أسامة كمال أبو زيد
ميلاد المدن لا يبدأ من تاريخ نشأتها، بل بما عاشته من أحلام، وما احتملته من وجع، وما كابدته من آلام. وبورسعيد واحدة من تلك المدن التي عبرت النار، ثم خرجت منها أكثر صلابة، وأكثر تعلقا بالحياة.
سنوات التهجير في بورسعيد (1967-1974) لم تكن مجرد فصل من فصول حرب الاستنزاف، ولا قرارا إداريا بإخلاء مدينة من سكانها، بل كانت تجربة إنسانية نادرة عاشها شعب كامل. خرجت الأسر تحمل مفاتيح البيوت، وتركت خلفها شرفات المنازل، ونباتات اللبلاب، ورائحة البحر، على أمل العودة القريبة. وبقيت المدينة، لأول مرة، بلا أطفال يركضون في شوارعها، ولا نساء يفتحن النوافذ مع أول النهار، ولا ضجيج الأسواق مع غبشة كل صباح.
لكن بورسعيد لم تفرغ تماما من أهلها.
فقد بقي فيها رجال اختارتهم الضرورة، وعرفتهم الأيام باسم “المستبقين”. لم يكونوا أبطالا في كتب التاريخ، بل رجالا فرضتهم ضرورات الحياة تحت وهج القصف، وحبا للحياة.
جاء قرار بقائهم بعد أن وصلت الحرب إلى ذروتها. فبعد هزيمة يونيو 1967، وقف العدو أمام السويس والإسماعيلية، بينما ظلت بورفؤاد عصية عليه بعد معركة رأس العش، أولى معارك الصمود التي أكدت أن الهزيمة ليست نهاية الطريق. ومع تصاعد حرب الاستنزاف، بدأت المدفعية المصرية الثقيلة، المتمركزة في القابوطي وقشلاق السواحل، تدك مواقع خط بارليف. وكان أهل بورسعيد، بطريقتهم الساخرة، يمنحون تلك المدافع أسماء من الحياة اليومية؛ فإذا انطلقت إحداها قالوا: “الحاجة بتزغرد”، وإذا دوى صوت الأخرى قالوا: “بلبول بيغرد”. حتى الحرب كانت تجد بينهم مساحة للابتسام.
لكن العدو أدرك أن إسكات تلك المدافع لا يكون إلا بقصف المدينة نفسها، فانهالت القذائف على بورسعيد، وصدر قرار التهجير.
ومنذ تلك اللحظة، بدأت الحكاية التي لا تشبه أي حكاية أخرى… حكاية حراس البحر.
كان الرحيل للجميع، لكن البقاء لم يكن متاحا إلا لحراس البحر.
لم يكن اختيار المستبقين عشوائيا، ولا خاضعا للوساطة أو المجاملة. تشكلت لجنة ضمت مكتب الحاكم العسكري، وإدارة شؤون التهجير، وعددا من القيادات التنفيذية، إلى جانب ضباط البحث الجنائي ومباحث الأقسام. وكانت المهمة دقيقة، لأن من سيبقى لن يعيش حياة عادية، بل سيقف في الصف الأول، بين القصف والخطر والوحدة.
قسمت المدينة إلى مربعات صغيرة، ولكل مربع احتياجاته اليومية والضرورية، حتى لا تتوقف الحياة تماما. لم يكن الهدف أن تستمر المدينة كما كانت، بل أن تبقى قادرة على الصمود.
وكانت الدقة والشفافية في اختيار المستبقين من أصحاب المهن والحرف شرطا لا يقبل أي تهاون. وكان كل اسم يخضع لتحريات دقيقة، ومن تحوم حوله شبهة أو سابقة يستبعد فورا، ويختار غيره. فالمدينة التي تواجه الحرب لم تكن تحتمل أن يدخل صفوفها من يخونها.
أما العاملون في المحافظة والمصالح الحكومية والمرافق، فقد ترك اختيارهم لرؤسائهم، مع مراعاة ظروفهم ورغبتهم في البقاء. لم يجبر أحد على مواجهة الموت، لكن كثيرين اختاروا أن يبقوا، لأنهم رأوا أن خدمة المدينة في تلك الأيام لا تقل شرفا عن الوقوف في الخنادق.
وأعد مكتب الحاكم العسكري ملفا لكل مستبقى، يضم صورته وبياناته كاملة، ثم أصدرت بطاقات خاصة كانت بمثابة جواز مرور داخل مدينة أصبحت لها حدودها وقوانينها الاستثنائية. بطاقات خضراء لمن لا يمكن الاستغناء عنهم، وأخرى وردية لمن تسمح الظروف باستبدالهم عند الضرورة.
وأصبح للمدينة منفذ بري واحد عند المنفذ الجمركي غرب بورسعيد، يمر منه الداخل والخارج بعد إجراءات تفتيش دقيقة، إلى جانب محطة اللنش على بحيرة المنزلة، التي ظلت تربط المدينة بالعالم الخارجي.
ومنذ تلك اللحظة، لم يعد المستبقون مجرد موظفين أو أصحاب مهن، بل تحولوا إلى عائلة كبيرة. ترك كل منهم أهله في مدن التهجير، لكنهم وجدوا في بعضهم أهلا جددا، وتقاسموا الخوف كما تقاسموا الخبز. وأصبح اسم “المستبقى” وساما غير مكتوب، لا تمنحه جهة رسمية، بل تمنحه المدينة نفسها لمن اختار أن يبقى معها حتى النهاية.
لم يكن أصعب ما في البقاء صوت المدافع، ولا صفارات الإنذار، ولا انتظار الغارة التالية. كان الأصعب هو الغياب.
كانت البيوت مفتوحة، لكن معظمها خال. وكانت الشوارع تعرف أصحابها من المهجرين، لكنها لا تراهم. وكانت المدينة، التي اعتادت ضجيج الأطفال ورائحة الطعام المتسللة من النوافذ، تستيقظ كل صباح على صمت ثقيل، كأنها تبحث عن أهلها في كل زاوية.
لكن الإنسان لا يعيش وحيدا، حتى في قلب الحرب.
شيئا فشيئا، صنع المستبقون لأنفسهم عائلة جديدة. فمن جمعتهم صداقة قبل التهجير، زادتهم الأيام قربا، ومن لم يعرفوا بعضهم من قبل، صنعت بينهم المحنة ما تعجز عنه سنوات طويلة من المعرفة.
انتقل بعضهم من سكنه في الطوابق العليا إلى المعيشة مع جاره المستبقى في الطابق الأرضي، ليس فقط هربا من عناء الصعود وقت الغارات، بل ليكونوا أقرب إلى بعضهم إذا باغتتهم القذائف. لم يعد أحد يحب أن يأكل وحده، أو يسهر وحده، أو ينتظر الليل وحده.
وتوزعت الأدوار بينهم ببساطة أهل البيت الواحد. فهذا يشتري السمك لأنه يعرف أسراره، وذاك يتولى إعداد الأرز، وثالث يعد السلطة، ورابع يحمل الطعام إلى الجميع. لم تعد الموائد داخل البيوت، بقدر ما أصبحت تمتد على نواصي الشوارع وأمام المحال، تشبه موائد الرحمن، لكنها كانت عامرة طوال العام.
حول تلك الموائد اختفت الفوارق كلها. جلس الموظف الكبير إلى جوار العامل، والتاجر إلى جوار الصانع، والبقال إلى جوار الموظف الصغير. لم يعد أحد يسأل عن المنصب أو المكانة، فالقذيفة لا تفرق بين أحد، والموت، إذا جاء، جاء للجميع.
وكان الجنود العابرون إلى وحداتهم يجدون نصيبهم من تلك الموائد. فما إن يمر جندي في أحد الشوارع، حتى تتسابق إليه الدعوات. يجلس، رغم حيائه، ويأكل وسط أناس يعتبرونه واحدا من أبنائهم. وإذا قال إن معه طعاما أعدته أمه في إجازته، جاءه الرد نفسه في كل مرة: “احتفظ به لك ولزملائك… أما هذه المائدة فهي لك.”
ولأن البحر ظل كريما، صار السمك ضيف الموائد الدائم. كانت وجبات بسيطة، لكنها تحمل طعم الألفة، حتى إن كثيرا من المستبقين كانوا يقولون، ضاحكين، إنهم أكلوا من السمك في سنوات الحرب ما يكفيهم بقية العمر.
ومع الأيام، حملت الموائد أسماء أصحابها، فأصبحت علامات يهتدي بها الناس، تماما كما تهتدي السفن إلى الفنار. لم تكن مجرد أماكن للطعام، بل كانت بيوتا مفتوحة، يدخلها الجميع، ويخرجون منها أكثر طمأنينة.
وفي نهاية كل أسبوع، كان المستبقون يحملون حقائبهم، ويتجهون إلى رأس البر، ودمياط، والمطرية، والمنزلة، وقرى الدقهلية، حيث تقيم أسرهم. كان لقاء يومين يخفف من وجع الفراق، ثم يعودون مع أول الأسبوع إلى مدينتهم، وكأنهم يعودون إلى موقع من مواقع القتال.
وعند موقف أتوبيسات شرق الدلتا، بجوار حديقة سعد زغلول، كانت رائحة السمك المشوي تسبق الركاب. أكياس السلطة، والمخللات، وما تيسر من خير البحر، كلها هدايا يحملها المستبقى إلى أهله في المهجر. لم تكن هدايا ثمينة، لكنها كانت تحمل رائحة بورسعيد نفسها، وكأن المدينة كانت ترسل مع كل مسافر رسالة صغيرة تقول: “ما زلت هنا… وسأنتظر عودتكم.”
لم تكن الحرب قادرة على إيقاف نبض مدينة ولدت من البحر، وتعلمت أن تواجه العواصف. لذلك ظل المستبقون يبحثون عن أسباب صغيرة للفرح، ويتمسكون بكل ما يذكرهم بأن الغد لا بد أن يأتي.
كان بعضهم يقضي إجازته بين أسرته في مدن التهجير، ثم يعود وقد عقد قرانه، أو اصطحب عروسا جديدة بدأت معه رحلة مختلفة لم تكن تتخيلها. وكانت الزوجة تدخل المدينة بتصريح مؤقت لا يتجاوز بضعة أيام، وما إن يقترب موعد انتهائه حتى يبدأ الزوج رحلة أخرى مع مكتب الحاكم العسكري، محاولا تأجيل موعد الرحيل قليلا. كانت اللوائح تقول شيئا، وكانت القلوب تقول شيئا آخر. وكثيرا ما انتصر الجانب الإنساني، فالحرب كانت قاسية بما يكفي، ولم يكن أحد يريد أن يزيد من قسوتها.
وفي الوقت نفسه، كانت المحافظة تخوض معركة أخرى، لا تقل أهمية عن معركة المدافع.
أصبح مبنى ديوان المحافظة هدفا دائما للطيران الإسرائيلي، فصدرت الأوامر بنقل مركز إدارة المدينة إلى أماكن أكثر أمنا. انتقل مكتب المحافظ، والسكرتير العام، والسكرتير العام المساعد، ومكتب الحاكم العسكري إلى مبنى دي كاستر الملاحي بشارع الجمهورية، بينما انتقلت الإدارات الأخرى إلى مدرسة بورسعيد الثانوية العسكرية. وكانت المدينة تعيد ترتيب نفسها كلما حاولت الحرب أن تربكها.
ورغم الغارات المتكررة، بقيت رحمة الله تظلل المدينة.
كانت القذائف تتساقط، والدخان يملأ السماء، لكن عدد الضحايا بين المدنيين ظل محدودا بصورة أدهشت الجميع. وربما لهذا لم يفقد أهل بورسعيد إيمانهم بأن الله يحرس مدينتهم.
وبعد كل غارة، كانت تبدأ طقوس الاطمئنان.
كان أحد المستبقين يمتطي دراجته، ويجوب الشوارع من مجموعة إلى أخرى، يسأل عن الجميع، ويتأكد أن أحدا لم يصبه مكروه.
وكانت المفاجأة أن المدينة، رغم خلوها من معظم سكانها، لم تستسلم للفراغ.
ظلت دور العرض تفتح أبوابها. كانت سينما مصر، والحرية، وماجيستك تعرض أفلامها بانتظام، ويجلس في مقاعدها مستبقون جاءوا يسرقون ساعتين من النسيان، قبل أن يعودوا إلى واقع الحرب. وكانت المقاهي تستقبل روادها، وإن قل عددهم، بينما استمر المسرح الصيفي في استقبال فرق الفنون الشعبية القادمة من دول الكتلة الشرقية، بالتعاون مع إدارة الشؤون المعنوية للقوات المسلحة، لتقدم عروضا للجنود والمستبقين. كما زارت المدينة فرق مسرحية مصرية، وكأن الثقافة هي الأخرى كانت تقاتل، وترفض أن تنطفئ.
كانت بورسعيد تعرف أن الحرب قد تهدم مبنى، لكنها لا تستطيع أن تهزم روح مدينة، ولا أن تطفئ الضوء في عيون أهلها.
ولهذا، لم تكن سنوات التهجير مجرد سنوات انتظار، بل كانت سنوات تعلم فيها الجميع أن الإنسان يستطيع أن يصنع الحياة، حتى وهو يقف على حافة الموت.
في الحروب، لا يكون السلاح دائما رصاصة أو قذيفة، بل قد يكون أحيانا قطرة ماء.
كان العدو يدرك أن بورسعيد لا تشرب من البحر الذي يحتضنها، وإنما يصلها الماء العذب عبر ترعة الإسماعيلية، الممتدة بمحاذاة قناة السويس. وكان يعرف أيضا أن إصابة جسور الترعة تعني انسياب المياه إلى القناة، وانقطاعها عن محطة الرسوة، لتبدأ المدينة معركة جديدة، أشد قسوة من دوي المدافع.
لم يكن الهدف هذه المرة احتلال الأرض، بل كسر إرادة البشر بالعطش.
لكن بورسعيد، كعادتها، لم تنتظر المعجزة، بل صنعتها.
تحركت أجهزة المحافظة بسرعة، وأقيم خط لنقل المياه النقية من محطة مياه دمياط إلى المدينة، حتى لا تنقطع الحياة. وفي الوقت نفسه، انتشرت خزانات المياه في الحدائق العامة، وفي ميدان المسلة، استعدادا لأي طارئ.
ولم تكتف المدينة بذلك.
أمنت المحافظة مئات الجراكن المملوءة بالمياه العذبة، وخزنتها داخل مبنى المجلس الشعبي، لتكون احتياطيا إذا اشتدت الأزمة. أما داخل البيوت، فقد تعلم الجميع أن لكل قطرة قيمة، وأن الإسراف في زمن الحرب نوع من الترف الذي لا تملكه مدينة تقف على خط النار.
شيئا فشيئا، أصبح الاقتصاد في استخدام المياه عادة يومية. يغسل الناس ما يكفيهم، ويحتفظون بما بقي ليوم آخر، دون شكوى أو تذمر. كان الجميع يدرك أن الصمود لا يكون في ساحات القتال وحدها، بل يبدأ من تفاصيل الحياة الصغيرة.
وهكذا، فشل العدو مرة أخرى.
لم تمت بورسعيد عطشا كما أراد لها، وظلت المياه تصل إلى البيوت، وربما أقل مما اعتاد الناس، لكنها كانت تكفي ليبقى الأمل حيا.
لم يكن التهجير مجرد انتقال من مدينة إلى أخرى، بل كان انتقالا من حياة كاملة إلى حياة أخرى لا تشبهها.
أبناء بورسعيد، الذين نشأوا على رائحة البحر، واتساع الأفق، واختلاط الثقافات، وجدوا أنفسهم فجأة في قرى الدلتا ومدن الصعيد، بين عادات لم يألفوها من قبل. كان الوطن واحدا، لكن لكل بقعة منه روحها، ولهجتها، وحكاياتها التي توارثتها عبر الأجيال.
وفي القرى، عاش أبناء البحر ليالي لم يألفوها، امتزج فيها الشعور بالغربة بالدهشة.
ففي الليل، وما إن يرخي الظلام سدوله، حتى تمتلئ الشوارع بالأطفال. يحمل كل واحد منهم صفيحة فارغة، يضرب عليها بعصا، فيتصاعد صوت معدني غريب، بينما يطوفون الأزقة في موكب طويل، ويرددون بصوت واحد:
“يا بنات الحور… سيبوا القمر… ده القمر مخنوق وما جلناش خبر.”
لم يفهم أبناء البحر ما يحدث، ولماذا يطارد الأطفال القمر بكل هذا الحماس. ثم همس الكبار بأن القمر في خسوف، وأن استمرار الخسوف نذير شؤم، وأن الطرق على الصفائح، وترديد الأهازيج، قد يعيدان إليه نوره.
لأول مرة، يرى أبناء البحر كيف تصنع قرى الدلتا والصعيد حكاياتها لتواجه ما تخافه. لم يكن أحد يملك أن يغير حركة الكون، لكن الجميع كانوا يملكون أن يواجهوا الخوف بالغناء.
ولم تكن تلك هي المفاجأة الوحيدة التي حملتها سنوات التهجير.
ففي كل مدينة استقبلت أبناء بورسعيد، كانت هناك يد تمتد بالترحاب، وبيت يفتح بابه، وقلوب تقاسمهم الخبز، وتخفف عنهم مرارة الغربة. لم يشعر المهجرون أنهم ضيوف ثقلاء، بل شعروا أن الوطن كله أصبح أسرة واحدة، تتقاسم الألم، وتنتظر اليوم الذي يعود فيه كل إنسان إلى بيته.
ورغم ذلك، بقي الحنين أقوى من كل شيء.
كان البحر يسكن الذاكرة، ورائحة الميناء لا تغادر الأنفاس، وكانت أسماء الشوارع تتردد في الأحاديث اليومية، كأنها تعويذة تحمي أصحابها من النسيان.
ولذلك، لم تكن أغنيات التهجير مجرد أغان ترددها الحناجر، بل كانت وعدا بالعودة.
وكان أشهرها تلك الكلمات التي حفظها الجميع، ورددوها على أنغام السمسمية في معسكرات التهجير:
“فجر الرجوع أهو لاح… روح يا دمع العيون… واطلع يا نور الصباح… وافرد ضياك على الغصون.”
في تلك الكلمات كانت بورسعيد كلها تغني.
لم تكن أغنية عن مدينة، بل عن يقين لا يهتز. يقين بأن الليل، مهما طال، لا بد أن يعقبه فجر، وأن البيوت التي أغلقت أبوابها ستفتحها يوما، وأن الأطفال الذين كبروا بعيدا عن شوارعهم سيعودون إليها، يحملون في قلوبهم حكايات الغربة، ويبدؤون فصلا جديدا من عمر المدينة.
ومن بين الذين منحوا تلك الأغنية روحها، الشاعر البورسعيدي إبراهيم الباني، الذي ظل عاشقا لمدينته وللناس البسطاء. رحل الرجل، لكن كلماته بقيت تسبق العائدين إلى بورسعيد، كأنها بشارة لا تنتهي.
في سنوات التهجير، كانت بورسعيد تبدو كمدينة خرج أهلها على موعد مع الغياب. الشوارع هادئة، والبيوت مغلقة، والوجوه التي بقيت يعرف بعضها بعضا. كان الجميع يعيش تحت عين الحرب، ويؤمن أن البقاء في المدينة مسؤولية قبل أن يكون اختيارا.
لكن وسط هذه الصورة المضيئة، كانت هناك استثناءات قليلة، تؤكد أن الخير لا يلغي وجود الشر.
فبين المستبقين ظهر رجلان عرفهما أهل المدينة، وبخاصة المستبقون. لم يكن الاثنان يشبهان بقية من بقوا في بورسعيد. فبينما كان العمال، والموظفون، وأصحاب المحال، ورجال الميناء يؤدون أعمالهم في صمت، ويقاسمون الجنود الخبز والخوف، كان الرجلان ينظران إلى كل هذا بعين أخرى. لم يريا في التضحية بطولة، ولا في الصمود شرفا، بل رأيا مدينة شبه خالية، وظروفا استثنائية تصلح لارتكاب جريمة لا تتكرر.
راحا يراقبان حركة ديوان المحافظة، ويحسبان الأيام التي تمتلئ فيها الخزانة برواتب المستبقين والعاملين، وقيل أيضا برواتب بعض الوحدات العسكرية. وحين ظنا أن اللحظة المناسبة قد جاءت، نفذا جريمتهما، ثم اختفيا ومعهما الأموال.
اهتزت المدينة الصغيرة بالخبر.
كانت السرقة صادمة، ليس لقيمة المال وحدها، ولكن لأنها وقعت في زمن كان الناس فيه يقدمون أرواحهم بلا مقابل، بينما وجد من يبحث عن الثراء وسط دخان المعارك.
تحركت أجهزة البحث الجنائي بسرعة، وتمكنت من القبض على أحدهما، المعروف بسجله الإجرامي، بينما ظل الآخر بعيدا عن الشبهات.
دخل السجن، لكنه لم ينطق باسم شريكه. كان يظن أن بينه وبين صديقه ميثاقا لا ينكسر، وأنه سيحفظ له نصيبه حتى يخرج.
غير أن السنوات كانت تغير الرجال.
استثمر شريكه المال المسروق، ثم اتسعت تجارته مع سنوات الانفتاح، وبدأ يصنع لنفسه وجها جديدا، يخفي وراءه حكاية لم يعرفها إلا القليلون.
أما السجين، فكان ينتظر.
ومع اقتراب موعد خروجه، بدأ يتحدث، ويهدد، ويقسم أنه سيسترد حقه ممن خانه. ووصلت كلماته إلى شريكه.
وحين خرج من السجن، لم يجد في انتظاره صديقا، ولا مالا، ولا حياة جديدة. عاد إلى عشته المتواضعة، وأقام فيها أياما قليلة، قبل أن يعثر عليه قتيلا.
بحثت الشرطة، وفتحت الملفات، لكن الجريمة بقيت بلا قاتل.
وبقيت الحكاية تتردد على ألسنة أهل بورسعيد، لا باعتبارها قصة سرقة فحسب، بل شاهدا على أن الحروب تكشف معادن البشر جميعا. ففي الوقت الذي كان فيه آلاف الناس يضحون بكل شيء من أجل مدينة أحبوا ترابها، كان هناك من لم ير في الحرب سوى فرصة للثراء.
لم تكن سنوات التهجير كلها دموعا، كما لم تكن العودة مجرد نهاية للحرب. بين البداية والنهاية، ترك الزمن ندوبا لا تمحى، وترك أيضا لحظات فرح صغيرة، كانت كافية لتعيد إلى القلوب قدرتها على الابتسام.
لكن قبل أن يشرق فجر العودة، كان لا بد أن تعبر المدينة واديا آخر من الحزن.
في صباح الجمعة 18 فبراير 1972، استيقظت بورسعيد ورأس البر على خبر لم يصدقه أحد في البداية. أتوبيس يحمل عشرات الطلاب، العائدين إلى جامعاتهم ومعاهدهم بعد انتهاء الإجازة، انحرف وسقط في الرياح التوفيقي بالقرب من بنها.
في لحظات، تحولت الرحلة العادية إلى مأساة.
رحل عدد من شباب بورسعيد، وهم في عمر الأحلام، قبل أن يكملوا دراستهم، أو يعودوا إلى مدينتهم التي كانوا ينتظرون يوم تحريرها. وخيم الحزن على معسكرات التهجير، وارتدت رأس البر وبورسعيد السواد، وأقيم سرادق عزاء كبير، بينما خرجت جنازات الضحايا في مشهد مهيب، تقدمه مندوب رئيس الجمهورية، ومحافظ بورسعيد عبد التواب هديب، وعدد من أعضاء مجلس الشعب. ولم تكن الجنازات تودع أبناء أسر بعينها، بل كانت المدينة كلها تودع أبناءها.
ثم دارت عجلة الزمن.
جاء العبور، وجاء النصر، وبدأت قوافل العائدين تتجه نحو بورسعيد، تحمل حقائب صغيرة، وقلوبا امتلأت بالشوق.
لم تكن المدينة كما تركوها، لكنها كانت مدينتهم.
وكان الأطفال أكثر الناس قدرة على الاحتفال بالعودة.
ما إن بدأت الحياة تستعيد إيقاعها، حتى ظهر في الشوارع ثلاثة إخوة يدفعون عربة خشبية صغيرة، تعلوها فاترينة زجاجية، بينما يحمل أحدهم طبلة ذات رنين مميز، ويبدأ النداء الذي ما زال يسكن ذاكرة كل من عاش تلك الأيام:
“حلاوة نيفة…”
فيرد أخواه:
“تعالى دوق…”
ثم يعود صاحب الطبلة يغني:
“يا حمام…”
فيرد الآخران:
“ويمام…”
“عصافير…”
“وسمان…”
ثم ترتفع الأصوات الثلاثة معا، في المقطع الذي كان كفيلا بأن يفتح كل نافذة مغلقة، ويوقظ كل الذكريات:
“سبع سنين يا حلاوة… غايبة عن بورسعيد… يا حلاوة… يا حلاوة.”
كانت النوافذ تفتح دفعة واحدة، وتمتلئ الشرفات بالوجوه المبتسمة، بينما ينطلق الأطفال خلف العربة، يحمل كل واحد منهم قرشا أو تعريفة، ينتظر دوره في قطعة حلوى لم يكن طعمها السكر وحده، بل كان طعم العودة.
كان الإخوة يسحبون كتلة العسل المطهو، ويمدونها، ثم يطوونها، ويعيدون مدها مرة بعد أخرى، حتى تتحول إلى خيوط بيضاء رقيقة، يقطعونها ويوزعونها على الأطفال.
ولم يكن أحد يشتري الحلوى وحدها.
كان الجميع يشترون لحظة فرح، وقطعة من الزمن الذي عاد إليهم بعد غياب طويل.
وهكذا انتهت سنوات التهجير، لكنها لم تغادر ذاكرة بورسعيد.
فكل شارع فيها يعرف حكاية، وكل بيت يحتفظ بصورة، وكل قلب ما زال يسمع، كلما مر الزمن، ذلك النداء البعيد:
“سبع سنين يا حلاوة… غايبة عن بورسعيد.”
وكأن المدينة، بعد كل ما احتملته من حرب وغياب، كانت تقول لأبنائها شيئا واحدا:
قد يغيب الناس عن مدينتهم… لكن المدينة لا تغيب أبدا عن قلوب أهلها.








