قارئُ المَلَأ

mohammed mamdouh

محمد ممدوح

عندما اكتشفتُ غواية القراءة، انتابتنى الدهشة للعوالم والشخصيات التى تشبه الواقع، لكنها كانت أكثر غِنَى وكثافة، لأكتشف أنَّ عيشها واجبٌ إنسانىٌّ حتى لا نصاب بالجنون لرتابة الحياة ومللها.

كنت أقرأ بصوت مرتفع أقرب للهمس لأُسمِعَ نفسى، بدون ذلك لم أكُن قادراً على الفهم والاستيعاب؛ لذا كنت أندهش عندما أرى أناساً يقرأونَ صامتين بأعينهم، فأتخيَّلُ الكلمات محبوسة بين صفحة الكتاب وعقولهم، دون فرصة ليتردَّد صداها فى الفراغ المحيط، أو لتتنفَّس هواء العالم.

لَفَتَ انتباهى صديق ذات مرَّة، كنت أجلس بجواره وأقرأ؛ لأنَّ صوتى الهامس شوَّشَ عليه أثناء قراءته، سخرتُ من طريقته الصامتة فى القراءة، فألمح بسخريةٍ أكبر، أنَّ القراءة بصوت ٍ مرتفع يفعلها الأطفال الذين يتهجَّونَ الأحرف، ضحكنا.

أَخَذَ التعوُّد وقتاً، كنت أضبط صوتى أثناء همسه بالجُمَل عند تأثُّري بمشهدٍ ما فى رواية، فأغلق فمى وأقرأ بصوت عينىّ.

اكتشاف القراءة بتلك الطريقة جَعَلَ تركيزى أعمق، وصدى الكلمات يتردَّدُ داخلى بحرية، داخلى أصبح عالماً للكلمات، تتجوَّل فيه بين أحلامى ومخاوفى وذكرياتى، حتى عندما أقرأ على المَلَأ، فى ندوة تجمع كُتَّاباً متآمرين يكرهونَ بعضهم، يسود صمتٌ عميق يشبه داخلى تماماً.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع