في انتظار السقوط

mahmoud fahmy

محمود فهمي

تحت الغطاء السميك، كان الشتاء يطرق نوافذ الغرفة بأنفاسه الباردة، ضمّ الرجل ركبتيه إلى صدره، كأن القماش وحده قادر على حمايته من العالم، في الخارج، كانت الريح تعوي، وفي الداخل كان الصمت ثقيلاً، قبل أن ينكسر فجأة.

تحت الغطاء، بدا الشتاء أثقل من كل شتاء مرّ عليه، القماش الخشن يلامس ذقنه، ورائحة الغرفة مزيج من خشب قديم ورطوبة دافئة تعود به إلى أول يوم دخل فيه هذا البيت، يومها كان السقف أعلى، والجدران أوسع، أو هكذا خُيّل له، الآن، وهو منكمش كطفل، شعر أن البيت يقترب منه، كأن الذكريات نفسها تضيق، اهتزّ السرير هزّة خفيفة، كأن الأرض تنفّست تحت البيت، توقّف قلبه لثانية، ثم جاءت الهزّة الثانية، أعمق، أشد، فارتعشت الجدران وتمايل المصباح، مدّ يده من تحت الغطاء ليمسك طرف السرير، كما لو أن قبضته تستطيع تثبيت الأرض في مكانها

بدأ يعدّ الأصوات، صرير الخشب، ارتطام زجاج بعيد، سقوط كتاب عن الرفّ ، كان كل صوت إعلاناً محتملاً لنهاية وشيكة، تخيّل السقف وهو يتشقق، والبيت الذي عاش فيه سنوات يطوي نفسه مثل ورقة بالية، لم يفكّر بالهرب، المسافة بينه وبين الباب بدت أطول من العمر كله

تحت الغطاء، كان الظلام دافئاً بشكل غريب،  تذكّر شتاءات أخرى أقل قسوة، ضحكات، فناجين شاي، وطمأنينة لم يكن يعرف قيمتها، عاد الزلزال ليهدأ قليلاً، ثم سكن، كأن الأرض اكتفت بتذكيره بضعفه

بقي مستلقياً، أنفاسه بطيئة، ينتظر، لا يعرف إن كان ينتظر هزّة أخرى أم فجراً قريباً، لكنه أدرك، في تلك اللحظة الهشّة، أن الانتظار نفسه كان شجاعة: أن تبقى، أن تشعر، وأن تعترف بأن البيت مهما بدا صلباً قد ينهار، وأنك رغم ذلك ما زلت حيّاً تحت الغطاء

الهزّة الأولى جاءت خجولة، مثل تنبيه،  البيت أصدر أنينه الخاص، ذلك الصوت الذي تعلّمه عبر السنوات، صرير العارضة فوق رأسه، وارتجاف النافذة الشرقية التي لم تُغلق بإحكام منذ الشتاء الذي كُسرت فيه، تذكّر يومها كيف قال: “غداً أصلحها”، وغداً طال حتى صار سنوات، كل إهمال صغير عاد الآن كاتهام

أغمض عينيه،  رأى الممر الطويل، حيث كان يمشي ليلاً دون أن يضيء المصباح، ويميز البلاطة الباردة من الدافئة بقدميه الحافيتين،  تذكّر الحائط الذي علّق عليه صوراً ثم نزعها واحدة تلو الأخرى، حتى بقي أثر مربعات أفتح لوناً، كأنها أشباح ترفض المغادرة.

تذكّر الضحكات التي ارتدت في الصالة، والخصام الذي صمت فيه السقف طويلاً، يحتفظ بكل الكلمات التي لم تُقل

الهزّة الثانية كانت أقسى، ارتطم شيء ما في المطبخ، انحبس نفسه، مدّ يده ليلمس الجدار القريب من السرير، كما لو كان يودّعه، كم مرة اتكأ عليه وهو متعب؟ كم مرة رسم عليه بخياله رفوفاً لم تُبنَ، وغرفاً لم تأتِ؟ هذا الجدار شهد وحدته كما شهد امتلاءه، عرف خطواته المترددة في الفجر، ووقع خطواته الواثقة حين كان البيت يعجّ بالحياة

تحت الغطاء، جاءت الذكريات واضحة تماما الواحدة تلو الأخرى، السقف الذي قد يسقط يذكّره بالشتاء الأول حين تساقط المطر من ثقب صغير، فوضع دلواً وضحك، الأرضية التي تهتز أعادته إلى يوم ركض فيه حافياً، يلاحق ظلاً سعيداً، حتى الصدع الرفيع قرب الباب ذلك الذي كبر ببطء كان علامة على مرور الزمن، على أن البيوت تشيخ كما يشيخ البشر

سكن الزلزال قليلاً، لكن الانتظار لم يسكن، كان يتخيّل الانهيار كفيلم بطيء،  الغبار، الصمت، ثم فراغ، ومع ذلك، شعر بامتنان غريب

 لو انهار البيت الآن، فسيحمل معه كل ما كانه، كل ما عاشه بين جدرانه، لم يكن بيتاً فقط كان شاهداً

فتح عينيه، وابتسم ابتسامة صغيرة لا يراها أحد، شدّ الغطاء أكثر، لا ليحتمي، بل ليحتفظ بالدفء الأخير،  إن صمد البيت، فسيواصل العيش فيه كما هو، مع شقوقه، وإن انهار، فستبقى الذكريات واقفة، لا تهزّها زلازل.

 

محمود فهمي

33 مقال
صدر له: لوحدك ـ 2003 مش فاضل حاجة ـ 2011 كإنه غمضة عين ـ 2013

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع