ماجد سنارة
كنت منقطعًا عن القراءة لشهر تقريبًا، حتى فتحت الرواية الصادرة عن دار العين سنة 2025م “فوق رأسي سحابة” للكاتبة/ دعاء إبراهيم. ومنذ الوهلة الأولى شعرت بالتورط في عالم لن أستطيع الفرار منه، أسرتني الرواية من الفقرة الأولى: “لم أرَ ملاكًا أبيض يحمل جناحين من نور، فيخبرني بكل أسف، أن أمي ستموت الليلة. الليلة بالضبط”.
بداية تدخلك في قلب الحدث مباشرة، تذكرني بإحدى أفضل الافتتاحيات في تاريخ الرواية العالمية، افتتاحية الغريب للكاتب الفرنسي/ ألبير كامو: “اليوم، ماتت أمي، أو ربما ماتت أمس، لست أدري!”.
(بداية من العنوان):
فوق رأسي سحابة، عنوان محمل بالدلالات النفسية والاجتماعية المعقدة، وفي حالة البطلة، فالسحابة تستخدم كاستعارة للاكتئاب والتشوش الذهني، كدلالة على محاولة الهروب من الواقع، والاغتراب والوحدة والنبذ، فالسحابة التي فوق الرأس مباشرة تحجب النور وتشوش الرؤية، وتجعل الإنسان في حالة تيه، يمضي في طريق مجبر على السير فيه، حدوده هي السحابة التي تحاصر البطلة وتجعل الوجوده حولها بمثابة زنزانة، حيث الفضاء الذي تتحرك فيه الشخصية ضيق للغاية، لذلك فالعنوان عتبة ومدخل مناسب للنص.
(عقدة العاهرة والقديسة):
تقول بطلة الرواية عن أمها: “رأيتك طوال الوقت مقززة وحقيرة كبائعة هوى، تعرض نفسها على من يملك”.
فالنقطة الجوهرية في صراع الابنة مع أمها ارتبط بسقوط صورة الأم المثالية إلى المرأة المبتذلة، المرأة التي أفقدتها الثقة في نفسها أولًا وفي الجنس البشري عامة، فهي الأم الحاضرة جسديًا، الغائبة عاطفيًا، المنشغلة في صيد الرجال، بينما تترك ابنتها فريسة الإهمال والخوف.
تقول البطلة: “أصرخ وتصرخين، ويهددك أبي الجديد بالطلاق، ما أصعب شراء واحد جديد، وما أسهل بيع ابنتك الغبية”.
فالأم التي تمثل رمزًا للحماية تحولت للعكس تمامًا، وحملت الابنة خطايا الزوج الذي طلقها وسافر لليابان، شعرت الأم أن الابنة تمثل ثقلًا متواصلًا، يخنق أنفاسها ويحرمها من الطيران والتحليق، تمثل العقاب المستمر لاختيارها الذي تدفع ضربيته مع كل يوم مع ابنتها، خاصة وأنها صارت المسئولة الأولى وربما الوحيدة عنها، وقد كشفت الكاتبة بذكاء عن جريمة الرجل قبل المرأة، وأن الأم رغم كونها متهمة بشكل مستمر في الرواية إلا أن أسباب إدانتها هي نفسها أسباب براءتها، لأن الأسباب كشفت عن حرب الصراعات الداخلية بين الملائكية والأبلسة، وأنا انحزت قليلًا للأم لكونها إنسان قبل أي شيء، فقد أرادت عيش حياتها دون إهمال كامل لابنتها، أرادت تلبية احتياجاتها ورغباتها في إطار شرعي من منظور المجتمع، لم تعطل حياتها أو تنذر نفسها بالكلية لأجل ابنتها، أو تجعل الابنة تبتلعها وتفرغها من كل مبهجات الحياة لأنها أنجبت وأضحت أمًا، فشخصية الأم حملت في طياتها إدانة للمجتمع قبل إدانتها، إدانة لمنظومة القيم ومفاهيم التربية التي أجرمت في حق الأم، قبل تحولها لمجرمة في حق ابنتها، فالجدة والخال اللذان فرضا على الأم حصارًا مجتمعيًا ارتبط بجملة: “اقعدي في البيت ربي بنتك” هما ما غذيا الصراع قبل كل شيء ووضعا حق الأم في الحياة في مقابل حق ابنتها في الحياة، بالإضافة لتغذية جانب الأنانية في نفس الابنة لكسب حقوق كاملة من الأم، التي في ظل هذا الحصار تفقد الاتزان، تغضب وتلعن اليوم الذي جاءت فيه إلى الدنيا، واليوم الذي عرفت فيه زوجها الهارب، فتشعر الابنة أن هذه اللعنات موجهة لها بشكل أو بآخر.
فالصورة المشوهة للأم في نظر ابنتها راجعة في الأساس ومنذ البداية إلى القاعدة الكبرى التي نستقي منها أفكارنا وقيمنا الثابتة والجامدة نحو مفهوم الأمومة، وارتباطها في الأذهان إلى عطاء مستمر ومطلق وتعطيل لمفهوم الأنوثة إذا اصطدمت بالأمومة خاصة بعد حالة الانفصال، ليكون الحكم عليها ما بين العاهرة والقديسة، ولكنها في النهاية إنسانة، مجرد إنسانة!.
(الخال والد.. ولكن):
يعامل الخال كوالد في مجتمعنا، لكن غي ظل غياب الوالد وتشوه صورته في عين الابنة، كيف يحل الخال مكانه؟ إذا كان الأصل قاسيًا وترك ندبات في روح الابنة فكيف يكون الوالد البديل “الخال”؟
الخال في الرواية يحمل دلالات كثيرة، كلها غاية في القبح، فهو الوحيد تقريبًا الذي ظهرت صورته مظلمة تمامًا، صورة نجسة حقيرة، وتحمل إدانات على كافة المستويات، تمثلت في امتلاكع سلطة شبه مطلقة على أخته المطلقة لفترات وعلى ابنتها، ومنحه الضوء الأخضر من الجدة كأنه حارس الفضيلة والشرف، حيث يمثل في نظر الجدة: “الرجل المحصن ضد الخطأ، ولا يمكن التفكير في اتهامه”.
من هذه النظرة المثالية تنشأ معظم الشرور، وتتعزز القيم الذكورية السلطوية حتى تنحرف أحيانًا وتصل للتطرف والعنف، أو بالمفهوم السياسي، تصل لإساء استخدام السلطة، فالخال حارس الفضيلة هو أول من انتهك براءة الطفلة بالشكل المادي، من خلال التعدي الجسدي عليها، التعدي الذي يحمل اعتداءً على البراءة، الطفولة، والوجود. الاعتداء الذي عمق الألم والشعور بالدونية والانسحاق والاستسلام للأقدار، الذي جعل منها شخصية كارهة للوجود وناقمة على الحياة، فاقدة للثقة في نفسها وفي كل شيء، فقد حوصرت وطعنت من دائرتها الآمنة، فتولد عن ذلك شخصية عدمية، خالية من المشاعر، تحيا كأنها جثة، ورغم ذلك تثير خالها حتى في هذه الحالة، حيث تنقل على لسانه: “بحبك وأنتي جثة!”.
فتتكون فلسفة البطلة في قولها: “الأفضل دومًا هو الأقدر على الانبطاح”.
الانبطاح الذي يكشف عن القهر، والاستسلام الذي يعري عبئ الوجود، ويفضح الازدواجية التي تحياها الإنسانية، والتي وصلت مداها في المشهد الذي تصفه نهى قائلة: “أرى خالي وهو يغلق الحجرة من الداخل، يفتح الراديو على إذاعة القرآن الكريم كي لا تسمع جدتي، يقيدني بقيود السجن في عمود السرير، بعدها ينشغل بمعاقبتي، كنت أطيعه، دائمًا، لكن الطاعة لم تنجني يومًا من العقاب”.
فالوجود هنا وصل في نظر البطلة أنه عقاب في حد ذاته.
وربما لو أنني لم أصادف موقفًا مقاربًا لهذا في حياتي ما صدقته أو اقتنعت به، فقد كنت في مسابقة أدبية ويجلس معي شاعرًا، وفي إحدى المرات دخلت الغرفة فوجدته يستمع إلى القرآن بصوت أحمد بن علي العجمي وفي يده سيجارة حشيش، وحين سألته: “ازاي؟”. أجاب بجدية: “حتى تحتار الملائكة في أمري إن مت الآن!”.
(المهنة حين تمثل عبئًا وجوديًا إضافيًا):
“الجميع يقللون من قدرنا، يتعاملون معنا كفتيات ليل، أو كخادمات لتنفيذ الأوامر، يتعارك معنا المرضى إذا تأخر الطبيب، ويتعارك أهل المريض معنا إذا حدث خطأ بالحجز، باعتبارنا الحلقة الأضعف”.
المجتمع الذي يعاني من القهر والكبت يتغذى على ضعف الآخرين، يفرغ فيهم طاقته وينفس عن غضبه لتفريغه عجزه في الحصول على حقوقه الطبيعية، ونهى التي تعمل كممرضة بينت أزمة مهنة التمريض في مصر، والتعامل غير الآدمي معهم باعتبارهم في خدمة الجميع، آلات مهمتها تنفيذ الأوامر، فهم في طاعة الطبيب وفي راحة المريض، دون النظر إليهم كبشر لهم حقوق ووجودهم يمثل قيمة كبرى في المستشفيات والعيادات، فالمهنة هنا تجسيد للهامش، لهؤلاء الذين يدفعون ضريبة كبيرة بسبب بضعة درجات فرقت بينهم وبين الأطباء، هذه الدرجات التي صنعت فجوة كبيرة بينهما، فجوة جعلت أحد أقارب المرضى يصفهم بـ “الشراشيح” لأن ابنه يبكي عند تركيب الكانيولا، بينما في نفس الوقت يتعامل مع الطبيب بمنتهى الخضوع.
كشف آخر للازدواجية المجتمعية، على الرغم أن الممرضة دومًا تعمل لأجل المريض، تخدمه وتمسح عنه القيء والخراء، ثم حين يتعافى المريض يطفح عليهم القيح والخراء.
في ظل وجود البطلة داخل هذه الدائرة التي تتغذى عليها وتحولها لكائن فاقد للقيمة والأهلية، تجد نفسها أمام خيار واحد اعتقدت أن فيه خلاصها.
(القتل هو الحل):
يحوم الغراب فوق رأس نهى ويخبرها عن أحد الأشخاص: “سيموت اليوم”.
بُعد غرائبي في الرواية، منحها سحرًا خاصًا، فهو بمثابة مرشد روحي في البداية لنهى، ورمزية الغراب في التراث الديني مرتبطة بالموت، لذلك جربت البطلة تلك الطريقة كدافع للانتقام وربما سبيل للعلاج والمداواة، فهي ترى أن أول طرق الحفاظ على البيئة يكمن في التخلص من البشرية، وغير ذلك مضيعة للوقت، ومنذ أول مرة ذاقت فيها لذة القتل، شعرت أن مهنتها التي تتعرض فيها للإهانة وتشعر من خلالها بالضآلة قد تتحول لمهنة تشعر فيها بملكيتها وسلطتها على المصائر والأرواح، حينها تتخلص من سطوة القدر وطغيان القدر وتتلاعب به، لتمارس هي الفعل وتمتلك زمام المبادرة، فمن خلال حقنة واحدة قد تنهي كل شيء، كانت اللذة غريبة، تنتقم فيها لنفسها، ترى عجز الجلادين وهؤلاء الذين حطموها في لحظاتهم الأخيرة، تفح في آذانهم باقتراب النهاية، ترقب بلذة تحولهم إلى الضعف والعجز والهوان، تشعر وقتها بقيمتها، فالقتل هو الفعل الوحيد الذي اختارته ولم تجبر عليه كباقي الأشياء في الحياة.
من خلال أفعال القتل، بدأت البطلة في استدعاء وإحياء شخصية قابيل، لتضيف جانبًا عجائبيًا جديدًا، يعرض القاتل الأول في صورة مغايرة، صورة تحمل في طياتها جوانب الإنسان وتقلباته بين الخير والشر لتنتقد منظومة القيم الأخلاقية الحالية في العالم، يقول قابيل: “تعاملي على أنك ملكة لا قاتلة، لا أحد يحاسب الملوك، لا تعاقبي نفسك”.
نقد اجتماعي وسياسي صريح وذكي.
وفي موضع آخر يبرر فعلته في حق أخيه:
“قبل أن أقتل أخي، رأيت سبعين يقتتلان حتى قتل أحدهما الآخر، اتبع القطيع القاتل، وتركوا المقتول للنسور والغربان”. حيث فاز القاتل بالملك والأنثى الجميلة، ولم يعر البشر المقتول أي اهتمام.
هذا التبرير نفسه يمثل صرخة تمرد على العالم والوجود بوصفه قائم على أساس القتل والدم، وأن الخير فيه هو الأمر الشاذ وليس القاعدة، لذلك نجد أن التماهي يحدث بين شخصية نهى وقابيل، فقد رأت بشكل أو بآخر أنها تمثل النسخة الأنثوية من القاتل الأول!.
(اليابان والسجن الأخير)
كانت تظن البطلة أن اليابان بلا غربان، ستجد فيها البداية الجديدة، الميلاد، تتصالح مع أبيها ومع العالم، لكنها اكتشفت أن الغربان في كل مكان، فأحست مرة أخرى بالاغتراب والوحدة، أنها ضيفة دومًا، ضيفة ثقيلة، تأكل مما يأكل أصحاب البيوت وتزاحمهم داخل الأسرة، حتى وصلت في النهاية أنها صارت ضيفة على نفسها، في مجتمع خجول، لا يكلم فيه أحد أحدًا، مجتمع تقول عنه: شعب خجول لدرجة جعلتني لا أصدق أن رجالهم ونساءهم ينامون معًا”.
حاولت التكيف، واقتنعت أن الأشياء المفزعة تصير معتادة مع الوقت، تعرفت على “تومودا سان” وكشفت لها عن خبايا المجتمع الياباني، عن العمل الذي يستنزفهم ويستغلهم، حيث عرفت أن جزء كبير من اليابانيين يعمل حوالي 14 ساعة في اليوم، مما ينتج عنه تحطم وتمزق للأواصر الأسرية وتدهور شكل العلاقات بشكل عام، وأيضًا هذه الإشارة فيها انتقاد لمفهوم التفاني في العمل ذاته كحيلة رأسمالية قذرة لاستغلال العمال والموظفين في مقابل شعارات فارغة وملاليم تافهة، فهذا الجزء يمثل نقدًا سياسيًا لاذعًا للنظام الاقتصادي العالمي والذي يتبلور بشكل خاص في رأسمالية مسعورة تفترس الأفراد والشعوب.
تتورط نهى في جريمة قتل صديقتها، لتكشف جانب آخر من المجتمع الياباني وتختبر تجربة السجن بشقيه المادي والمعنوي، فتدرك أن أسوأ عقاب لها أن تخلو بذاتها، فكيف النجاة وهي في مواجهة جدار؟ تبحث عن طريق مرة أخرى للنجاة قبل الاستسلام للنهاية، لكن هل ينجو فرخ ضئيل من مئات الغربان؟
فوق رأسي سحابة، رواية فارقة لدعاء إبراهيم، تحمل سحرًا خاصًا، حيث يمتزج فيها الواقعي بالغرائبي بسرد مكثف محمل بالانفعال والدقة في التوصيف والتوغل في أعماق الشخصية، سرد يمثل إحدى نقاط القوة والدهشة في هذه الرواية التي فرضت نفسها كإحدى أفضل الروايات التي صدرت في العام الماضي وربما في آخر عشر سنوات.




















