“فوق رأسي سحابة” لـ دعاء إبراهيم: إرث قابيل

طارق إمام

تنطلق رواية “فوق رأسي سحابة” لدعاء إبراهيم من إشكالية “قتل الأم”، لتُجادل، من اللحظة الأولى، إشكالية ثقافية قارة، يهيمن عليها بداهةً سؤالُ قتل الأب. وحين يكون الممسك بمنصة السؤال كاتبةٌ امرأة، يصير وقعُ الفرضية أشد إيلاماً وغوراً، فما بالك وبطلة الرواية (وهي فوق ذلك ساردتها) امرأةٌ بدورها، وتتوفَّر _ باعتبارها ممرضة بالتحديد_ على شرطٍ فعال: الإحياء.

تقلب الساردةُ من اللحظة الأولى دلالة العلامة التي تنهض روائياً كتمثيلٍ لها؛ فهي تُميت لا تُحيي، إذ تضن على أمها بـ”برشامة الذبحة”، لتغتالها عن عمد. على أرض هذا الموقف السردي الصادم والمضبب، تتأسس الرواية الصادرة عن دار العين بالقاهرة، مانحةً المشهد الافتتاحي رقماً غير معتاد: 0. ليست هذه المنصة الصفرية حتى هي البداية، فهذا الفصل التأسيسي نفسه يلي مقطعاً قصيراً؛ استهلالاً يسبق الاستهلال. ما الذي يسبق الصفر في هذه الحالة؟!

المفارقة، أن المقطع قبل الصفري، منتزع زمنياً من أقصى نقطة في مستقبل المروية، إذ نواجه فيه لمحةً من النهاية: الساردة في زنزانتها تنتظر الموت، وغراب يُنبئها بالمصير. موت الساردة إذن يسبق حياتها في الزمن الروائي. موتها هو مهدها. والرقم صفر _ سنكتشف _ ليس مجرد حلية، فبانتقال الساردة إلى مدينة “كوماموتو” باليابان، يمكن بقدرٍ من التأويل العثور من داخل الثقافة على منطقٍ لاعتماد هذا الرقم، المشبع بحمولة ثقافية في اللغة اليابانية، التي يُكتب فيها الصفر بصيغتين، تعني إحداهما العدم والخواء، وتعني الثانية “الدائرة”، وكلا المعنيين تمثيلٌ لوجود الساردة، في رواية تتمثل حتى بنيتها السردية شكل الدائرة.

×××

كان بإمكان الساردة الاكتفاء بإبلاغ أمها أن الدواء نفد، كان بمقدورها أن تخفي علبة الدواء أو تقذف بها إلى الشارع أو تفرغ محتواها في أي مكان، وكان بإمكانها ألا تفعل شيئاً من ذلك حتى: أن تُبقي الدواء في مكانه شاهداً على أن الموت دائماً أقوى من طوق النجاة، لكن، ماذا فعلت الساردة؟ أذابت الأقراص تحت الماء. الماء: إنه هنا أكثر من وسيلة إجرائية للتخلص من الدواء، إنه علامة يجري شحنها، هي بالذات، كرمزيةٍ وحيدة للانتقام: ذلك أن جسد الساردة تعرض لأول انتهاك في الماء بالتحديد، تحت نظر الأم، بسهوها المجرم، عندما تحرش الخال _ شقيق هذه الأم _ بالابنة، في بحر الإسكندرية، وهي دون الثانية عشرة. البحرُ فراش، تركت الأم جسد ابنتها يذوب فيه حيث لن يعود بعدها أبداً. الماء الذي نظفَ يد الخال من أثر الجريمة، سيصبح هو ذاته أداة الابنة لتنتقم من جسد الأم، في فراشها أيضاً.

ثمة فارقٌ جوهري بين “الماءين” هو ذاته الفارق بين “الذاتين”: فماء البحر تجسيدٌ للطبيعة العمياء، مالح وبلا غاية، لم يجر تهذيبه، فيما ماء الصنبور تجسيدٌ للثقافة حين تمر على تلك الطبيعة: عذب ووظيفي، جرى تهذيبه ليجري أليفاً عبر صنبور، وأيضاً، ليُحيي. الأم غافلة كماء البحر، بينما الابنة ماء الصنبور، وإن كانت الأم أغرقت الفتاة كبحرٍ لا يقصد إخفاء مرتاده، فإن الابنة قتلت الأم بإدراكٍ كامل، بعد أن مرت فكرة القتل نفسها، الوحشية الهمجية، بفلتر الأفكار، فأصبحت تعبيراً عن الوجود، لا نفياً له. القتل كماء بحر، يصبح مع الساردة ماء صنبور، تتحكم في جريانه وتُحدد بنفسها وظيفته من الإرواء إلى الإفناء.

نحن إذن أمام قاتلة، تغرس إبرتها في وريد العلامة قبل أن تغرسها في وريد الجسد، لتضعنا دعاء إبراهيم في قلب رواية تدوير، لمجمل العلامات الحاكمة للمروية، على اختلاف خاماتها، وتراوُح مواقعها من الواقع.

بالانسجام مع هذا الطرح، يتحقق العناقُ التأسيسي بين ساردة إنسانية هي تمثيلٌ لمؤسسة الثقافة، وموجود طبيعي يُمثِّل المرجع الغريزي الغفل: الغراب. والغراب هنا ليس فقط الطائر الشؤم في الوعي الجمعي بلونه وصوته، بل العلامة القارة في الذهنية الثقافية لأول حفار قبور أسسته الذهنية الإنسانية. هذه العلامة السوداء، تُعانق ما تمثله “الممرضة” من علامة نقيضة: بيضاء بالكامل، استناداً للملبس، كعلامة سيميوطيقية تميز “الدور” الروائي وتدل على هويته.

حفار قبور يقترن بذاتٍ مهنتها، بالتحديد، إغلاق القبور أمام الأجساد الذاوية، لكن اقتران العلامتين ما يلبث أن ينتصر لواحدة. يغدو الغراب ليس فقط لاحقاً على تحقق الموت _ مثلما فعل مع قابيل عقب قتله أخيه _ بل يصير هنا سابقاً ومحرضاً، يصير مؤسِّساً للجثمان قبل تأسيسه للقبر، فالغراب هو من يقود الذات الإنسانية في الرواية لتقتل، يأمرها ويقودها فتنصاع وتنفذ.

الغراب هنا لا يكتفي بحفر القبر، بل يختار قاطنه، وبكلمات أكثر تحديداً: الغراب هنا، هو نفسه قابيل.

×××

تنهض “فوق رأسي سحابة” إذن على عمودٍ فقريٍ صلب، هو الاشتغال على نسق سيميوطيقي، يُجرِّد الحكاية إلى علامات معبأة بالدلالة الجاهزة، ليعاد شحنها بدلالات مغايرة. عبر هذه الآلية، يقوض النص، ضمن ما يقوِّض، النهج الخطي لتشكيل المروية، ذلك أن المتن الروائي في مجمله سيعمل عمل الذاكرة، فتحل علاقات الجوار محل علاقات التعاقب، وتلتئم الأزمنة جميعها في زمن السرد الحاضر، ليصبح زمناً جامعاً، ينكص إلى الماضي قدر ما يقفز للأمام مستشرفاً الآتي، لينهض في الأخير، نصٌ ذو نسق شعري، يحوم حول الحكاية، يطاردها، كأن السردية المتحققة سلفاً تُكتب الآن.

فضلاً عن الغراب، الممسك بأطراف المروية كعلامة أساس، تترى علاماتٌ سيميوطيقية تُمثل عكس ما استقر عن هوياتها ووقر في الوعي الجمعي وحتى الفردي.

السحابة: إنها علامة تحضر مبكراً، فليس الغراب وحده من يؤطِّر جسد الساردة، ووعيها. ورغم أن السحابة، كالغراب، علوية التموضع، عالقة ومراوِحةً _ كالبطلة_ بين سماء ويابسة، فإنها على النقيض منه، بيضاء.  إنها تتفق مع الساردة في اللون: بياضٌ، بقوامٍ قطني هذه المرة ليذكِّر بـ”الأداة” الجوهرية في عالم الممرضة التي تحتل بؤرة المحكية كشخصيةٍ وكساردة: القطن _ الذي، يُفترض، يغطي الجرح ويكتم دمه_ والذي، للمفارقة، ليس بين يدي المداوي هذه المرة.

السحابة والغراب، يمثلان معاً أبيضَ الساردة وأسْودَها، رقعة شطرنجها، التي تُمسك وحدها بطرفيها، لاعباً يصارع نفسه. وهما، معاً، يشكلان عنصرين متزاوجين في وجودها الرمزي: فهي، كالسحابة، عابرة وسريعة الزوال، لا يساوي شكلُها جوهرها، وهي، كالغراب، جسدٌ حي ينطوي على روح. ورغم أن حضور الغراب هو المهيمن بامتداد الرواية، اختارت الكاتبة السحابة كلافتة دالة على الكتاب كله، ليصير العنوان “فوق رأسي سحابة” وليس “فوق رأسي غراب”.

بتموضعهما السماوي، الفوقي، تجسد السحابة والغراب صراعَ الشخصية التحتي، إذ ينعكس على مرآة معادلٍ موضوعيٍ خارجي، بصري، وفوق ذلك ميتافيزيقي، في رواية تُمثل في كُليتها سؤالاً ميتافيزيقياً يتوتر دون كلل تحت جلد المحكية الواقعية، التي تبدأ من التعثر في ضيق غرفة لتنتهي بالتعثر في تيه العالم.

لن نلبث أن نكتشف أن الأم ليست الضحية الوحيدة لابنتها، أننا أمام قاتلة متسلسلة بمعنى ما، مسيَّرة تحت ذهان بوصلتها السوداء. تتبادل الساردة والغراب استعارة العلامات الدالة على الهوية: يتكلم الغراب بدل أن ينعق، ليكتسب عنصراً إنسانياً حاسماً، وبالمقابل، تستعير منه الساردة أعمق ما يميزه كطائر: الجناحين، فتصف نفسها كلما تحركت بأنها “فردت جناحيها”، كأننا أمام ذاتٍ تُحلق لا تمشي على الأرض، في إحالة عنيفة لانفصام الذات الكامل عن واقعها، إذ خلقت واقعاً بديلاً بالكامل، لن يلبث أن يُنتج الصورة الأكثر غرابة للحبيب المشتهى: قابيل نفسه.

×××

نحن أمام قاتلة، لا تتخلص بالضبط من أعدائها، فطريحي فُرش المستشفيات، الذين لا يجمعهم بالساردة ثأر ليسوا بأعداء. وإذ تواصل “البطلة” الاهتداء بصوت غرابها، دليلها ومرشدها ومدبر جرائمها، سيبقى السؤال: ولماذا لم تقتل من أذاها مباشرة: الخال؟ إن موته يربكها حتى، كأن خلاصها منه ليس تحرراً، بل كابوساً غير مرغوب فيه. وبموته تستدعي جنينه الذي تخلصت منه، بقنوط من قررت ألا تصير أماً سوى لتلك النطفة، وهو ما سيتحقق بالفعل.

نحن أمام حالة اتحاد مع الجلاد، تستبعده من قائمة الضحايا الطويلة. لنلاحظ أن الخال مارس الجنس مع الساردة لأول مرة حين تأخرت عن العودة إلى البيت، فقرر أن يتولى عقابها في غرفة مغلقة. ما سبب تأخرها؟ البحث عن أبيها الغائب أو أحداً من ذويه. لقد عاقبها الأب إذن في الحقيقة، الأب من سلم جسدها للخال، الأب من منحها، بدل أبوته المجهضة، أمومةً مجهضة.

ولماذا الجدة من أطلقت الأمر؟ لأن الأم غائبة بدورها في واحدة من زيجاتها. الأم/ الجلاد التي ستتحد الابنة بها بدورها في علامة محددة: قمصان النوم التي كانت ترتديها لأولئك الغرباء، علامة عهرها _ حسب وعي الساردة _ ليتكشف، مرة تلو مرة، واقعٌ نفسيٌ شاذ لقاتلة تتوحد بكل العلامات التي انتهكتها، وبالمقابل، تنتقم ممن لا تربطهم بها غاية. إنها تخلق الموضوع بدل أن تواجه موضوعها القائم، وهذا ما يجعل فعل التخلُّص المجاني فعلَ خلاص.

×××

بموت الأم يولد الأب. إنه مجازٌ عميق، يكرس لحقيقة استحالة أن يجتمع الأبوان في النسق الزمني نفسه، فضلاً عن النسق المكاني الممزق، بين الأم في الإسكندرية، والأب في اليابان.

يمكن أن نتذكر “الطريق” لنجيب محفوظ، قدر ما نتذكر “بيدرو بارامو” لخوان رولفو: تموت الأم، ليبدأ البحث عن الأب المتبخر. في الروايتين هو رجل مؤثر وفاعل إن ظهر ستتغير الدنيا، وفي الروايتين ثمة ارتحالٌ من مكان إلى مكان، وفي الروايتين لن يظهر الأب، سواء بقصد الإحالة الميتافيزيقية للإله في سردية محفوظ، أو للشبح عند رولفو. لكن الأب عند دعاء إبراهيم ينفتح على استعارةٍ ثالثة: إذ ستعثر الساردة على الأب، ستراه، لحماً ودماً، لكنها، رغم ذلك، لن تجده.

البحرُ، العلامة المبكرة في النص، سيقابلها المحيط. ستتخبط الساردة بين العلامتين، وإن كانت الإحالة البديهية لكليهما تذهب إلى الاتساع، أو الغرق، فإن كلا العلامتين المكانيتين تُشحنان روائياً هنا بمرجعية مختلفةٍ تماماً: الرجل. يؤسس المحيط لجسد الأب مثلما أسس البحرُ لجسد الخال، فيصبح هذا الأفق سبباً لتفادي الاقتراب من هذا الجسد.

رغم تجنبها هذا، تنتقل الساردة قسراً من الماء الذي كشف عورتها هناك، إلى الماء الذي سيكشف عورتها هنا. فإذا كان الجسد تعرَّض على شرف البحر للانتهاك من جسدٍ محرم _ بحكم القانون والعرف _ فإنه سيتعرض على شرف المحيط للانتهاك نفسه، عبر شذوذ آخر: جسد امرأة، هي اليابانية “تومودا سان”، وكأن جسد الساردة لم يُخلق لعلاقة سوية.

المحيط إذن مرآة للبحر، والقانون المرآوي نفسه سيشمل علامتين مكانيتين مهنيتين: المستشفى السكندري في مواجهة المطعم الياباني. تتخلى الساردة عن مهنتها السابقة، لتعمل في مطعم. في الحقيقة ثمة بين المهنتين رابطٌ عميق يجعل أحدهما أيضاً امتداداً للآخر: ففيما تقدم الأولى الغذاء مجرداً في هيئة محاليل، تقدم الثانية الغذاء نفسه، في صورته الحية. واليد، في الحالتين، هي ما يقدم سبب البقاء للجسد المستسلم، وسبب الموت.

يستقبل الأب ابنته على خلفية إعصار يضرب المدينة. الطبيعة تستقبل الساردة بالرفض في اليابان مثلما فعلت في الإسكندرية. بحضور العاصفة تحضر علامة جديدة مهمة: “الزجاج”، لها وجودها الفاعل هناك وهنا.

ينبه الأب ابنته، وقد دفعها لتقطن منفردة _ كما فعلت أمها من قبل _ من “الزجاج”، ويمنحها نصائحه لإحكام إغلاق نوافذ بيتها الجديد. الزجاج، يحيل مباشرةً لـ “حارس البوابة” السكندري، ذلك العاشق الغريب الذي لا يتشكل روائياً سوى من خلف زجاج المستشفى إلى أن تميته الممرضة. الزجاج هنا، ستفتحه “تومودا سان”، شريكة السكن، لتنتحر من خلاله. “تومودا” نفسها صورة للساردة، انعكاس على مرآتها، مثلها هاربة من شبح رجل، ومثلها تملك جسداً خرباً، ومثلها قاتلة، وإن اكتفت بقتل نفسها، مخلفةً للساردة المفارقة الأعمق؛ إذ صارت متهمةً بالقتل فقط حين لم تقتل.

من ركام هذا المستوى السردي العلاماتي، لا تلبث الرواية أن تقفز _ أو لنقل تتسلل بنعومة _ إلى الطبقة الميثولوجية الأعمق. ينهض “قابيل”، حبيباً مستحيلاً، محرماً أيضاً كأن الساردة تدوِّر الذنب، فهي تختار للعشيق أن يكون أخاها.

الرجل الحقيقي في هذا النص، الحبيب الأكيد، هو بالضبط من لا وجود له. تتصل به الساردة مباشرةً كذاتٍ مفارقة، تؤسسه في الواقع المتخيل ليبتلع الواقع القائم، بأملٍ صوفي في الوصل، مدعوم بلغة خاصة. وفي ثقوب المحكية وفجواتها، يلوح، منبتاً، عمداً، عن النسق، كموجود مختلق كليةً، ورغم ذلك، يبقى الموجود الوحيد المكتمل في عالمٍ مؤلفٍ بالكامل من ذواتٍ مبتسرة.

×××

تُحقق الساردة الذاتية مرويتها بالمراوحة الدائمة. على مستوى اللغة، ثمة المراوحة الجلية بين لغة التداول الإخبارية، التي تسرد بمستوى تواصلي، ولغة استبطان وتأمل جافة تراقب المروية نفسها وتعيد تركيبها مع كل فصل بفعل ميتا روائي، وصولاً إلى لغة شعرية تخلق مستوى غنائياً يرقي في بعض المواضع إلى ممارسةٍ شعرية خالصة، لغة غير غائية، تُنحي المعنى المباشر، تُغرِّب الإحالات، ولا تُطور الحدث بل تُعمق ظلاله، متلاعبةً بالدوال، لتخلق نسقاً تجريدياً بالكامل، لا يمكن التعاطي معه إلا بالتأويل.

اللغة المراوحة تتحرك بدورها بين ضميرين، ففضلاً عن الضمير الأول الذي تُقدم عبره الحكاية الإطار، ثمة ضمير المخاطب، الذي يتجول حراً فيخترق هيمنة الأنا دون إنذار، يبرق ويختفي، خالقاً المناجاة مع الأم، والأب، وقابيل، وأحياناً الذات وقد انقسمت إلى أنا وأنت.

المراوحة الثالثة تخص الزمن، فكل مقطع من الرواية يشمل في اللحظة نفسها الحاضر الروائي مع الاسترجاع والاستباق، بانتقالات حرة، كأن لا مفاصل زمنية في صوت الساردة السائل، الذي يكاد في مجمله يكون مونولوجاً داخلياً طويلاً.

والمحصلة رواية ذاهبة في كل للحظة للتجريد، لإيقاظ مجاز اللحظة العابرة، ولتفجير ما يحمله كل مستوى كنائي من استعارةٍ شعرية تنزاح به فوراً عن فعل المحاكاة إلى تفعيل التخييل الخالص الذي يُنتجه هنا الهذيان، بمنح الحبكة لذهان الوعي الهارب مانحاً صرامة الحبكة لانفلات الوعي الباطن، إذ يصطدم بواقعٍ يستعصي على التعاطي العقلاني. يشمل ذلك تجريد الجسد الروائي؛ مدونة اللحم والدم، إلى عالم التصورات الحاكمة، لنكتشف أن النص الواقعي ما هو قشرة، طبقة محاكاتية تشف عن توتر نصٍ تحتي، نص ميتافيزيقي، مرجعيته الأساسية ليست فحسب المتن الكنائي للواقع التجريبي.

الرواية الحقيقية هنا تدور داخل وعي الساردة لا خارجه، والعالم الموضوعي ليس إلا تمويهاً للكشف عن نظيره الموازي، الباطني.

×××

تبدأ “فوق رأسي سحابة” بانعدام الرؤية: “لم أر”، وموضوع احتجاب الرؤية هو كيان ميتافيزيقي: “ملاك أبيض”. هل يجب أن يرى الفردُ العادي الوجود المفارق بهذه البساطة؟ صيغة العبارة تجيب بـ: نعم، غير أن مع السطر الأخير، تعجز الذات عن رؤية الواقعي، المرئي بداهةً: “لم أعد أرى الحرس”. بانعدام الرؤيتين، يحل الموت، بيد من؟ ليس بيد أي سلطة قائمة، بل بيد قابيل، ذلك الذي لا وجود له.

أيضاً، تحل العتبة، ممثلةً في التصدير المقتبس من نص شعري، بعد نهاية النص، كأننا أمام رواية تبدأ من نهايتها، أو تأكيداً لمنطق الدائرة، حيث كل نقطة تصلح بدايةً ونهايةً معاً.

ورغم أن أقصى ما تحلم به الذات هو تحقُق أمنيتها بأن تصير ضحية، كأن الهزيمة هي الانتصار، يبقى السؤال: أي ذاتٍ ستموت الآن، إن كانت هذه الذاتُ نفسها بدأت سرد حكايتها من داخل القبر؟

 
 

 

طارق إمام

72 مقال
من أعماله: شريعة القط ، رواية، دار ميريت هدوء القتلة، رواية، دار ميريت طيور جديدة لم يفسدها الهواء، مجموعة قصصية،…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع