محمد ممدوح
العاشرة ليلاً؛ لقد باغتكَ الوقتُ عندما أدركتَ أنك تحدثتَ بكلام مكرّر فى تلك الحجرة البعيدة، أزعجته كلماتك فأبطأ حَرَكة دقائقه لتتورّطَ أكثر، ثم ملّ اللعبة وفاجأكَ بالعاشرة.
مسكينٌ أنتَ! تعبر الشارعَ مرتبكاً إلى الطريق السريع لتلتقطكَ سيّارةٌ إلى بيتك، لكن المباراة بدأتْ منذ دقيقتين، سيضيع نصف شوطها الأول فى الطريق إنْ رَكِبتَ. حائرٌ أنت: أتشاهدها عند صديقكَ الذى يطارد أشباحه فى بيتهم البعيد أقصى شمال المدينة، ويشعر بالذنب لأنّ صاروخاً أقصى الأرض قَتَل عائلة من خمسة أفراد وفَشَل فى إيقافه، لكنه يسافر باكراً إلى مدينة بعيدة واعتذرَ عن استقبالك؟
“لن أذهبَ إلى البيت إذاً”، همستُ بها أثناء وقوفى أمام مقهى كبير بلا سقف على الطريق السريع، أقدّم قَدَماً وأؤخّر أخرى، شاشةٌ كبيرة تتصدّر المكان، كَنَب جلدىّ، بجواره مقاعد ومناضد بلاستيكية متفرّقة، وجمهورٌ متورّطٌ فى الإثارة.
كانت أُلفتى عابرة مع هذا المكان، والآن أقف بمدخله الفسيح أمسحه بعينىّ بحثاً عن مكان للجلوس. تتخلّق أُلفةٌ جديدة، ثابتة، لكنها مؤقتة؛ فهل أصفها بـ “ألفة العبور المؤقّت”، أم أقف أمامها صامتاً؟.
جلستُ فى الصف الأخير، محطتى المفضّلة بالأماكن دون استثناء. لاحظتُ مجموعات أصدقاء جالسين فوق كنبة واحدة، يجاورون مجموعات أخرى غرباء عن أفرادها، ورأيتُ وحيدين مثلى، يريحون أعينهم بالنظر إلى سماء سوداء معلّقة فوق رؤوسهم، أو يتأمّلون شيئاً فى الذاكرة.
تفحصونني بنظرة عابرة، اعتيادية، لوافدٍ جديد. انضمامٌ صامت، كالميلاد والموت اللذين يحدثان كل يوم.
سعيدٌ فى أُلفتى المؤقتة، أنا الغريب وَسْطَ جَمْع المقهى، لا أملك تاريخاً شخصياً مشتركاً مع أحد، أستطيع الانصراف فى أى وقت، ألتزمُ الصمتَ، أكلّمُ نفسى، أستدعى حادثة منذ عشرين عاماً أو يومين، أراها من زاويةٍ جديدة تماماً، وأنفّذُ فى مخيّلتى ما عجزتُ عنه وقتها. أنا الغريب وَسْطَ جَمْع المقهى، لن أطالِع تلك الوجوه ثانيةً، وإن حَدَثَ فلن أتذكرها، سأمر على المقهى كأنى لم أدخله قبل ذلك، وعندما أتذكر نتيجة المباراة سأتذكر المقهى، لكننى لن أعرفَ مَن تبقّى من جَمْعِه على قيد الحياة أو مات، مَن تبقّى مِن عامليه أو مَن رَحَل. أنا الغريب وَسْطَ جَمْع المقهى، أكتفى فى وحدتى بالاستمتاع بالصخب حولى ولا أشارك فيه، أكتفى بضرب كفّىّ عندما يضيع هدف، أراقب ردود الأفعال وأبتسم، أفكّر فى الجماهير واللاعبين على الشاشة الذين لن يتذكروا غريباً فى بلدٍ بعيد لا يعرفون شيئاً عن حياته ولا مدينته، لا فرحه ولا حزنه، لا الشارع الذى عَبَرَه منذ قليل، ولا صديقى الذى يطارد أشباحه.
الحياة فى غربتها، هى ملايين اللحظات والأماكن والوجوه التى تسقط تباعاً تحت عَجَلتها، لتستمر وتُكملَ إلى الأمام ونحن فى ذيلها.
أنا الغريبُ وَسْطَ جَمْع المقهى، لا أنظر للسماء السوداء فقط، وإنما لنافذة بيت جانبية مرتفعة ومغلقة عن يسارى لا يظهر خلْفَها أحدٌ، ربما يشاهد ساكنو البيت المباراة الآن، ويستغربون كيف سكَنوا بجوار المقهى الصاخب، لكنهم لن يتذكروا: هل وجِدَ البيت قبل المقهى، أم المقهى قبل البيت؟!
أنا الغريبُ وَسْطَ جَمْع المقهى، أتذكر فقط، أنّ الوقتَ باغتنى بالواحدة صباحاً بعد انتهاء المباراة، لتلتقطنى سيّارة فى الطريق إلى بيتى.










