عين سحرية.. كيف كشفت كاميرات الدراما عتمة المجتمع؟

عين سحرية

عادل محمود

     في زمن تاهت فيه الدراما العربية بين بهرجة الإعلانات وتكرار الإسفاف، جاء مسلسل “عين سحرية” كصدمة كهربائية جميلة أيقظت المشاهد من سباته. ليس لأنه عمل خال من العيوب، بل لأن عيوبه نفسها تكاد تكون مثيرة للاهتمام. استطاع خلال 15 حلقة فقط أن يفعل ما تعجز عنه مسلسلات من 30 حلقة: أن يترك أثرا.

     هذا النقد ليس محاولة لإنصاف العمل، فالإنصاف في النقد وهم جميل نطمح إليه ولا ندركه. إنه محاولة لتفكيك هذا النص البصري، وفهم كيف استطاع أن يحول “كاميرات المراقبة” من أداة حبكة بوليسية إلى استعارة وجودية عن عصر نعيش فيه كلنا تحت المجهر، نراقب ولا نرى.

     المسلسل من تأليف هشام هلال وإخراج السدير مسعود. تدور أحداثه حول عادل (عصام عمر) شاب يعمل فني تركيب كاميرات مراقبة، ويقود سيارة أوبر في أوقات فراغه ليلملم قوت يومه. تحت وطأة الديون وضغوط الحياة، يقبل عرضا مشبوها من سيدة تدعى مروة لتركيب كاميرات خفية فى شقة زوجها. هذه “الخطيئة الصغيرة” تقوده إلى عالم أكبر من الفساد، حيث يلتقي بالمحامي زكي غانم (باسم سمرة) الذي يدعي الرغبة في كشف الفساد، لكنه في الحقيقة يدير مافيا دوائية نافذة.

     الخلفية هنا ليست مجرد تمهيد. إنها تشبه تماما ما يحدث في مصر اليوم: شاب مؤهل، يحمل أحلاما بسيطة “يريد فقط الزواج من الفتاة التي يحبها” يصطدم بواقع لا يرحم. فيجبر على التكيف مع أخلاقيات بالية لئلا ينكسر. هذه النقطة بالذات هي ما جعلت المسلسل “الحصان الأسود” في موسم رمضاني باهت.

     المدهش في “عين سحرية” أنه لا يقدم الكاميرا مجرد أداة تقنية. المخرج السدير مسعود يحول الكاميرا إلى “شخصية” قائمة بذاتها. هناك لقطة مؤثرة في الحلقة الأولى: عادل يثبت كاميرا صغيرة في زر قميصه، ثم ينظر إليها للحظة قبل أن يغادر. في هذه النظرة، يختزل المسلسل مأساة جيل كامل: نحن نثبت أعيننا الإلكترونية لنرى العالم، لكننا في الحقيقة نفقد أعيننا الحقيقية.

      اللقطة الأكثر ذكاء تأتي في الحلقة الخامسة، حين يرصد عادل عبر إحدى الكاميرات جريمة قتل. هنا لا يستخدم المخرج اللقطة من زاوية الكاميرا فقط، بل يدمجها مع وجه عادل المذعور. نحن نرى الجريمة مرتين: مرة كما رصدتها العدسة الباردة، ومرة أخرى كما انعكست في عيني عادل المرتجفتين. هذا المونتاج المتوازي يقول لنا شيئا بسيطا وعميقا: العدسة ترى، لكن الإنسان فقط هو من يبصر.

لكن المسلسل لا يقع في فخ التبجيل التكنولوجي. هناك سخرية لاذعة خفيفة من هوس المراقبة المصري. في مشهد عابر، نرى بطلة العمل “التي لا نعرف عنها الكثير للأسف” تتفقد هاتف زوجها أثناء نومه، ثم تضع كاميرا صغيرة في غرفة المعيشة “للاطمئنان”. هذا المشهد الذي لا يتجاوز الدقيقة، يختزل تحول العلاقات الزوجية في مصر إلى علاقات بوليسية، حيث الشك هو الأصل والثقة هي الاستثناء الذي يحتاج إلى إثباتات.

      جوهر المسلسل الحقيقي ليس جريمة القتل، ولا المافيا الدوائية، بل العلاقة المتوترة بين عادل وزكي. هذه العلاقة تحمل في طياتها أعمق طبقات العمل. عادل الذي فقد والده “المسجون” منذ سنوات، يبحث عن أب بديل. وزكى المحامى الناضج الذكي، يقدم نفسه كمرشد وحام.

لكن النص لا يقدم هذه العلاقة بشكل مبسط. زكي ليس أبا حنونا، وعادل ليس ابنا ضالا. إنهما كشخصيتي “المريض والطبيب” في مسرحيات العبث. زكي يعرف أن عادل يحتاج إليه، فيستغل هذه الحاجة. وعادل يعرف أنه يستغل، لكنه يحتاج إلى هذا الاستغلال ليشعر بالأمان.

في مشهد الحلقة الثامنة، عندما يمسك زكي بكتف عادل قائلا “أنا هنا”، نرى في عيني عادل مزيجا من الامتنان والخوف والارتياح والحذر. هذه المشاعر المتضاربة هي ما يجعل المسلسل مختلفا. إنه لا يقدم الشر خالصا ولا الخير نقيا. زكي، كما يقدمه باسم سمرة بإتقان نادر، هو شرير لأنه يؤمن أنه يفعل الخير. وهذا هو أخطر أنواع الشرور.

باسم سمرة هنا يقدم أداء يليق بمسيرة فنان ظلم طويلا. ليس لأنه “مظلوم” في الوسط الفني، بل لأنه يذكرنا بأن التمثيل الحقيقي ليس في الصراخ والانفعال، بل في الصمت والنظرة ولمسة اليد التي ترتجف قليلا قبل أن تثبت.

     المسلسل يرصد بدقة شبه وثائقية تفاصيل الحياة اليومية للطبقة المتوسطة المصرية التي أصبحت تقف على حافة الهاوية. شقة عادل وأسرته الصغيرة ليست ديكورا دراميا، بل هي نموذج مصغر لمصر: غرف ضيقة، حوائط متقشرة، لمبة نيون ترمش قبل أن تنطفئ، وثلاجة فارغة إلا من بعض علب الزبادي منتهية الصلاحية.

أم عادل (سما إبراهيم في دور نوال) تقدم نموذجا للأم المصرية التي لم تعد تعرف كيف تحمي أولادها. في مشهد الحلقة الثالثة، عندما تكتشف أن ابنها الأصغر حسن (عمر شريف) يسرق، لا تصرخ ولا تعاقب. تجلس على الكرسي المكسور، تنظر إلى الأرض، ثم تقول بصوت مبحوح: “خد اللي عايزه من البيت بس متخدش حاجة من بره”. هذا المشهد يلخص انهيار المنظومة الأخلاقية تحت وطأة الفقر: لم يعد الممنوع هو السرقة، بل السرقة في الخارج وإحراج الأسرة.

حسن الأخ الأصغر، يعاني من اضطراب السرقة القهري “هذا ما تشير إليه التحليلات النفسية للشخصية” لكن المسلسل لا يقدمه كحالة مرضية، ولكن كنتاج طبيعي لبيئة تجوع ثم تدفع أبناءها للانحراف. في لقطة ذكية، نرى حسن يسرق علبة حلوى من محل، ثم نرى عادل يسرق نظرة خاطفة على شاشة الكاميرا. السرقة هنا تصبح متعددة المستويات: سرقة المال، سرقة الخصوصية، وسرقة البراءة.

     الطبقة الأخرى في المسلسل هي طبقة المافيا الدوائية. هذا الخيط الدرامي ليس مجرد إضافة تشويقية، بل هو نقد لاذع لواقع مصري مؤلم. فضيحة الأدوية المغشوشة، وتجارب الأدوية على المواطنين الفقراء، هي قضية حقيقية هزت الرأي العام أكثر من مرة. المسلسل يجرؤ على ربط الجريمة الفردية بالجريمة المنظمة، وهذه الأخيرة برأس المال الكبير والنفوذ السياسي.

في الحلقة العاشرة، نعرف أن والدة عادل ماتت بسبب تجربة دوائية فاشلة. هذا الاكتشاف يحول الصراع من صراع بقاء إلى صراع ثأر. لكن المسلسل لا يقع في فخ الميلودراما. عادل لا يصرخ ولا ينتحب. يذهب إلى سطح منزله، يجلس وحيدا، ينظر إلى السماء لدقائق، ثم ينزل ليكمل حياته. هذا الصمت أبلغ من آلاف الصرخات. إنه يقول: في مصر، الموت ليس حدثا استثنائيا، إنه جزء من الروتين اليومي.

المافيا هنا ليست مجرد “أشرار” تقليديين. المحامي زكي، وهو رأس المافيا، يقدم نفسه كرجل أعمال ناجح يخدم وطنه بتوفير أدوية رخيصة. في حواره مع عادل، يقول ببرود: “الناس عايزة دواء رخيص، احنا بنوفره. مش ذنبي لو كان بينفع أو بيضر”. هذا التبرير الرأسمالي البارد هو ما يجعل الشر عصيا على المقاومة: إنه شر يلبس ثوب الإنسانية.

     لا يمكن إنكار أن المسلسل يحتفظ بإيقاع مثير وجاذبية واضحة. الحلقات غالبا ما تفتتح بلقطة صادمة، وتنتهي بمفاجأة معلقة تدفع للمشاهدة. هذه الحرفية في البناء التشويقي نادرة في الدراما العربية.

لكن العمل لا يخلو من عثرات بنيوية. أكثرها وضوحا شخصية أسماء (جنا الأشقر). الفتاة التي تعمل في محل حيوانات أليفة، وتدعم عادل دون شروط، تظل شخصية كرتونية بلا عمق. لا نعرف خلفيتها الاجتماعية، ولا دوافع تعلقها بعادل، ولا حتى أحلامها أو مخاوفها. وجودها في السرد يظل وظيفيا: هي مجرد “صديقة وفية” تظهر عند الحاجة وتختفي عندما لا تكون هناك حاجة إليها. في عمل يهتم بالتفاصيل الصغيرة، هذا الفقر في بناء شخصية رئيسية يمثل ثغرة كبيرة.

أيضا، التوتر الذي ينشأ بين عادل وزكي في النصف الثاني من الأحداث يبدو متسرعا. العلاقة كانت تحتاج إلى تدرج أبطأ في التصدع، بدلا من الانفجار السريع. هذا ربما يعود إلى محدودية عدد الحلقات “15 حلقة” لكنه مع ذلك يخل بإيقاع التطور النفسي للشخصيات.

لكن العبقرية الحقيقية تكمن في الرؤية الإخراجية. السدير مسعود يتعامل مع الكاميرا كمشرط جراحي، لا كعدسة رصد. في مشهد المواجهة الأخير، عندما يقف عادل أمام زكي، لا نرى وجوههما في لقطة واحدة. كل منهما في لقطة منفصلة، تنظر إلى الآخر عبر حاجز زجاجي. هذا الفصل البصري يقول أكثر من ألف كلمة: إنهما منفصلان إلى الأبد، حتى وهما في نفس الغرفة.

موسيقى خالد الكمار في “عين سحرية” تتجاوز كونها مجرد خلفية عاطفية. إلى أن تكون  أداة سرد موازية. في المشاهد التي تسيطر عليها نظرات الصمت، تأتي الموسيقى لتترجم ما لا يمكن قوله. هناك نوتة موسيقية متكررة، شبيهة بدقات قلب خائف، ترافق كل مشهد توتر. هذه الدقات تزداد سرعة مع تصاعد الخطر، وكأننا نسمع قلب عادل ينبض خارج صدره.

أما أغنية المقدمة لويجز، فكانت مفاجأة سارة. كلماتها لم تكن مجرد شيلات دعائية، بل كانت مدخلا شعريا لفكرة المسلسل: “عين سحرية بتشوف كل حاجة.. إلا الحقيقة”. هذه اللعبة اللفظية بين الرؤية والإبصار هي ما يدور حوله العمل كله.

الألوان أيضا لها دورها. المصور أحمد جبر اعتمد على درجات باهتة في بيوت الأبطال الفقراء، وألوان صارخة في عالم المافيا والأغنياء. هذا التباين اللوني يخلق عالمين منفصلين: عالم رمادي باهت للفقراء، وآخر نيون صارخ للأغنياء. المفارقة أن العالم الرمادي يبدو أكثر دفئا وإنسانية من عالم الألوان الصارخة الباردة.

     “عين سحرية” في النهاية مسلسل عن أعيننا نحن. عن كيف نرى ولا نبصر، نرصد ولا نفهم، نصور ولا نتذكر. العلاقة بين عادل وزكي تتجاوز حدود الشاشة إلى علاقتنا نحن بسلطة أبوية مستبدة: نكرهها ونحتاجها، نهرب منها ونعود إليها، نكشف عيوبها ونبررها.

العمل يطرح سؤالا وجوديا بسيطا ومعقدا: إذا كانت الكاميرا ترى كل شئ، فمن يرانا نحن؟ من يرى خوفنا، وضعفنا، وحاجتنا إلى من يقول لنا “أنا هنا”؟ في مصر اليوم، حيث الكاميرات في كل زاوية، والشاشات تراقب كل شارع، يبقى الإنسان وحيدا، غير مرئي، يبحث عن عين تراه لا تراقبه.

ربما لهذا نجح المسلسل. لأنه لم يقدم لنا قصة بقدر ما قدم لنا صورة مشوشة تعكس وجوهنا نحن، وجوه المصريين في العشرينات من القرن الحادي والعشرين: خائفين، مترددين، نبحث عن أب ونخاف من الأب، نثبت كاميرات لنرى ونكتشف أننا صرنا عميان.

في مشهد النهاية، حين ينتهي كل شئ، يجلس عادل وحيدا في غرفته. أمامه شاشات الكاميرات السبع التي ثبتها خلال الأحداث. كل شاشة تعرض مكانا مختلفا، وشخصية مختلفة، وحكاية مختلفة. ينظر إلى الشاشات، ثم يطفئها واحدة تلو الأخرى. في اللحظة التي تنطفئ فيها الشاشة الأخيرة، نرى وجهه في سواد الشاشة المنطفئة. وهو ينظر إلى انعكاسه. هذا المشهد البسيط يختزل فلسفة العمل كلها: في النهاية، “العين السحرية” الحقيقية هي عين الإنسان التي تنظر إلى داخله. وهذه هي العين الوحيدة التي لا تكذب.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع