سما زيادة
“إلى الطفلة، إلى الصبية، إلى الفتاة، إلى السيدة، إلى الإنسانة.. وأخيراً إليكِ”. عدة اهداءات استهلت بها الكاتبة صفا عزت صيام مجموعتها القصصية ” عندما قصت شعرها” والصادرة عن الهيئة العامة للكتاب، وكأنها مفتاح تعريفي دلالي لمضمون المجموعة، صاغتها كرسالة موجهة لكل أنثى من المهد إلى اللحد، رسالة ونس وحضور، توثق معها لحظاتها المريرة، وتقول لها لستِ وحدك، ولا بأس بالبدء من جديد.
تتكون المجموعة من 16 قصة قصيرة، تدور معظمها في عوالم المرأة ومشكلاتها وعلاقاتها وأسئلتها، لكنها لا تحصر نفسها في قضية واحدة؛ فنجد الأمومة، والزواج، والمرض، والفقد، والحنين، والتنمر، وضغوط المجتمع، والطفولة، والحب، وتبدل العلاقات، والسعي إلى تحقيق الذات.
شعر المرأة كذاكرة حية تطول وتقصر
المعروف أن شعر المرأة هو تاجها واهتمامها الأول في الحياة، تقضي معظم وقتها في الاعتناء به، فهو انوثتها وجمالها وميزتها الأهم، ولكن الكاتبة المبدعة صفا صيام تعاملت مع شعر المرأة في المجموعة بشكل مغاير، فجعلت شعرها في كثير من الأحيان امتدادًا لذاكرتها، وهويتها، وأنوثتها، ووجعها، وأحيانًا وسيلتها الوحيدة للاحتجاج. ومن هنا يبدو العنوان مفتاحًا مهمًا لفهم المجموعة كلها؛ فقص الشعر يتكرر بوصفه فعلًا رمزيًا يمكن أن يعني التمرد، أو الفقد، أو الانكسار، أو الرغبة في البدء من جديد. كما أن فعل القصْ نفسه يتغير شعورياً في القصص من الغضب واليأس إلى المقاومة والتمرد
البحر ذاكرة من نوع آخر
برغم أن ظهور البحر في المجموعة لم يكن بقوة الشعر، ولكنك تلمحه يختفي في الخلفية، يراقب بشكل حذر، يصرح عن نفسه باستحياء، في اغلب الظن أن الكاتبة أرادت ألَّا تعلن عنه بشكل صريح لكيلا تحيل المعنى وتحجمه في مكان محدد، فهو لكافة النساء، ولكنها كشاعرة وسكندرية في الأساس لم تستطع أن تخفيه نهائياً، فاخفته وجعلته ذاكرة مخفية في الوجدان.
ستة عشر إمرأة في مجموعة
كباقة من التيوليب الأسود ضمت الكاتبة ستة عشر إمرأة من الثكالي والمحزونين بمراحل أعمار مختلفة من سن المراهقة إلى العجوز الوحيدة، مروراً بالأبنة والأم والأخت والزوجة والعقيم والمهملَة والمتنمر عليها واليائسة، كلهن التقطت لهم ذاكرة المجموعة لقطة من حياتهن وركزت عليها لتبوح من خلالها بمعاناة عمر بأكمله، فهي لم تطرح مشكلة سنوات أو أعوام بل طرحت اللحظة الأنية في معظم القصص، اللهم إذا استثنينا ” لما النسيم” و ” نشبه لإيه”، ولم تقدم حلولاً أو حتى نهاية متاحة، فمنذ أول قصة وهي ” لما النسيم” تركتنا حيارى هل سيعرف زين من صاحبة الشعر المتمرد؟
وظلت متواطئة مع الحكاية طوال الوقت، لا تدِّعي حلولاً، بل تجسد اللحظة بكل مأساتها وترحل. حتى آخر قصة ” أنا مش ضعيفة” تخلت عن تصوير اللحظة الأنية وجعلت السنوات تمر، لنرى بأعيينا مأساة كل فتاة وكيف تحترق لتخرج من رمادها كالعنقاء فتبهر العالم. فكانت نهاية مرضية لنساء المجموعة جميعاً.
مفتاح غنائي يحرك الحدث
من التقنيات الرائعة التي ميزت المجموعة هي الافتتاحية الغنائية التي استهلت بها الكاتبة كل قصة، بأغنية تصبح بمثابة عتبة شعورية يدخل منها القارئ إلى القصة، واغنيات منتقاه بعناية، وبمفتاح توضيحي لكل اغنية، لتوثق معك الأغنية والحدث معك، ولتجعل القارئ يستكشف العلاقة بين الكلمات والقصة، ويدندنها بداخل عقله وهو يقرأها، فخلقت رابطاً بين الموسيقى والكتابة بداخل المجموعة، وهو ليس بمستغرب على شاعرة في الأساس أن يكون الشعر هو محركها حتى عند كتابة القصة.
اللغة والسرد
تستخدم الكاتبة لغة سهلة وقوية واضحة بدون تعقيدات، سلسة بدون تأويلات كثيرة، لغة شاعرية وكأنها تكتب قصيدة نثرية. وبرغم أن القصص يغلب عليها الصوت الواحد، إلا أن صفا ارادت أن تجرب معنا التعدد في الأصوات بداخل قصتين هامتين جداً وهما ” لما النسيم” و ” نشبه لإيه” وهو شكل من التجريب كانت موفقة جداً فيه، في القصة الأولى ارادت أن تجعل البطل انعكاساً للبطلة، فجعلتهم كالمرأة، ولكن كلاً منهم يرى من ناحيته بطريقة معكوسة غير واضحة
أما القصة الثانية ” نشبه لإيه” فلقد اعطت مساحة للأربع شخصيات أن يتحدثوا لنرى الحقيقة من عدة جوانب، ولتمنع أن تتحول القصة إلى حكم أخلاقي على أبطالها، وهو ما ينتفي مع هدف الأدب.
عندما قصت شعرها، للوهلة الأولى قد تبدوأنها محدودة الحكايات، او لن تقدم الكثير، وخاصة مع وحدة الفكرة والاستهلال بأغنية، ولكنك تنفتح معها على عالم رحب من التعدد في الحكايات، كما ان الاستهلال الغنائي اعطى لكل قصة حالتها الوجدانية ومذاقها الخاص المختلف.


















