فنجان قهوة: المجتمع في مرآة التفاصيل الصغيرة

doha assy

القس عيد صلاح

تمثل المجموعة القصصية “فنجان قهوة” لضحى عاصي، الصادرة عن دار شرقيات عام 2007، وتقع في 94 صفحة من القطع المتوسط تجربة لافتة في كتابة القصة القصيرة التي تنحاز إلى التفاصيل اليومية وإلى الإنسان العادي بوصفه مدخلًا لفهم المجتمع. فالمجموعة، التي تضم 29 قصة قصيرة، لا تبحث عن أبطال استثنائيين ولا عن أحداث ضخمة، وإنما تستمد مادتها من الحياة اليومية العادية بما فيها من علاقات ومواقف وتوترات وأزمات تبدو في ظاهرها بسيطة، لكنها تكشف عند تأملها عن تشققات عميقة في المجتمع المصري المعاصر.

وتكمن أهمية المجموعة في أن العادي فيها ليس هامشيًا؛ فالشخصية التي تبدو بسيطة، والموقف الذي يبدو عابرًا، والحوار الذي قد يبدو مألوفًا، يتحول جميعها إلى أدوات لقراءة المجتمع. ومن خلال هذه التفاصيل الصغيرة تمارس ضحى عاصي نوعًا من التشريح الاجتماعي؛ فهي لا تقدم المجتمع في صورة نظرية أو خطاب مباشر، وإنما تتركه يتكلم من خلال شخوصه ومشكلاته اليومية.

وتبرز الاقتصاديات اليومية باعتبارها أحد المداخل المهمة في المجموعة؛ فارتفاع الأسعار والمبالغة في قيمة الأشياء والخدمات لا يظهران باعتبارهما مشكلة اقتصادية مجردة، بل باعتبارهما عاملين يؤثران في العلاقات الإنسانية وفي طريقة النظر إلى الآخر. وهنا تتحول الأسعار من رقم إلى مؤشر على تغير منظومة القيم، إذ يصبح المال حاضرًا في تفاصيل الحياة، وفي الاختيارات، وفي العلاقات، وفي تقييم الأشخاص.

كما تحضر الأسرة والعلاقات الزوجية بوصفها مساحة أخرى تكشف هشاشة العلاقات الاجتماعية. فالطلاق، وما يرتبط به من صراعات وآثار اجتماعية ونفسية، وكذلك الزواج العرفي، لا يقدمان في المجموعة باعتبارهما قضايا قانونية مجردة، وإنما باعتبارهما انعكاسًا لأزمة أوسع تتعلق بالعلاقة بين الفرد والمجتمع، وبين الرغبة الشخصية والقيود الاجتماعية. ومن هنا تصبح الأسرة مرآة للتغيرات التي أصابت المجتمع نفسه.

وتتوقف المجموعة كذلك أمام الدين بوصفه ممارسة اجتماعية ومظهرًا من مظاهر الهوية، ولا سيما في قضية الحجاب. والمهم هنا أن النقد لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره نقدًا للدين ذاته، بقدر ما يمكن قراءته بوصفه مساءلة للفارق بين التدين بوصفه قيمة داخلية، والتدين حين يتحول إلى مظهر اجتماعي أو علامة على الانتماء والقبول الاجتماعي. ومن خلال هذا التوتر تكشف الكاتبة عن المسافة الممكنة بين حقيقة الإيمان وصورته الاجتماعية.

من فنجان القهوة إلى صورة المجتمع

ولعل دلالة العنوان نفسه تستحق التوقف. فـ”فنجان القهوة” شيء شديد العادية، حاضر في تفاصيل الحياة اليومية، لكنه في الوقت نفسه يمكن أن يكون مساحة للقاء والحوار والمراقبة والتأمل. وكأن الكاتبة تختار شيئًا صغيرًا ومألوفًا لتقول إن الحياة الاجتماعية الكبرى يمكن أن تُقرأ من خلال التفاصيل الصغيرة.

وهذه إحدى نقاط قوة المجموعة؛ إذ لا تحتاج ضحى عاصي إلى أحداث استثنائية لكي تكشف المجتمع. يكفيها أن تضع شخصياتها العادية في مواقف عادية، ثم تترك التوترات الكامنة خلف هذه المواقف تظهر تدريجيًا. ولذلك فإن القصة القصيرة هنا لا تعمل فقط باعتبارها حكاية، وإنما باعتبارها عدسة مكبرة تكشف ما قد لا نراه في الحياة اليومية بسبب اعتيادنا عليه.

الواقعية الاجتماعية

يمكن وضع المجموعة في إطار الواقعية الاجتماعية، فهي لا تقدم تقريرًا اجتماعيًا عن مصر، ولا تسجل المشكلات تسجيلًا صحفيًا، وإنما تحول الظواهر الاجتماعية إلى مادة سردية. فالكاتبة لا تكتفي بأن تقول إن هناك طلاقًا أو زواجًا عرفيًا أو غلاءً أو مظهرية دينية، وإنما يجعل القارئ يلتقي بهذه الظواهر من خلال أشخاص يعيشونها ويتأثرون بها.

ومن هنا تأتي قيمة المجموعة: إنها تنقل المشكلة من مستوى الظاهرة الاجتماعية إلى مستوى التجربة الإنسانية. وهذا ما يجعل الشخصيات العادية في المجموعة ذات أهمية خاصة؛ لأنها ليست مجرد شخصيات خلفية، وإنما هي الوسيط الذي من خلاله نرى المجتمع. فالمجتمع عند ضحى عاصي ليس مفهومًا مجردًا، وإنما مجموعة من البشر الذين يحبون ويتزوجون ويختلفون وينفصلون ويتدينون ويشترون ويبيعون ويبحثون عن مكان لهم داخل عالم سريع التغير.

في «فنجان قهوة» لا تضع ضحى عاصي المجتمع على مائدة التشريح من خلال القضايا الكبرى وحدها، وإنما تبدأ من التفاصيل التي تبدو صغيرة وعابرة. ومن خلال 29 قصة قصيرة وشخصيات عادية ومواقف يومية، تكشف الكاتبة عن مجتمع تتحرك داخله مشكلات الاقتصاد والأسرة والدين والعلاقات الإنسانية في شبكة واحدة متداخلة. ولذلك فإن قيمة المجموعة لا تكمن فقط في الموضوعات التي تطرحها، وإنما في زاوية النظر إليها؛ فالمجتمع هنا يُرى من أسفل، من تفاصيل الحياة اليومية ومن «قاع المجتمع»، حيث تبدو التحولات الاجتماعية أكثر صدقًا وألمًا. إن “فنجان قهوة” في النهاية ليس مجرد مجموعة من الحكايات القصيرة، بل محاولة لقراءة مجتمع كامل من خلال شقوقه الصغيرة؛ فحين تتأمل الكاتبة فنجان القهوة، فإنها في الحقيقة تتأمل ما يدور حوله من حياة، وما يخفيه هذا العادي المألوف من أزمات وتغيرات وتحولات في القيم والعلاقات.

 

راعي الكنيسة الإنجيليّة بعين شمس، القاهرة. باحث في التراث العربيّ المسيحيّ

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع