قراءة في ديوان “الأشجار مازالت تمشي”

mahmoud gomaa

د. عفت بركات

الشاعر المبدع هو الذي يجعل من النص الأدبي مشغلا يخصب فيه المعاني المعجمية للغة، ويخلق علاقات جديدة لم تكن مألوفة تثير دهشة المتلقي. وفي ديوان “الأشجار مازالت تمشي” للشاعر محمود جمعة، الصادر عن بتانة للنشر والتوزيع يبدأ بكسر أفق التوقع بداية من العنوان الذي يحمل صورة سريالية  وهي (مشية الأشجار) الأشجار في الوعي الإنساني رمز للثبات والجذور لكن الشاعر منحها القدرة على الحركة وهي حركة ليست فيزيائية بالضرورة بقدر ما هي “حركة شعورية” تعبر عن استمرارية الألم.

من الخطأ أن نتعامل مع قصيدة النثر على إنها حيزا أو جسدا جمع صفات الشعر والنثر جمعاً مادياً لا تفاعل فيه، وإنما هو انتقاء ذكي لعناصر وصفات من المنطقتين وإعادة توزيعها على نحو إبداعي ينتج منطقة ثالثة لها مواصفاتها الخاصة وجمالياتها الجديدة. إنه جمع تفاعل، وإنتاج محصلة لها إتجاهها الخاص الذي يميزها عن النثر والشعر كما كانا يفهمان قبل ذلك. يعتمد محمود جمعة في قصائد الديوان نمطا يمزج بين شعر التفعيلة ذي الإيقاع الداخلي الهادئ وبين قصيدة النثر التي تتكئ على الصورة المكثفة. جاءت لغة الشاعر بسيطة في مفرداتها لكنها عميقة في تركيبها الإستعاري هو لا يستخدم لغة معجمية معقدة، بل يستعير مفردات من الحياة اليومية ليصهرها في بوتقة شعورية خاصة.

البنية الحوارية تبرز في قصائد مثل”حديث الرصاصة العمياء” مستخدما نمط  الديالوج أو الحوار الدرامي حيث يستنطق الأشياء والذوات مما يمنح النص حيوية درامية تخرجه من رتابة البوح الفردي.

السمات الفنية والجمالية:

النزعة الإنسانية والوجدانية التي  تصبغ القصائد حيث يهدي الشاعر ديوانه إلى أرواح المتعبين بصبغة الرثاء الوجودي للإنسان المعاصر . لذا نجد تكرارا لتيمات (الألم، الغربة، الطفولة الضائة ) كما يقوم باستدعاء الطفولة حيث تظهر الطفلة في أكثر من موضع كرمز للبراءة المفقودة أو المحفزة للحنين. الشاعر يقدم نفسه كطفل غريب يبحث عن صدر يمنحه السكينة بعد ستين عاما من الجنون. في قصيدة “أغنية لطفلةٍ أخيرة”

“اركبي الفلك سننجو؛ فليس للطوفان غير نوحنا …

امنحيني قطيفة صدرك البيضاء واستوي على عرشي

ودندني أغنية العشق الوحيدة”

كما اعتمد الشاعر على المشهدية  ففي قصيدة “راقصة التانجو” لم تكن مجرد وصف لرقصة بل هي لوحة سريالية للحزن والجوع والقسوة الاجتماعية. حيث يقول:

“الله/ لقلب جنرال قاسٍ أعاد احتلال الصقيع في الشتاء

 وأرسل جحافلة لقتل الزمان في الربيع”

يعكس الديوان صراعا بين ” الأنا” الشاعرة الحالمة وبين واقع “قاس” يشبه الرصاصة  هناك رغبة دائمة في الانعتاق والرحيل. رغم ذلك لا ينفصل الشاعر عن واقعه فهو يتحدث عن الأطفال الجائعين والأرملة اليتيمة وبائع القلوب في السوق مما يضفي بعدا نقديا للمجتمع وسط الحالة الرومانسية الغالية.

فنيا: نجح محمود جمعة في بناء وحدة موضوعية داخل الديوان حيث تتسرب الرموز( البحر، المطر، العصافير، الأشجار) من قصيدة لأخرى لترسم خريطة شعورية موحدة تدور حول الصمود رغم الانكسار. لذا أقول أن ديوان “الأشجار مازالت تمشي” تجربة لأنسنة الأشياء  وإعادة صياغة الألم في قوالب جمالية  تحرك بكلماته بين الرومانسية الحالمة والواقعية المريرة مستخدما الصورة الشعرية كأداة للمقاومة الوجودية. في قصيدة”حديث الرصاصة العمياء.

“استوقفتني الريح…لكنني لم أهضم الدنيا/

 لفظتها مرتين وهي تلوكني؛

فصرت في خارجها شهابا تائها في الفضاء…”

في مقطع آخر يقول:

” أنا أسكن الناس والشجر/

 أبيتُ ليلة في جيب طفلةٍ يتيمةٍ (قطعة حلوى)/

وليلة في صدر أرملةٍ (تنهيدة أخيرة)…”

أصبح مبدأ التشكيل والتساؤلات الملحة قانوناً ينفرد به شعراء قصيدة النثر الذين أرادوا التحدث – علانية- بلا قوانين، ليحاكموا وجودهم العبثي المليء بالفوضى، خارج حدود الإنضباط في المجتمعات المتماسكة، ما دام العالم يزخر بالمقاييس والأنظمة الإيقاعية التي تجعل أرواحهم عالقة في أسيجة نظمية قاسية تستخف بوجودهم. لذا كان اللجوء إلى حرية أو ديمقراطية التعبير أحد الأسباب وراء تحطيم تلك الأسيجة الحديدية التي كانوا -هم- من روادها في نهضتها. وأقصد بها هنا قصيدة التفعيلة.

إستطاع الشاعر أن يبني تجربته بصدق كبير، كما استطاع أن ينطلق في عوالم الشعر دون قيد بوعى يمكنه من التحقق بجدارة

استطاع الشاعر أن يقدم لنا من خلالها  تجارب حياتية ناضجة .تتمتع بحس فلسفي مستفيدا من إمكانات قصيدة النثر قدر الإمكان في ظلالها الكثيفة .

كما تجلت لديه شعرية التفاصيل إذ يعتمد نصه الشعري  في ترجمة مشاعره على زخم التعبيرات المجازية المدهشة. فشكرا للشاعر محمود جمعة متعة القراءة

 

 

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع