نعمان الحاج حسين
القراءة متعة القارئ، لكن المتعة الأكبر هي الكتابة بالنسبة للكاتب؛ لأنها تعود بالقراءة إلى منبعها. فالقراءة نوع من الكتابة، والكتابة نوع من القراءة. وإذا استعرنا من الفلسفة نقول إن القارئ كاتب بالقوة، بينما الكاتب قارئ بالفعل. لا نتحدث عن قراءة كتاب ما، بل عن القراءة بشكل لا نهائي؛ لأن القراءة لا نهائية، ولا نتحدث عن تأليف كتاب ما، بل عن الكتابة اللانهائية. مثلما أن (ألف ليلة) كتاب فارسي منقول عن حكايات هندية، لكن العرب أضافوا كلمة واحدة إلى عنوان الكتاب فصار: (ألف ليلة… وليلة)، أي إنه صار كتابًا لا نهائيًا.
وبالإضافة إلى إجابة (برنارد شو) عن سؤال حول الكتب المقدسة، إذ قال: (كل الكتب… مقدسة)، فما هي الكتب المقدسة، بعد كل شيء، سوى حكايات للقراء المؤمنين؟ واليهود شعب خرج من التوراة وتاه في العالم، وظل اسمهم: (أهل الكتاب). ولعل التوراة أقدم كتاب مكتوب، بينما القرآن الكريم أقدم كتاب مقروء، والإنجيل حائر بينهما؛ فقد كان المسيح (كلمة) مسموعة دونها مؤلفو الأناجيل للقراءة. وإنجيل يوحنا يبدأ بالقول: (في البدء كانت الكلمة، والكلمة كانت الله…).
وهذه المقولة مركز أخطر مفهوم في الحضارة الغربية، وهو مفهوم اللوغوس، الذي لم يستطع المثقفون العرب أن يجدوا ترجمة مناسبة له؛ فقد ترجموه على أنه: (العقل) أو (الفكر) أو (اللغة)، والمشكلة أن اللوغوس هو كل هذا في كلمة واحدة. وقد اقترح كاتب أن اللوغوس مأخوذ من كلمة (لغة) العربية: (لوغو/لغو)، واقترح آخر العكس، أي إن كلمة (لغو) العربية هي المأخوذة من كلمة (اللوغوس) اليونانية.
واللغو منبوذ في القرآن الكريم: (وإذا مروا باللغو مروا كرامًا)، بل إن اللغو لا يدخل الجنة: (لا تسمع فيها لاغية). وكلمة (لغة) لا ترد في القرآن الكريم أبدًا، بل ترد كلمة (لسان) بمعنى اللغة. والقرآن كلام مسموع، وقد احتاط من الكتابة الحتمية، من زمن تدوينه اللاحق، من خلال إصراره على (التلاوة)، والتلاوة هي القراءة الشفهية بصوت مسموع. ورغم تدوين القرآن الكريم كتابةً، إلا أنه الكتاب الوحيد الذي يُتلى، مع أنه يُقرأ قراءة أيضًا، لكنه أصر على الحفاظ على أصله الشفهي المسموع. ولكن القرآن الكريم أكبر لوغوس في العالم، أي إنه أكبر خطاب ينطبق عليه مفهوم اللوغوس أكثر من التوراة والإنجيل، وهو الكتاب النثري الوحيد القابل للحفظ غيبًا.
يقال أيضًا إن (المعرفة شكل من أشكال المتعة)، وهذه إجابة عن سؤال المعرفة الكبير، وهي مقولة هادئة وسلمية لا يعترض عليها أحد، وقد يوافق عليها حتى (فرويد) نفسه، على الرغم من “الحرب الأهلية الطاحنة” بين الرغبات عند فرويد، والصراع بين الوعي واللاوعي، وبين الأنا والأنا العليا. ونظرًا إلى كل تلك المخاطر والدروب المتشعبة، فهل يمكننا أن نتساءل – بحذر شديد – فيما إذا كانت المتعة، بالمقابل، شكلًا من أشكال المعرفة؟ هذا سؤال لا يمكن الإجابة عليه بسهولة، بل بصعوبة، ونحتاج إلى تشاؤم فرويد بدل تفاؤلنا. ويمكننا مواصلة الرَّوي من خلال أحداث ووقائع وتواريخ بدل الإجابة القاطعة.
محور حكايات (ألف ليلة وليلة) هو قيام (شهريار) بالقتل المتسلسل من خلال الزواج كل مرة من امرأة ثم قتلها في اليوم التالي، إلى أن جاءت شهرزاد وراهنت على الوقت في سرد قصة غير مكتملة على أن تكملها في اليوم التالي، فجعلت شهريار يؤجل قتلها إلى يوم آخر بسبب التشويق لمعرفة نهاية القصة، فأحلت رغبة شهريار في الاستماع إلى القصة محل رغبته في القتل. وفي النهاية أحبها شهريار بدل أن يقتلها.
في السبعينيات من القرن الماضي، فإن القاتل المتسلسل (بول جون نولز)، الذي كان يستدرج النساء ثم يقتلهن، اضطر إلى اختطاف امرأة من أجل سيارتها بينما كان البوليس يطارده، وأثناء قيادته بعيدًا عن المكان سأل رهينته عن عملها، فقالت إنها كاتبة أو محررة، مما استوقفه كثيرًا، وسألها إن كانت قادرة على تأليف كتاب، فقالت إن هذا ممكن، فقال لها: (يمكنك مساعدتي في كتابة سيرتي الذاتية إذن!!).
بعد وقت أطلق سراحها وواصل هروبه، وهي الوحيدة التي نجت من القتل من ضمن النساء اللواتي اختطفهن. والمثير هنا – كما تبين فيما بعد – أنه كانت لديه رغبة شديدة في تأليف كتاب عن سيرة حياته وجرائمه، رغبة نافست رغبته الجامحة في القتل؛ رغبته أن يكون الراوي لا المستمع للروايات… مثل شهريار.
فهل يمكننا، استطرادًا، أن نتساءل فيما إذا كانت الرغبة في الكتابة والإنشاء اللغوي رغبة ذكورية، ضحيتها النساء؟ وأن الانقلاب البطريركي من العهد الزراعي الأمومي الأول، حين كانت المرأة إلهة، إلى العهد الذكوري حين صارت الألوهية حكرًا على الرجال، هو انقلاب من عصر الكلام إلى عصر الكتابة، حيث الرجال الذين احتكروا اللوغوس أيضًا؟













