محمد ممدوح
شكّلت الكتابة عن الديكتاتورية وجرائمها التي تسحق الحجر والبشر، ملمحاً أساسياً وهاماً في خريطة الأدب العالمي بجغرافيتها الواسعة والشاملة؛ حين تُختصر الدولة وقبلها المجتمع في «حاكم فرد» يجلس كإله فوق القانون والإنسانية؛ فمن ينسى هذه الروايات الهامة والمؤثرة في هذا السياق: «د. جيفاجو»، «1984»، «السيد الرئيس»، «خريف البطريرك»، «حفلة التيس»… إلخ؟.
جاءت رواية «قصة تحرٍّ» القصيرة، (80 صفحة)، للمجريّ “إمره كيرتيس” (1929م – 2016م)، الحائز على جائزة نوبل عام 2002م، لتضاف لتلك القائمة من الروايات السابق ذكرها؛ لذا لم يكن مستغرباً فوزه بالجائزة المرموقة «لنتاجه الذي يروى فيه تجربة الفرد الهشّة في مواجهة عسف التاريخ الوحشي»، كما جاء في بيان الأكاديمية السويدية. فقد اعتقل كيرتيس بعمر 15 عاماً، أثناء الاحتلال الألماني للمجر عام 1944م، ورُحّل إلى معسكريْ “أوشفيتز” و”بوخنفالد”، إلى أن تم إطلاق سراحه عام 1945م، عام سقوط النازية.
شكّلت مأساة اعتقاله لديانته اليهودية وموت والده في أحد معسكرات النازية مادةً خاماً لأعماله اللاحقة بلا استثناء، بدأت بروايته الأولى “بلا مصير” عام 1975م، وجزئيها المُكمّلين: “الفشل” عام 1980م، و*”قدّاس لطفل لم يولد بعد”* عام 1990م.
نُشرت روايته «قصة تحرٍّ» للمرة الأولى عام 1977م، في ظل ديكتاتورية “يانوش كادار” أمين عام الحزب الشيوعي المجري آنذاك! فقد جعل كيرتيس أحداث روايته تدور في بلدٍ متخيّل لم يسمّه بأمريكا اللاتينية، وكذلك أسماء شخصياته جاءت لاتينية صرفة! كي يُسمح بنشرها عبْرَ الرقابة الحمقاء التي تغافلت عن مغزى العمل، الذي ينطبق على أي ديكتاتورية أياً كان موقعها، وتوقّفت فقط أمام أسماء أبطالها الذين لا يمتّون للمجر بصلة!.
صَدَرت ثلاث طبعات للرواية أعوام: 1997م، و2001م، و2004م، وترجمها للإنجليزية “تيم ويلكينسون” عام 2008م، وأعيد طبعها عام 2017م عن دار “هارڤيل سيكر”.
تنقسم الرواية إلى فصلين؛ لا يتجاوز أولهما صفحتين، وجاء كتمهيد فني لتقنية الحكي التي سيعتمدها كيرتيس في الفصل الثاني، حيث نرى “أنطونيو روخاس مارتنيز” في محبسه؛ وهو محقق سابق في نظام ديكتاتوري أسقطته ثورة، ينتظر تنفيذ حكم الإعدام على تُهَم عديدة، كالمشاركة في قتل الذين أخفتهم الدولة قسرياً، من بينهم عائلة ساليناس التي تدور أحداث الرواية حول مصيرهم الدموي.
يُمثّل المحامي/ الراوى الخارجي وكيلَ المحكمة للدفاع عن المحقّق/ الراوي الداخلي للقصة؛ حيث تشكّل مذكراته التي سيكتبها داخل السجن المَتْنَ الروائي للعمل: “نظراً لتحصيله العلمي، فقد أبدى موهبة مذهلة في الكتابة، ومثله في ذلك -حسب خبرتي- كل من يوطِّن نفسه ولو لمرة واحدة في حياته على مواجهة مصيره”. تعتمد مذكرات أنطونيو على: مذكرات إنريكي ساليناس اليومية التي اشتراها بعد قتل الأخير من رئيس الأرشيف السري مقابل توفير صنف رفيع من الخمر، والحوارات مع إنريكي وابنه، وتسجيلات الأشرطة للمحادثات بينهما داخل السجن، وأفكاره الخاصة.
تُطلعنا المذكرات على آليات القمع والإخضاع التي تستخدمها أنظمة لا تتورّع عن القتل للوصول إلى هدفها، فنلمح تبدّل مآلات الجلّاد/ المُدان، وتناقضه في جملة كاشفة على لسان محاميه: “تنهض تلك النفس البشرية وتستيقظ داخل مارتنيز لتطالب بحقوقها، أيّ رغبة في البوح والتعبير وإيجاد معنى لمصيره”. نعرف أنّ أنطونيو انتقل إلى “الفيلق” من الشرطة النظامية كمحقق جنائي، لكن لاعتماده بشكل نهائي، كان يجب عليه اجتياز دورة تدريبية غُسِل فيها دماغه: “كان لابد من تثبيت النظام، إنقاذ الوطن، القضاء على الاضطرابات”.
وبحجة منع كارثة كبيرة، تمت مراقبة “إنريكي ساليناس”، (28 عاماً)، ابن “فيديريكو ساليناس” مالك سلسلة متاجر كُبرى، ليس لنشاطه السلمي كطالب جامعي فقط، وإنما لكونهم يهوداً! كما ذَكَر رودريجز رئيس أنطونيو المباشر أثناء قراءته كتاباً بالإنجليزية بعنوان “أوشفيتز”، حيث نجحوا في تجنيد صديقه “رامون” للتجسس عليه ونقل تحرّكاته، كما تسببوا في تخريب علاقته بحبيبته “جيل” وابتعادها عنه. تم القبض على الأب والابن بتهمة الخيانة ومحاولة قلب نظام الحُكم، وتكتمل عبثية المشهد عندما يغضب الكولونيل قائد الفيلق، مستنكراً اعتقال أبرياء وتعذيبهم، قبل خطابه أمام البرلمان! “فماذا عساه أن يقول لهم”، وما العمل يا سيادة الكولونيل؟! “اجمعوا أدلتكم جيداً، واعقدوا محاكمة عسكرية بعد ساعة”.
تم تقييد الأب والابن إلى عمود في الفناء الداخلي لمقر الفيلق وإطلاق النيران عليهما!
……………………………………
*ترجَم ثائر صالح ثلاث روايات لإمره كيرتيس: «لا مصير»، «الراية الإنجليزية والمحضر» (روايتان في كتاب واحد).











