قصص قصيرة جدًّا

فكري عمر

فكري عمر

ثغــــرة

جلس قبالته في القطار. رآه شاردًا خارج الشباك، وإلى جانبه حقيبة جلدية نصف ممتلئة. حدس أنه يحمل أشياء ثمينة: أفي الحقيبة أم في جيوب الجاكت الداخلية والبنطال؟ تنحنح، لكن الآخر لم يلتفت أو يغير وضعية جلوسه، حتى جاءت عجوز، مالت نحوهما تهمهم بكلام غير مفهوم بالكامل وبعينين مبللتين بالدموع، منحها ورقة مالية كبيرة، وتجمدت في عينيه دمعتان أزالهما بمنديله، والتفت إلى جاره للمرة الأولى.. هكذا تراجع الجار عن مغامرة السطو والقفز عند أقرب محطة، أخذ يشد الآخر من عالمه بالحديث، وتبادل المشروبات، ثم ألّف حكاية عن مأساته، فحصل على أكثر مما خمن، حينها هبط عند أقرب محطة، وانتظر القطار العائد.

**

جراحــة

قال السائق: “استيقظ عمي صباح أحد الأيام معافى بعد مرض طويل، زاره الولي سيدنا الكردي ليلتها في المنام وأزال حصوات الكلى”. عقب أحدهم: “يا الله!”، وهو يهز رأسه مستغرقًا في الحكاية. نظرت خارج الزجاج المغلق، الأبنية على طرز عربية وأجنبية. أوقفتنا إشارة حمراء لا يمكن كسرها في ذلك البلد الخليجي؛ فالغرامة قاسية. عبر سماعة الصوت رد السائق على اتصال هاتفي، ثم أخبر أمه قبل إنهاء المكالمة كيف أن الأجانب العفاريت سيدخلون الجنة قبلنا لو أسلموا مثلنا، سأله جاره في الكرسي الأمامي ضاحكًا، فأشار إلى الطرق الممهدة، والكاميرات، والسيارة، ولوى رأسه قليلًا نحو طائرة تُحلّق في السماء.

**

سِكِّين

في أي عام حدث ذلك اللقاء؟! يسأل كل منهما نفسه، ثم يسافر إلى الوراء بحثًا عن إجابة. كان السائق المسنُّ حينها يمضى مسرعًا رغم المطر، ينظر إليهما في المرآة الأمامية للسيارة؛ للأنس بالكلام معهما. هكذا أخذ الثلاثة في حديث عن البحر، والمطر، والأيام حتى قال لهما فجأة: «لا أصدق أن يومًا واحدًا يفصلني عن سِنّ الستين، كنت في العشرين، وغفلتني الأيام دون أن أنتبه».

هنأه الاثنان بعيد ميلاده، وأخبراه أن أمامهما حفل خطبة، فزواجًا، فأطفالًا، فمشاكسات، ثم ضحكا؛ ليزيحا الانقباض الفجائي عن وجهه مثلما تزيح إطارات السيارة ماء الطريق على الجانبين، ابتسم لهما ابتسامة صغيرة، واهتزت رقبته بغير اقتناع، ولا رضا.

كان ديسمبر البارد يدمدم خارج العربة، لكن الدماء دافئة بداخلها، فقد كانا الخطيبان يتبادلان ضحكات من نور، وقبلات بالعيون، بينما يغسل ماء السماء المنهمر الطرقات، والأِشجار، والهواء.

أحدث ذلك الحوار منذ عام؟! لا. منذ اثنين؟! لا. ثلاثة.. عشرة.. عشرين..؟!

أي لعنة تلك؟! من يومها صارا يجريان رغمًا عنهما خلف شبح المسنِّ الذى يندفع أمامهما قدمًا بقوة السنوات الطائرة، وكلما توقفا ليأخذا أنفاسهما أبصرا من خلفه سكينًا مشحوذًا معلقًا في السماء.

**

إشـــارة

توقفت أمام تلك الصورة.. التقطها بكاميرا الهاتف من ثلاثة أعوام لشريكين تجاريين في حفل ما. يبدو أحدهما جادًّا ومهمومًا كأنه يحمل عبء الدنيا كلها على رأسه، والآخر يميل بوجهه قليلًا وهو يتطلع إلى ما وراء الكاميرا بابتسامة ساخرة.

طار الضاحك مؤخرًّا بالثروة كلها وترك رفيقه يندب حظا لا يرافق الطيبين من أمثاله. كنت واحدًّا ممن يزورونه لمؤازرته بعد مرضه، والمستمعين للحكاية نفسها عشرات المرات، كأن الزمن توقف عن التقدم وصار يحفر عميقًا في يوم الصدمة.

تبسمت بحيرة وأنا أتطلع إلى كلمات جديدة تخرج من الصورة. 

**

الباب الثاني

تعلقت عيناه بأشكال آدمية ملونة أثناء وقوفه أمام باب الدخول الخفي، كانت اللوحة محفورة في منتصف الباب. أول مرة يواجه أسلوبًا فنيًا كهذا، وهو المغرم بالأشكال والرموز. لم يسعفه الوقت ليحل لغز التفاصيل الدقيقة للصورة، انزلق إلى بهو القصر سريعًا، وتركوه يتصرف كما دربوه.

كبح دهشته وجموحه وهو يطوف بين الشجر، والخدم، والوصيفات. ينتعش بالرذاذ الرطب، والروائح الباذخة التي تعبق بالأجواء، والحجرات ذات المداخل والمخارج السرية. تعاوده لحظة نجاحه في مسابقة التمثيل، سيجسد دور ملك البلاد على الشاشة، وها هو يدخل قصره ليحيط بكل التفاصيل، يضحك ويأكل وينادم كالشبيه الحقيقي، يقنع نفسه أحيانًا أنه ليس كثيرًا عليه كشخص ذكي وموهوب أن يعيش مرفهًا طوال حياته، أليس واسع الحيلة كالملك المنحوتة أغلب ملامحه فوق وجهه والرتوش الباقية أكملها الماكيير ببراعة؟!

“متى أقابله؟”.

صدمته إجاباتهم:

“لا فيلم ولا مسرحية”.

عندئذٍ صار يغتم كلما لاح لعينيه واحد ممن جلبوه إلى هنا، سيدفعون به ذات يوم خارج الباب الثاني للقصر بعد أن يشرب الجميع الخدعة، ووحده سيواجه المؤامرة المميتة بدلًا من سيده.

 

 

 

 

فكري عمر

31 مقال
صدر له: الجميلة وفارس الرياح الزمن الآخر  

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع