مريم العجمي
لا سيدة في الجيم تقدر على حمل نفس أوزان عزة، أو كابتن عزة كما تفضّل بعض الفتيات مناداتها، رغم أنها ليست المدربة. كلما ذهبتُ إلى الجيم وجدتها، مهما اختلفت المواقيت وتباينت الأيام.
دائمًا حول عزة بنات يسألنها عن تمرين ما؛ كيفية الأداء الصحيح ما العضلة المستهدفة. عزة لا تبخل على أحدٍ بمعلومة، تكرّر التمرين أكثر من مرة حتى يُؤدى بشكلٍ صحيح. لا تسكت أبدًا إذا ما رأت إحداهن تخطئ الأداء، تضبط وضع يدها وجسدها حتى يَصِح التمرين.
عزة جزء من المكان مثل المشاية والدراجة الثابتة و”الكيبل”. لا تمانع أبدًا إذا ما طلبتْ منها بعض الفتيات حصة تدريب على “الاستيب” أو رقصة “زومبا” أو تمارين “الأيروبيكس”؛ في ساعات التجلي تمزج عزة التمارين الثلاثة معًا حتى تتوّرد الوجوه وتلمع فتعرق الفتيات جازًا.
لا يمكن أن تُخَمِّن سن عزة، وقت التمرين أراها فتاة عشرينية عفيّة، لها جسد مشدود شبه مثالي لولا بعض التمدّدات في الذراعين والتعرجات الخفيفة في الأرداف، لكن إذا ما جلست بين تمرينتين تلمح تسعين عامًا فوق كتفيها.
عزة أصلًا ليست من الريف، وفدت من القاهرة، أحبت شابًّا وتزوجته رغم اعتراض الأهل. لم يحبها أحدٌ من أهله، تلك البنت المدللة القادمة من البندر، لا يعرفون أصلها أو فصلها، حلوة زيادة ومهتمة بروحها. لم يمر العام إلا وكانت حبيبة الكل، أخواته وأمه والأقارب والجيران، صارت موضع ثقة وأمينة الأسرار.
“اختاري وزنا مناسبا لقدراتك، خصوصًا في البداية، ضعي أوزانًا خفيفة، المهم الأداء”.
ثلاثة أعوام، ست نوبات إجهاض، ما بين الشهر الثاني والثالث، قبل أن تعرف أصلًا بالحمل، في الخامس، آخر مرة وصل الجنين للشهر السابع، أحست برفساته وانقباضاته، رأت ملامحه في شاشة الطبيب، عرفت أنه ذكر، قررت أن تسميه “محمد” على اسم حماها رحمه الله. قررت أن تنفذ نصيحة حماتها وتشحت ملابسه لن تشتري الجديد كي يشحِّتها الله الصبي، تغني له (حمادة حمدته، من ربي شحته). كل يوم يكبر الأمل، كل حركة وعد باللقاء، تقلق إذا ما أطال السكون، تأكل البصل أو أي شيء مسكّر حتى تستعيد الرفسة من جديد، تحمد الله على سلامته تعرف أنه يحب الشيكولاتة أكثر من البصل من طبيعة الرفسة تخبرها إذا ما كان غاضبًا أو مزاجه رائق.
“زودي الأحمال بالتدريج على مدار الأسابيع، كلما اعتادت العضلة الوزن ضيفي أثقالًا جديدة”.
عضلات الرحم ضعيفة جدًّا لا تحتمل الجنين فتطرده. كرهت عزة المكان الذي لفظ محمد، لم يحتمله أيامًا قليلة قادمة، كيف أحبته كل هذا الحب ويتخلى رحمها عنه بهذه السهولة. أبلغها الطبيب أن الجنين مختنق بالداخل، ويشكل وجوده خطرًا عليها.
“ليه يا محمد تمشي بدري كدا وتسيبني؟”.
أوقفت عزة حياتها على محمد، خططت لكل شيءٍ معه، ستترك الغرفة الكبيرة لزوجها، تحججت ببكاء الصغير الذي سيقلق منامه، ظاهريًّا حفاظًا على راحته، لكنها كانت تخشى نوم زوجها العشوائي، لن ينفعها إذا ما مد يده خنق الرضيع دون أن يدري. جهزت رسومات لاصقة من الرجل العنكبوت والرجل الوطواط والسيارات التي يحبها الصبيان. كثيرًا ما تستلقي على ظهرها وتُمَسّد البطن وتحكي معه، تخبره الأحداث اليومية والأخبار العالمية، تُسمعه مقاطع الأغاني المفضلة لديها. حتى إنها تأخذ مشورته في طعام الغد بلغة الرفس إذا وافق يرُفس رفستين، كما أنها حرّمت أكل السمك لأنه لا يحبه.
حذّرها الطبيب من النظر إلى الجنين كي لا تُصَعِّب الأمور على نفسها، لكنها لم تقدر ألا تلقي نظرة لقاء ووداع على محمد. نادته هامسة علّه يفتح عيونه التي وُلِد بها مغلقة. طلبت منه البكاء كي تسمع صوته، أو يحرِّك أطرافه ويرفسها رفسة أخيرة، نادتْ يا محمد. انطبعت ملامحه المنمنة كوشمٍ في الذاكرة. صمتت عزة لم تصدر صوتًا في غرفة العمليات، فقط ذاهلة واجمة كأنها في عالمٍ آخر.
في البيت عندما عادت شعرت بغرسة إبرة في صدرها، تحسست الثدي وجدته غارقًا ينزّ الحليب. بكتْ عزة، صرختْ تنادي محمد، دخلت في نوبة نَهْنَهة تحرق قلب الحجر.
بهتت عزة، صارت شبحًا، تنظر هبوط بطنها بحسرة، تحرك كفها مكان رفساته الحنون، تقبضها بقسوة، تود لو تعاقبها بحق ما تخلّت عن محمد.
“العضلة يُعاد تشكيلها بالأوزان، وبمقدار الألم يأتي التطور”.
عشرة.. عشرون.. ستون.. ثمانون، لا تكتفي بزيادة الأوزان في التمرين، لا سيدة في الجيم تقدر على حمل نفس أوزان عزة.
………………………..
*من مجموعة “تقنيات جديدة لتطوير فن المشي” الصادرة عن دار المحرر 2026













