ننشغل نحن بما يمكن أن يفعله بنا. وتضاعف هذه الريبة عزلته حتى يصبح كل فعل منه محكوما بقراءة جاهزة؛ يغدو غضبه المعتاد علامة على المرض، وتتحول عباراته إلى شواهد يستخرج منها الآخرون ما يريدون إثباته. وكيف يثبت المرء سلامة عقله أمام من جعلوا محاولته الدفاع عن نفسه موضع اشتباه؟
إلى الجسد تمتد محاكمة العقل، فيغدو العري الذي يستوقف المارة قرينة على اختلال صاحبه، قبل أن يعرفوا شيئا عن تجربته. من أين اكتسب الستر هذه السلطة على حكمنا؟ نتعلم منذ الصغر أن نضبط ظهور أجسادنا في أعين الآخرين، حتى تستقر رقابتهم في علاقتنا بأنفسنا، ويصبح الخروج عن هذا النظام مدعاة للشك في قدرة الإنسان على تدبير حياته. يمتد هذا الارتياب من الحشمة إلى تصورنا عن الحرية نفسها؛ فالجسد الذي يخرج عن أعراف الجماعة قد يبدو متحررا من سلطانها، فيما يظل معنى هذا الخروج رهينا بما يملكه صاحبه من قدرة على الاختيار. وقد يكون العري عجزا عن تقدير الأذى، فيما ننسب إلى صاحبه جرأة على الأعراف لم يخترها. لعل أكثر ما يربكنا في هذا المشهد أن الإنسان قد يغادر حدود الجماعة وقد ضاقت عليه حدود نفسه.
ربما يفسر هذا التعقيد شيئا من غرابة تجربة خيل؛ فقد استطاعت بعض الأسر أن تعيش مع أشخاص يعانون أحوالا مختلفة من الجنون، وأن تمنحهم مكانا في يومها دون أن تجعل التعافي شرطا سابقا للمشاركة في الحياة. يحتفظ من يجلس بينهم إلى المائدة بشيء من حياته خارج اللحظة التي يشتد فيها اضطرابه. فما الذي يتغير في معنى الجنون إذا أصبح في وسع الإنسان أن يظل جزءا من العالم الذي يشاركه الآخرون، حتى في الأوقات التي يعجز فيها عن فهم هذا العالم على النحو الذي يفهمونه به؟


















