على خطّ النّار، دفاعاً عن الحصن الأخير

قراءة في ثلاثية الدكتور جمال حسين علي   1ـ لماذا يكره المثقفون بعضهم؟ 2ـ بلطجة المثقفين 3ـ بازار الثقافة الكبير  

gamal hussain

عبد الهادي عبد المطلب

استهلال..

       «إن السلاح الوحيد الذي يقضي على الرّداءة هو الثقافة، فهي الوحيدة التي تحدث تغييراً مهمّاً في الوجود، لذلك من يسمّونهم مثقّفين لم يُغيّروا، فزادت الرّداءة».

(لماذا يكره المثقفون بعضهم ص 106)

       «الرأي الصّادق يطوّرنا، فالمجاملة تقتل الإبداع، نحتاج إلى من يخُضُّ دماغنا ويدعس غرورنا، امتلاك المعرفة لا يكفي، تحتاج إلى تطبيقها، فالرّغبة في التّغيير ليست كافية إن لم تقترن بالتّصرُّف. وربّما عندها نستحق تسمية: مثقّف».

(لماذا يكره المثقفون بعضهم ص 107)

مفتتح..

وانا أجوب أروقة المعرض الدولي للكتاب 2025 بعاصمة الأنوار «الرباط» بالمغرب، شدّت انتباهي وحواسّي عناوين مستفزّة، مثيرة ولاذعة لثلاثية الدكتور جمال حسين علي[1]، فقرّرت أن أقتحم معاقلها مغامراً، وأقف على هذا الكُره الذي يخبّئه المثقفون لبعضهم، وهذه البلطجة التي تجوب حارات الثقافة تريد النّيل منها، وأقطع مسارات ومنعرجات البازار الثقافي الكبير، لعلّي أفتح لهذه الثلاثية مجالات أوسع للقراءة والمناقشة والانخراط في الهمّ الذي تحمله.

بعد القراءة..

بكل الجرأة والصدق الذي لا ينتظر جزاء ولا شكوراً سوى إحقاق حقٍّ بدأ يغشاه غبشٌ وضباب كثيف، تسير بنا الكتب تضيئُ، حين تفتح للثقافة الطرق والمداخل التي أظلمت، حين جاب سراديبها أشباه المثقفين الذين يظنون أنهم ملكوا أمرها، وحكموا مداخلها ومخارجها، عابثين غير آبهين بأسرارها وكنوزها، هذه الكتب، واعية كل الوعي، بسرّ وقوة الكتابة، «لذلك حين تكتب، فلتكن كتابتك حقيقية فيها لحمك وروحك ودمك، عندها ستبقى كلمتك خالدة، فإذا لم تشعّ اليوم، سياتي من يحفر في باطن الأرض، لينظّف أحرفها ويجعلها أيقونته»[2].

       هكذا يضع المؤلف أمر الثقافة وفعلها مواضعه، يحرث، ينقّب، يبحث عن الجوهر، عن الحقيقة الكامنة في عمق الثقافة الأصيلة التي يُراد طمسها، يشدُّ عضد المثقفين الفِعْليّين «الذين ضحّوا بأجمل أعمارهم وأوقاتهم في سبيل تقديم الإبداع النّظيف والنّقيّ»[3]، غير عابئٍ بالأفواه المتدلّية ألسنتها التي تُحسن السب والكذب والجري وراء سراب الأضواء الباهتة، والسّارحة في ما عَفتْهُ الثقافة الحقّة، ليؤسّس لإيمان بأن الثقافة الأصيلة شكل من أشكال المقاومة ضدّ هيمنة الرداءة والتفاهة والزّبونية، لتكون «مخلّص الجنس البشري من شرور العالم»[4]، وشرور أشباه المثقفين العالقين كالبقّ بأهداب السلطة والمال والحظوة والأضواء والتّصفيق.

       على امتداد صفحات هذه الثلاثية الرّصينة التي لا تَرْقُبُ في أشباه المثقفين صداقة ولا قرباً، يسّاقط المتخاذلون والباحثون عن الوصول السهل للرُّتب العليا، والعرض الزّائل، والتصفيق الغرّار، ويبقى شامخاً وجه الصابرين الواقفين على خطّ النّار يحمون آخر الحصون من السقوط، وما تبقّى من جوهر الثقافة، «لأنّ الثقافة هي حصننا وملاذنا الأخير في هذا العالم… إنها خندقنا الأخير الذي نحتمي به»[5]، رغم «إهدار المليارات على أي فساد، إلاّ الثّقافة الرّصينة»[6]، ورغم أن الكتب «تُطبع لكي تملأ المخازن، نهباً للريح والفراغ، ولأيّ شيء غير القارئ»[7]، وأستحضر هنا قول الله تعالى «فَأَمّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً، وَأَمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ في الْأرْضِ، كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ.»[8]. ورغم الزّبد والمُزبدين الّذين يتكاثرون كالفطر السّام، ويجتهدون في وأْدِ الكلمة البانيّة، يحفرون أخاديد لدفنها، وهي تقاوم الخبث، ويبْرون ألسنتهم ضد الباحثين عن النور، السّائرين حثيثا وبثبات لإْذكاء شعلة الثقافة لتظل منار المهتدين، الذين هم على يقين أنّ البقاء دائما للأصلح، ما دام على مرمى نظرهم لا يظهر خطّ الوصول، فإنّهم يجاهدون ويرابطون على خط النّار، واثقون أن عدم ظهور خطّ الوصول يعني أن الطريق شاق وطويل ومحفوفٌ بالمخاطر والمطبات، ويحتاج للصبر والمثابرة والإعراض عن التّافهين، والتّركيز على الأفق الممتدّ المختوم، لا محالة، بالنّور والضّياء، ومهما طال بهم المسير، «فلن يصلوا متأخرين»، فوقتهم وزمانهم وآثارهم تتجدّد بتجدّد دمائهم وهم يقطعون المسافات بمدّ المشاعل للآتين من أمثالهم، ويرصّصون مواطئ الاقدام، ويُحكمون الرّصّ لحبس الطريق على تفشي الرداءة أن تكون الغالبة أو تقوم لها قائمة، « لِيَميزَ اللهُ الْخَبيثَ مِنَ  الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبيثَ بَعْضَهُ عَلى بعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَميعاً فَيَجْعَلَهُ في جَهَنَّمَ»[9].

       على خطّ النّار، اختار المؤلف أن يقف، منافحاً محارباً، القبح والرداءة والزبونية التي تفشّت في جسد الثقافة، مدافعاً عن الحصن الأخير الذي يتحصّن وراءه أهل الرّأي والكلمة النّزيهة، وكل محارب يؤمن بقضيته، مُعرّضٌ للمواجهة والمكر والخداع، وهذا قدره، لأنّه حين امتهن الكتابة عن وعي، اختار أن يكونوا في الواجهة.

والرداءة حين تلبس وجه العالم، يتآكل الجمال، وتنمو على حواشيه الديدان والعفن، يتحجر الفكر ويخرج من معاقلهم أشباه المثقفين، يزيغون، يميلون سريعا نحو الهاوية السحيقة لا قرار لها، حين يظنون أنهم أمسكوا الأمر بأيديهم.

هذا الكتاب[10]، انبرى، دون خوف أو محاباة، إذ لا خصم للنّاعقين باسم الثقافة إلا كلام هادئ رصين، قوي، لا يهادن ولا ينافق، هو صُقلها وجلاؤها، وهو عدوها الأول والأخير، لأنّ التفاهة الثقافية عدو عنيد، لا يستسلم بسهولة، بل لا يستسلم أبدا، يسكن تجاويف الحياة المظلمة، يطل برأسه الخبيث، متربّصا بالنوايا الصادقة، والأقلام التي تحمل في حبرها النور. لذا «فمعركة» هذا الكاتب وهذه الكُتب لا نهاية لها، تأخذ من ذاتها أسلحة المواجهة، تُسرِّج الكلام سلاحاً، يسقط ناراً تلظّى، نابضا بالحياة ليحيا فوق البياض في زمن مات فيه صدى الكلمات، زمن أدرك، كما أدرك الحاملون مشعل الصمود، موته وتراجعه وانتحار ثقافته، فوقفوا على ثغورها شاهرين أقلاما لا تجامل ولا تهادن، تنزف دما أسودَ، نزيفا لا يملك له النّاعقون إيقافاً، لأنهم حين امتهنوا الكتابة، اختاروا أن ينزفوا كلمات حين ينزف الآخرون كلاما والآخرون صمتا، وآخرون قيل وقال، وآخرون «لكم دينكم ولي ديني». لهذا كانت هذه الكتب، صادقة في توجيه الكلام الوِجْهة الصّحيحة فكان التّنبيه أوّلاً «الكتاب مثقف جدا، فاجتنبوه».

       في خضمّ هذا الصّراع الذي لا يحتفي إلاّ بالرداءة شعاراً، يقف الكاتب ليُعلن، دون تملّصٍ من المسؤولية، وبجرأة، أنه «إذا كانت هناك إدانة، فلا تُرمى على أحد بشخصه، الجُرم نحن الذين اقترفناه. كلّنا يتحمّل المسؤولية، نحن من شجّعنا على الابتذال وعلينا أن نحاكم أنفسنا»[11]، والخبيث، رغم كثرته وطفوه على السطح بادياً للعيان، فهو يحمل في طياته التّزييف للوعي العام، يُضعف، إن لم نقل، يقتل أثر الفكر الحقيقي الذي يبني الإنسان، الشيء الذي يدفع بالمثقفين الحاملين قضايا الإنسان والمجتمع، أمثال طه حسين، وعبد الرحمن الكواكبي، والجابري وإدوارد سعيد وغيرهم ممّن يمثّلون الكثرة رغم قلّتهم، إذ «نحن بحاجة إلى ما يمكن أن نطلق عليه « علم وجود جديد»، يمنح البشرية فرصة التقاط الأنفاس، لاكتشاف طرق جديدة لمواجهة حاضرنا، وبعدها نستطيع التفكير بالجديد وتصحيح القديم وإنتاج ما لم يُكتب من قبل، ولم يُرسم بعد، وإعادة اكتشاف وجودنا الجديد»[12]. وهذه الصياغة الجديدة، لن يقوم بها إلاّ المثقف الذي يحمل همّ البحث في معنى الحياة والحقيقة، وإلاّ الذين لا يبيعون ذممهم للمناصب والجوائز والأضواء، أوالصّاعدون على أكتاف الضّجيج الفارغ والتّصفيق، ولذة التوقيعات، وهتاف المنصّات والبرامج التلفزيونية التي تقدّمهم على أنهم أمثلة ناجحة يقتدى بهم، «فالأديب مهمّته الكتابة فقط، لا يحتاج الأدب الرفيع للتّطبيل والجوقات وتصفيق مبتذل»[13]، والثقافة بدورها «لا تحتاج إلى استعراض، بل إلى برامج وخطط وأفكار جديدة، نزاهة وإخلاص وسعي جاد للنّهوض بالمجتمع، وهذه لا تُحقّقها مجالس وندوات وتغريدات منافقة»[14].

البيان الأخير.. حديث مع القارئ..

       تأسيسا على ما سبق، «ستكتشف [أيها القارئ]، أن هذا الكتاب صريح جدّاً،[ومثقّف جدا]، لأنه يواجه أولئك الذين خرّبوا الثقافة وأهانوا الأدب، واحتالوا وانتحلوا وسرقوا وسمسروا وباعوا واشتروا ضمائرهم من أجل حفنة من الحياة الرّخيصة»[15]، ويسير على أثر من سبقوا من الذين دَعَوْا إلى حرية الفكر وتجديده، ونقد التقليد، ومحاربة الرداءة والتفاهة للنّهوض بالمجتمع، وتغيير الذهنية لا المظاهر، والتّصدّي للتّخلّف الفكري ومحاربة المقنّعين أشباه المثقفين الذين يخوضون في الوحل حد الرّكب، بحثاً عن الدود والصيد في المياه الآسنة والعكرة، الواقفون في وجه من آثر الثقافة زينة أو مصلحة لقضاء مآرب محكومة بالزوال، طال الزمان أو قصُر، أو المُتلصِّصون في الواجهة لمهاجمة الثابتين على خط النّار يحمون آخر الحصون.

       وأنت أيها القارئ الحصيف، لك عقل به تعرف أين تضع «لا» لمقاومة الرداءة والصّدأ الذي يغزو وجه الثقافة، وحين يخرج من مخابئهم أشباه المثقفين يوهمونك أنّهم يملكون زمام المعرفة، كما تعرف أين تضع «نعم» حين تطلع على الثقافة شمس النّهار كاشفة أسرارها للذين يحمون حصن الثقافة الأخير، ليظلّ منارا للسائرين نحو النّور، وإن لم يكن هذا ولا ذاك، فاعلم أن الغباء والتّبعية العمياء، بعيدا عن إعمال العقل، والثقة التي تُبنى على الزّيف، تيهٌ يسوق صاحبها إلى الهاوية السّحيقة.

والكتاب «ليس نظريات أو أحكام أو قوانين دولية، ولا شرائع دينية أو حكم بشرية، هو مجموعة من الانطباعات والمشاعر والأحاسيس المؤلمة عن النّاس والعالم كتبتُها بعيون مفتوحة وحالمة»[16]، بل دعوة إلى الانخراط في سؤال الثقافة الأصيلة عن وعي نابع من المشاركة والتمحيص والنّقد.

«فالكاتب ليس مهمته الإجابة على الأسئلة، في الغالب هو يطرحها للنّقاش العام»[17]والسؤال ضالّة الباحث عن الحقيقة، إذ السؤال هو الأداة التي تقود إلى المعرفة وتفتح باب التّفكير والتّأمل والتّمحيص، وتمنح العقل دافعاً للبحث، وإذا كان الجواب موتاً للسؤال ونهايته، ووقفاً لحركة العقل والحكم عليه بالسكون، وطمس الدّهشة وغلق منافذ البحث، فإن الكتاب، الثلاثية، يظل حاملا للسؤال على امتداد صفحاته.

       نعتبر هذا البيان، دعوة إلى قراءة ثلاثية[18] الكاتب جمال حسين علي قراءة واعية ورصينة، تأملية تستجلي واقع وحقيقة الثقافة الأصيلة، وتدفع إلى الانخراط في سؤال المعنى الحقيقي للثقافة وجوهره، وغاياته ومراميه، والوقوف على مداخل ومخارج الحصن الأخير الذي يتمترس خلفه الكاتب وكثير ممّن حملوا على عاتقهم تجلية الثقافة من شوائبها، مدافعين عن أفكاره وآرائه، قاطعين  الطريق على أشباه المثقفين البائسين، حتى لا تعلق، أيها القارئ، تائهاً بين الثقافة السطحية التي تعج بها الحياة، والأخرى التي تؤسّس لحياة أفضل للآن والمستقبل، إذ «لا شيء يقتل الثقافة العظيمة كالثقافة المزيفة والسيئة، ولا يوجد ظلم لحق بالمثقفين مثل التّواطؤ المُخزي والتّرويج الفظ للقوى التي تخشى الثقافة الحقيقية»[19].

خاتمة البيان..

       إن ما نحتاج إليه هنا الآن، هو الوقوف في وجه التواطؤ المخزي، والخداع والزّيف الذي يصبغ به النّاعقون وجه الثقافة لنزوات تخدم مصالحهم، وتصريف ما يؤمنون به من ديكتاتوريةِ امتلاك المعرفة، لعلّهم يستيقظون من سباتهم، ويقفوا عراة أمام ادعاءاتهم وجهلهم وتلاعبهم، ويُنيبوا إلى الحقيقة فاعلين، يداً في يد الشرفاء، غير منبهرين بخداع الأضواء والسلطة والمال، فاتحين للآتي دهشة تنفرج بها أسرار الثقافة وهي تنير للعاشقين درب السير نحو الجمال.

       وبعد، لنا أن نتساءل مع الكاتب في خضمّ هذا الهيجان الزّائف، الذي يضرب عميقا في جسد الثقافة وجوهرها، هل نستطيع، من جهتنا، نحن القراء والكتّاب، أن نقف على خطّ النّار دفاعاً عن الحصن الأخير، نواجه الزّيْغ والزّبونية والضّحالة والرّداءة، ونسير نحو الأحسن، ونمنع حصول الأسوأ حتّى لا تكون النهاية كارثية؟

       ………………

*كاتب من المغرب                                                                                                                              

      

 

 

 

 

[1] جمال حسين علي. لماذا يكره المثقفون بعضهم و بلطجة المثقفين وبازار الثقافة الكبير الصّادرة عن دار صوفيا للنشر والتوزيع بالكويت (سنفصل فيها لاحقا).
[2] جمال حسين علي. لماذا يكره المثقفون بعضهم؟. (الكويت. دار صوفيا للنشر والتوزيع. 2023. ص 16)
[3] نفس المرجع ص 18
[4] نفس المرجع ص 34
[5] نفس المرجع ص 38
[6] نفس المرجع ص 81
[7] نفس المرجع ص 82
[8] سورة الرعد. الآية 19
[9] سورة الأنفال الآية 37
[10] رغم أنه ثلاثة كتب إلاّ أني اعتبره كتابا واحدا يصبّ في نفس القضية.
[11] جمال حسين علي. لماذا يكره المثقفون بعضهم؟. (الكويت. دار صوفيا للنشر والتوزيع 2023). ص 93
[12] المصدر نفسه ص 32
[13] المصدر نفسه ص 164
[14] المصدر نفسه ص 159
[15] جمال علي حسين. بازار الثقافة الكبير. (الكويت. دار صوفيا للنسر والتوزيع 2024). ص 10.
[16] جمال حسين علي. بلْطجة المثقفين. (الكويت. دار صوفيا للنشر والتوزيع 2024). ص 17.
[17] نفس المصدر ص 40/41.
[18] نقصد بالثلاثية الكتب: 1ـ لماذا يكره المثقفون بعضهم؟ 2ـ بلطجة المثقفين 3ـ بازار الثقافة الكبير. دار صوفيا للنشر والتوزيع الكويت 2024.
[19] جمال حسين علي. بازار الثقافة الكبير ص 35.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع