هدى سعد
سألت أمي ونحن في السيارة البيجو عن سبب ذهابنا لنجع حمادي، فأجابت بحسم:
– ذاهبان لــ”كحريتة” أبي عصران، لتتكحرت وتروح عنك الخضة.
وصلنا إلى ضريح “الشيخ عصران”، الأرض الجبلية حوله مغطاة بطبقة من الغبار الناعم، والصخور الكبيرة تنتشر في كل مكان. الهواء جاف وحار، يعبق برائحة الأعشاب البرية التي نبتت بين الصخور.
جلسنا ننتظر دورنا، أتأمل المكان المزدحم بوجوه مشبعة بالحزن، يتدحرجون على الأرض القاسية، بينما تدق الدفوف حولهم. تسرب إلى قلبي صوت أعرفه، ينشد بانكسار، إنه صوت سعدية! ما الذي أتي بها إلى هنا؟ تجلس مع أمها وسط مجموعة من النسوة، شاردة تُردِّد بحزن معهم خلف امرأة عجوز: “يا سيدي أبو عصران، اشفِ العيان وريح التعبان، حضر سيوفك وأكرم ضيوفك، واشفِ بكراماتك كل عليل عشمان”.
أمرت العجوز سعدية بالدوران حول الضريح سبع مرات متتالية، وبعد السابعة ربطت سبعة خيوط من الكتان حول معصمها. هبت سيدة فارعة تُمسِك بسعدية، وتضعها فوق ملاءة متسخة مفرودة على الأرض، تشبه كفنًا قديمًا، لفَّتها بها! وقفت مذعورًا، كدت أركض نحوها لأنقذها، لولا أن أمسكت بي أمي تنهاني عن الاقتراب منها، هتفت وأنا أحاول التملص من كفها:
– سيدفنونها حية! كيف تسمح لهم أم سعدية بأخذها؟!
– اسكت يا سيد!
تسمرت مكاني حين رأيت رجلًا ضخمًا يقترب من سعدية المكفنة، دفعها فجأة بقوة فوق الأرض المنحدرة، فتدحرجت! وأصوات الزغاريد ترتفع احتفالًا ببداية شفائها. فجأة حملتني ذراعان قويتان لنفس الرجل، لم تمنعه أمي ولم تستجب لنداء دموعي أو صرخاتي المرتعبة. لفَّني في كفن آخر، لم أستطع الفكاك من بين يديه، فقد تغلب بيسر على مقاومتي ورفس قدمي، سقطت بقوة على الصخور، وتدحرج جسدي على الأرض الوعرة، أصابتني بعدة كدمات آلمتني لأشهر، غير الجروح الكثيرة التي ظلت تؤلمني وتبكيني أكثر من حزني على سعدية؛ ما أفزع أمي أكثر، وجعلها تستجيب لنُصح بعض النسوة وتذهب بي للتدحرج فوق ربوة “القطيعة” في دير الأنبا “شنودة” بسوهاج.
لم يختلف الأمر في دير الأنبا “شنودة” عن ضريح “الشيخ عصران”؛ رجال ونساء وأطفال وتدحرُج، نفس الوجوه البائسة، والعيون الراجية الشفاء، المتعلقة بذرات الأمل المنثورة فوق الصخور المدببة. تهب الرياح تسفح وجوهنا، تحمل معها رائحة دخان البخور المختلط بعرق الأجساد المتألمة من التدحرج، تحاول التقاط أنفاسها الغارقة أسفل أمواج الأمل المراوغة. يدورون في مسار دائري حول أنفسهم، على أمل أن يُخرِجهم هذا الدوران من متاهاتهم اللامتناهية.
لم أُشفَ، ولم تيأس أمي، أخذتني إلى بئر الشيخ “حسين خلف الله”، سقتني من مائه سبع رشفات، تدعو الشيخ بعد كل رشفة أن يشفيني. ولم يستطع أيٌّ منهم شفائي، فدوائي ليس معهم، كل ما احتجت له كي أُشفَى، أن يبتعد عفريت الغرباوي عن سعدية، وأن تبتسم مرة أخرى وتكف عن البكاء.
**
تدحرجت حياتي وحياة أمي على منحدر، أعلى من كحريتة أبي عصران. فبعد انتقالي للصف الخامس الابتدائي، وبعد مرور شهر واحد من الدراسة، وجدتها تنتظرني على باب المدرسة. أمسكت بيدي وقالت إنها تحتاج إليَّ معها في أمر هام، ذهبنا إلى بيت عم شحاتة، صانع الأواني الفخارية. يصنعها بمساعدة ابنه علي، ويبيعها أمام بيته. أمسكت أمي بطاجن كبير وقالت لعم شحاتة إنها تريد شراءه. دفعت ثمنه ثم قالت له بحرج:
– لا تؤاخذنا يا عم شحاتة، سيد يريد الذهاب للحمام.
– تفضلي يا أم سيد، أم شحاتة بالداخل هي والبنات.
– سلمت من كل شر.
لم أطلب منها ذلك، ولم تكن لديَّ رغبة في التبول. وقبل أن أعترض، ضغطت على كفي وغمزت بعينها كي أصمت. دخلنا وبعدما سلمت عليهم كررت نفس الطلب، فأدخلتنا زوجته وأضاءت لنا المصباح وخرجت. تلفتت أمي بقلق يمينًا ويسارًا، ثم تسللت لغرفة نومهم، أخرجت من صدرها منديلًا مربعًا، وأخفته أسفل المرتبة. فجأة، وجدت أم شحاتة تقف خلفها على باب الغرفة. أمسكت بمعصمها في قوة، تجرها نحو المرتبة وهي تصيح:
– ما الذي أخفيتِه في المرتبة؟ تكلمي!
سحبت أمي ذراعها، حاولت الهرب من دون فائدة. دخل عم شحاتة وابنه، وبعض الجيران. زوجة عم شحاتة تسب أمي، وتمرر المنديل المخفي داخله سِحر الغرباوي على الواقفين. وعيون عم شحاتة تبرق وترعد، صفع أمي فسقطت على الأرض، أخذ يركلها ويبصق عليها، ولم يبعده أو يدافع عن أمي أي شخص.
اندفعت نحوها، أحطتها بجسدي كي أحميها من ركلاته، فضربونا معًا، وألقوا بنا خارج البيت، كما يُلقَى بأكياس القمامة في الخرائب. ساعدت أمي على الوقوف، كانت تبكي وتمسك بجانبها الأيسر، وتتلوى من شدة الألم. عدنا للبيت في أسوأ حال، ظلت أمي تتألم وتبتلع أقراصًا لم تُسكِّن الألم.
انتشر الخبر في أرجاء القرية، فذهبت نظرات الشفقة على سيد اليتيم، وحلت محلها نظرات الغضب والاحتقار، أُغلِقت في وجهي الأبواب وازددت نبذًا، فكرت معه أن أتولى قيادة مجموعة “المنبوذون الخمسة”، فأنا أكثرهم نبذًا الآن، حتى المدرسة منعوني من دخولها، ومن التجول في الطرقات.
**
اشتد المرض على أمي، ظل جسدها طريح الفراش، تمر الأيام وكل يوم يلتهم منها قطعة، تصرخ وتدفن وجهها في الوسادة. لم نعُد نملك ثمن الدواء، ونفد ما لدينا من طعام. بعنا التلفزيون والبطانية، وبعده باقي الأثاث، آخر ما بعناه هو الأرنب لوز والسرير. وضعت الناي جوارهما بعدما غسلته بدموعي، وقلت للتاجر:
– الناي بخمسة جنيهات.
قلَّبه التاجر بين يديه، ثم ألقى به على الأرض، التقطته، ربَّت عليه، ثم مددت كفي به للتاجر وقلت:
– جنيه واحد، وسأعلمك العزف عليه.
أدار وجهه بعيدًا عني، حمل السرير والأرنب وخرج، فركضت خلفه، أمد كفي بالناي، أبكي، فتخرج الحروف مبتلة بألمي:
– خذه مقابل رغيف خبز، والنبي يا عم!
ابتسم ساخرًا وأكمل طريقه.
شيء واحد لم نبِعه، تشبثت به أمي رغم الجوع الذي مزقنا، همست بصوت واهن:
– إلا سماعة دكتور سيد، حياتي في كفة وهي في كفة!
بحثت عن السماعة في كل ركن في الغرفة، حتى التراب حولها فتشته، ولم أعثر عليها.
**
لم ينقطع صراخ أمي ولا بكاءها، فذهبت للمستوصف الخيري، اقتحمت غرفة الطبيب، قبَّلت قدمه واحتضنت ساقيه، ولم أتركه حتى وافق على القدوم إلى غرفتنا ليكشف عليها. قال إنها تعاني من الفشل الكلوي، فهمت منه أن هناك شيئًا داخلها توقف عن العمل، وتسبب في الألم الذي يجعلها تصرخ في الليل، وأن المرحلة التي وصلت إليها لا يمكن إصلاحها، ولا علاج لها. اخترقت كلماته أذني تعلن هزيمة الجيش، وتأمره بطيِّ الرايات والانسحاب من ساحة المعركة.
كانت أمي تترنح لتتقيأ خارج الغرفة، ثم أصبحت لا تقوى على ذلك، فطلبت مني إحضار كيس لتضعه بجوار الفراش وتقيء فيه. أزعجها اتساخ ملابسها بسبب ارتجاف يديها الممسكتين بالكيس، فأحضرت خرقة مبللة بالماء، ومسحت بها وجهها وما اتسخ من ملابسها، وفي كل مرة تقيء أسرع لمسحهما.
أنا جائع، وأمي جائعة، جسدها أنهكه الجوع وأضعفه المرض. لا بد أن أجد حلًّا، فنحن لم نأكل منذ يومين، والرحمة التي أحضرها لنا سليم يوم الجمعة الماضية نفذت!
**
التفَّت أذرع الشمس حول عنقي تخنقني، طال جلوسي أمام مسجد “الفخاري”، مرتديًا مهنة أمي وفقر أبي ويتمي، لم يفلح الشال الذي أخفيت به وجهي في حجب حرارتها عني، مددت يدي للمارة أتوسل ما أسد به جوعنا، ظلت يدي الممدودة خاوية كما بطني وبطن أمي. جف ريقي وغمر العرق المتسارع جسدي، ألهث جوعًا وعطشًا!
ارتفع صوت أذان الظهر، وبدأ المصلون يتوافدون على المسجد. انتعش الأمل في صدري مع ازدياد الأعداد، لكن ما لبث أن انطفأ حين رأيت الشيخ عامر يدخل، يجر خلفه جلبابه الحريري الناصع البياض، تسبقه رائحة العطر وتتلألأ في معصمه ساعته الذهبية، محاطًا بالتجار. حين رآني تجهم وبصق على الأرض. اقتربت منه، وتعلقت بجلبابه، وتوسلت إليه أن يساعدنا في فقرنا ومرض أمي. فصاح باشمئزاز:
– أبعِد يدك القذرة عن ملابسي يا وسخ!
– ستموت أمي جوعًا يا شيخ عامر، أعطني رغيف خبز، والنبي يا شيخ عامر، نصف رغيف، يا رب تدخل الجنة!
أمسك بياقة جلبابي بكفه الغليظة، وقذفني بعيدًا على الطريق، هاتفًا بغضب:
– غور من هنا يا ابن الكافرة!
رفعت جسدي المفترش التراب، تلاحقني نظرات الناس المتقززة. صرخت مستنجدًا:
– والنبي يا شيخ عامر، أمي لم تأكل من يومين!
أجاب وهو يهم بدخول المسجد:
– أنتم لا تستحقون اللقمة!
صرخت بكل ما تبقَّى لي من قوة:
– ستموت أمي جوعًا!
رد الشيخ بغضب:
– فلتذهب أنت وأمك إلى جهنم، غور من هنا!
صحت، وشفتايَ المتشققتان ترتجفان:
– أنا أمام بيت الله! لا تستطيع طردي، إنه ليس بيتك!
– وهل مثلكم يعرفون الله؟!
تجمع الناس حولنا واتفقوا على أمر واحد: “أننا لا نستحق الرحمة، وأن جهنم في انتظارنا”. أمسك عم جميل الحلاق بجلبابي، وقذفني بعيدًا في غضب، وهو يهتف:
– امشِ من هنا يا كافر يا ابن الكلب!
وقفت، أشتعل غضبًا، أصرخ فيهم وأقذفهم بالحجارة:
– بل أنتم الكفرة! أمي ستموت من الجوع! ستموت من الجوع يا كفرة!
أمسكت بقِطع من الحجارة، قذفتها نحوهم واحدة تلو الأخرى، يدايَ ترتعشان، والعالم من حولي يزداد ضبابًا. أصابت إحدى الحجارة رأس الشيخ عامر، فسال الدم على وجهه، بينما شجَّت أخرى حاجب عم جميل الواقف بجواره. لم أهتم لسبابهم، ما جعلني أرتجف هو شيء واحد فعلته، أصبت نافذة المسجد الزجاجية بحجر، فتهشمت. دوى صوت تهشمها في المكان واندفعت شظاياها داخل وخارج المسجد.
نظرت بخوف نحو السماء، “لقد أغضبت الله”، كسرت نافذة بيته! تحولت العيون حولي إلى نيران تلتهمني. تنهال عليَّ اللعنات، والركلات، وأنا متكوم على الأرض، شعرت بأن روحي تفارق جسدي في تلك اللحظة، ولم أظن أنهم سيتوقفون قَط.
تركوني ودخلوا المسجد يلتفون حول الشيخ عامر، سيصعد المنبر الآن بتمهل، ينظر للمصلين من أسفل قناع الناسك، يرفع طرف عباءته السوداء المقصبة بالخيوط الذهبية، يضعه على إحدى كتفيه، ثم يُحدِّث الناس بصوت خاشع متهدج، يؤجج مشاعرهم بالحديث عن الجنة والتخويف من النار، سيبكي خشيةً وإيمانًا ويستعيذ من حب الدنيا، سيرتعش صوته تأثرًا وهو يتكلم عن الزهد والصدقة والزكاة وحق الفقراء المعلوم في الأموال، وبعد انقضاء الصلاة سيجلس على الأرض بجوار المنبر، خافض الرأس في تواضع وسكينة، يحرك حبات مسبحته الطويلة، تتمتم شفتاه في تضرع وخشية، وسيتجمع حوله المصلون يُقبِّلون يد التقي والورِع، ويتمسحون في عباءته طلبًا للبركة، ويطلبون منه الدعاء لهم ولذريتهم.
**
سرت بساقين مرتعشتين يسيل بينهما سائل دافئ يبلل سروالي، انقطع الشبشب الذي استنفد كل محاولات الإصلاح السابقة بخيط الدوبارة، سرت بفردة واحدة في قدمي اليمنى، أتقافز فوق الأرض الملتهبة، وعندما تئن قدمي اليسرى من وعورة الطريق، أبدل فردة الشبشب لتستريح اليسرى وتستمر اليمنى حافية. حتى وصلت إلى المقابر، وقدمايَ مثل الخبز الناضج فوق سطح فرن أمي، حينما كنا نملك قمحًا وخبزًا.
جلست على عتبة الغرفة، أنزع الأشواك العالقة في قدمي وأمسح الدماء، فسمعت سعال أمي الضعيف وأنينها. ذرفت دموعًا جديدة فوق تلك التي جفت على خدي، كيف سأدخل لها وليس معي شيء؟! توسدت الأرض وأغمضت عيني فغشيني النعاس من شدة الجوع والتعب.
استيقظت محاولًا فتح عيني المتورمة، نظرت للسماء، الشمس غربت وحل المساء، ماذا سأفعل! ما زال أنين أمي مستمرًّا! يثقلني الهم الذي امتطى كتفي، نهضت بصعوبة، سرت بين المقابر مطرق الرأس، حتى وصلت للتلة، تسلقتها بجسدٍ منهكٍ ولسان يابس لا يستطيع ابتلاع الطعم المر في فمي.
فجأة ظهر أمامي ثعبان صغير، رفيع بطول “منشة” الشيخ عامر. يتلوى أمامي وكأنما يحمل رسالة تتوعدني من دخول أرض الموت للغرباوي، فاشتعل غضبي، أمسكت بحجر كبير من دون تردد، حملته، ثم هويت به على الثعبان مرات ومرات. صرخت في غضب: “لست جبانًا، لست خائفًا، سأدخل أرض الموت وحدي! هم الكفرة، هم الكفرة!”.
**
دخلت بيت الغرباوي، وقفت في الصالة، تتابعني نظراته المخيفة من داخل غرفته، كأنه يعلم بمجيئي. حاولت أن أفتح فمي لأقول شيئًا، لكن الكلمات خذلتني. كان جالسًا على الأرض بين أكوام من الكتب والورق، شعره الطويل المموج يتدلى من أسفل غطاء رأسه الأسود المتصل بعباءته، يكاد يلامس الصفحات المفتوحة أمامه.
جسمه الهزيل وعروقه البارزة تحت جلده المجعد، تعطيه مظهرًا أقرب للأموات منه للأحياء، وساعداه النحيلان، الموشومان بالأسود في مواضع متفرقة، يظهران من كمَّي الجلباب الواسع كفرعَي شجرة يابسة. يمسك بريشة يغمسها في زجاجة صغيرة أمامه، ويخط بها على ورقة صفراء اللون.
تلاقت أعيننا، رماني بنظرة حادة، انتفضت. شعور غريب اجتاحني، ورغبة ملحة تولدت بداخلي للركض بعيدًا. وجدت في ركن الصالة مقشة، فأسرعت نحوها، متظاهرًا بأنني أكنس الأرض بهمة، علَّني أهرب من قوة عينيه التي تلتف حولي كدوامة. كنست ورتبت بعض الأغراض من دون أن يطلب مني ذلك أو أستأذنه، ثم تقدمت نحو غرفته، أُقدِّم قدمًا فتتعثر الأخرى، أحاول تحاشي عينيه، وأعين رءوس الحيوانات المعلقة على الجدران، والعظام المتدلية من سلسلة حول رقبته، ولا تكف عن التأرجح. جمعت بقايا الفحم والبخور المتناثرة على الطاولة، نظفت الأرض، ثم وقفت أمامه مطأطئ الرأس. شبَّكت أصابعي المرتجفة أمامي، أحاول أن أجمع بصعوبة الحروف الهاربة من فمي:
– أعطني أكلًا لأمي يا عم غرباوي!
مرت لحظات من الصمت، وجهه جامد لا يكشف ما يدور في عقله، وعيناه المخيفتان لا تفصحان عن شيء، قال وهو يكمل كتابة على الورقة الصفراء:
– عيانة حسنية، عيانة قوي.
لفحتني كلماته، تخطت الأمتار الفاصلة بيننا، فانتفضت شعيرات جسدي مذعورة، فصوته العميق يشبه صراخنا في مواسير الصرف الملقاة في “الرهبة”. قلت وأنا أحاول السيطرة على جسدي المرتعش:
– عيانة ولم تأكل من يومين.
رفع رأسه قليلًا، فتطاير شعر لحيته الشعثة في كل الأنحاء فارًّا من وجهه. سألني:
– مَن جاء معك؟
– جئت وحدي.
ضاقت عيناه يسألني ببطء وهو يتفحصني:
– أأتيت وحدك في الظلام من المقابر؟
– نعم.
– ألم تخَف؟
– لا!
– سرت وحدك بين أشجار أرض الموت؟
– نعم، وركضت شجرة خلفي ولم أرجع.
– كم عمرك؟
– عشر سنوات.
– ألم تخشَ الظلام والأفاعي؟
– بل قتلت أفعى على سطح التلة.
عاد بظهره للخلف، ينظر لي بدهشة، ضيَّق عينيه مرة أخرى وسألني:
– قتلت أفعى؟!
– نعم سحقتها بحجر.
– قلبك ميت يا ابن حسنية، تعجبني.
تأمَّل وجهي المتورم والدم المتجلط على شفتيَّ وسألني:
– تعاركت مع مَن؟
– الشيخ عامر والتجار أصحابه!
– ضربوك؟
– ضربوني وقذفتهم بالحجارة، شججت رأس الشيخ عامر وساح دمه على وجهه!
ضحك الغرباوي حتى شخر من شدة الضحك، وقال بانتشاء:
– أنت هزمت اثنين من الأفاعي اليوم، تستحق عطية كبيرة، افتح الثلاجة وخذ ما يكفيك من طعام.
– بحق؟!
– بحق، وسلِّم على أمك!
وقفت أمام الثلاجة الكبيرة تتلاحق أنفاسي، شهقت من الفرحة حين رأيت أصناف الخضراوات والفاكهة المصفوفة على الأرفف، حملت ما استطعت وعدوت مسرعًا نحو البيت كي أُطعِم أمي. قلت لها بسعادة كبيرة:
– أحضرت لك أكل يمًة، كليه كله حتى تشبعي وتُشفي.
– أين كنت؟ ومن أعطاك الأكل؟
– الغرباوي.
ازداد وجه أمي شحوبًا واصفرارًا، قالت بدهشة وخوف:
– دخلت أرض الموت؟
– نعم، وسأدخلها كل يوم، فالقرية الآن أكثر رعبًا منها، إن أهل القرية يخيفونني أكثر من عفاريت الغرباوي.
بكت أمي وغطت وجهها بطرحتها، تنشج وتقول:
– سامِحني يا سيد، لولا تعجُّلي ما كانوا ليروني، لقد أخطأت، وأنت الآن تدفع ثمن خطئي وحدك! العقربة أم شحاتة السبب، لولا صياحها ما تجمَّع الناس حولنا!
أمسكت بطرحتها، وجففت بها دموعها، فسألتها وأنا أضع في فمها موزة قشرتها لها:
– متى ستُشفين؟! لقد طال مرضك!
– قريبًا يا سيد، كل، فأنت لم تذُق طعامًا من أول أمس!
**
حملت الأيام على كتفي ذهابًا وإيابًا لبيت الغرباوي، كمَن يحمل دَيْنًا لا أمل في سداده. لا أشتكي وعورة الطريق ولا ثقل الحمل، باتت الشكوى عبثًا، والبكاء هباء. ولمَن أشكو وأمي تذبل وتسقط ورقة كل يوم من أوراقها اليابسة، وما عاد بها سوى غصن ذابل لا يقوى على مد جذوره في الأرض؟!
يمر يوم وراء يوم حتى وصلت تسعين يومًا، لم يغمض لي فيها جفن من دون الاستيقاظ فزعًا ومختبئًا في حضن أمي، فتبكي حالي وحالها وجور الزمن علينا، تحتضن وجهي فأجد بين راحتيها المأوى، تغفو عينايَ قليلًا فتتسرب إلى روحي أوجاعها، تتلوى بجواري من المغص مُحاوِلة كتمان صراخها حتى لا توقظني، لم ننعم ليلة بالنوم الطويل، ولم نشبع مرة من طعام، فكل أجري من العمل لدى الغرباوي هو بضع كسرات من الخبز وقطعة جبن.
أذهب لبيته صباحًا كمَن يُساق إلى الموت، وأعود في العتمة سائرًا بين عراك الأشجار، أركض مع الظلال الفارة من هسيس نيران خفية، يخنقني الدخان، وتلهب قدمي الحمم، أصرخ مع المذعورين، وأتخطى الجثث المحترقة، أمام البيوت المهجورة، في أرض الموت الخالية. أتسلق التلة لاهثًا، أُحدِّق في مواكب الأموات الهائمين حول قبورهم، ينتظرون وصولي، يلتفون حولي، يسيرون معي حتى باب الغرفة. اعتدت وجودهم، وهمساتهم في أذني، فأشباح مقابر الزبيدي أقل رهبة من ظلال أرض الموت، وأكثر إنسانية من الأحياء زوار الغرباوي.
كنت أعدو بأقصى سرعة عند خروجي من بيت الغرباوي في الليل، ثم تمهلت، فلا فارق بين الركض لمصير مجهول أو المشي، لم أكترث لظِل يتبعني أو صوت، فما يحدث بين جدران بيت الغرباوي أكثر رعبًا. يكفي تحديق الجمجمة القابعة على طاولته في عيني، وملاحقتها لي في كل خطوة أخطوها داخل الغرفة. لم أفهم سبب وضع الجمر داخل رأس ميت! وكيف لرأس ميت أن ينبت لها قرنان؟! وكيف لعينين أن تتسعا حتى تلتهما ثلثَي حجم الرأس؟! وأين الفم العملاق والأسنان؟! ففم الجمجمة شق صغير فوق ذقن حاد مدبب، هذه الجمجمة لا تشبه رأس البشر! ليست ميتة! فلها حضور مرعب!
الأبخرةُ المتصاعدةُ من تجاويفها تبدو كأنفاسِ كائنٍ حيٍّ، يقتاتُ على حقدِ البشرِ المتكدِّس في بيتِ الغرباوي. فزبائنُ الغرباوي كُثُر؛ يدفعون أموالهم بسخاءٍ لإيذاءِ أقربائِهم، يطلبون ربطًا وتفريقًا بين الزوجين، ونفورًا وفسخَ الخطبة، أو إغلاقَ بابِ رزق. ويصل الأمرُ إلى طلبِ سلبِ العقلِ وضعفِ الجسد، وأوجاعٍ شتّى يحتارُ فيها الطبُّ، ويعجزُ عن شفائها الدواء. وتصطفُّ أمام بيته سياراتٌ فارهة، يطلب أصحابُها من الغرباوي تحصيناتٍ، أو “حجابًا” لإنجاحِ فيلم، و”تعويذةً” للفوزِ بمباراة. عالم الغرباوي تحكمه الغرائز، لا فرق فيه بين غني وفقير، متعلم وجاهل، قروي أو ساكن المدن. جميعهم سواسية، رانَتْ أحقادُهم على قلوبهم، فحجبت كل معاني الإنسانية.
قبل دخولِ الزبون، يقتربُ وجهُ الغرباوي من الجمجمة، يُغمِضُ عينيه ويُرهِفُ السمع، كأنهما يتبادلان الأسرار. ليست الجمجمةُ وحدَها مَن تساعدُ الغرباوي؛ فله أذرعٌ كثيرةٌ من النساءِ يجلبنَ له الزبائن، منهنَّ الخادماتُ وبائعاتُ الطيورِ والدلّالات. ومن بينهنَّ سيدةٌ في مثلِ عمره، هي أكثرُهنَّ قربًا منه، تصنع له طعامَه وتغسلُ ثيابَه وتبيت في البيت. تُدعى ستوتة، حادّةُ الطبع، سليطةُ اللسان، ولكنها طيبةُ القلب؛ تسألني عن صحةِ أمي، وتزيدُني في الطعامِ والفاكهةِ من أجلِها.
أحضرت له ستوتة شيئًا مثل التي كانت تحضرها له أمي، قطعة ملابس حريرية، فأمسكها بيدين خبيرتين، وتفحصها بعين ثاقبة، قرَّبها من أنفه يشمها، وقال بابتسامة تبدو خبيثة، وصوت يمتلئ رضًا:
– قطعة تغرق في عرق صاحبتها وعطرها، لم تخيبي ظني يومًا يا ستوتة!
– تلميذتك يا سيدنا!
طواها الغرباوي، ووضعها بحرص داخل الصندوق الكبير المجاور لمقعده، الذي يُخفي فيه كل أسراره. يفتحه كل ليلة، ويبدأ طقوسه. يخرج دواة صغيرة من الحبر الداكن، يحملها بحرص ويختار ريشة من بين ألوان وأنواع مختلفة، وقطعة قماش بيضاء مائلة للاصفرار، أو جلد حيوان ميت، أو صورة لزفاف أو أم تحتضن رضيعها. يغمس الريشة في السائل ويرسم طلاسم بدقة مذهلة، ومع كل خط يرسمه يتمتم. يعلو صوته كزئير وحش جائع، وينخفض كفحيح أفعى تحتضر. فأزداد انكماشًا في ركن الغرفة، أُحصي الثواني المتبقية على انتهاء العمل.
**
لا أحتاج إلى أن أعود بذاكرتي إلى ذلك اليوم، فالذكرى حية تنبض في أعماقي. عدت مبكرًا، قُبيل الغروب. لم يكن السبب التعب وحده، بل الحزن الذي أثقل قلبي عندما سمعت من إحدى زبائن الغرباوي أن اليوم هو آخر امتحانات العام. زملائي أكملوا العام الدراسي الخامس، وأنا عالق بين ظلال الغرباوي، والأموات.
وقفتُ عند باب الغرفة، خبأت دموعي في كُم جلبابي، وأجبرت وجهي على الابتسام، جففت المبتل من حروفي، رفعتُ كيس الطعام عاليًا وقلتُ لأمي:
– أحضرت لك موزًا وبرتقالًا مع الخبز والجبن، ستوتة تسلم عليك.
لم تتحرك. كانت شاخصة البصر، ملابسها متسخة، تفوح منها رائحة القيء. جلست خلفها، وأفسحت الطريق لدموعي، فلا داعي لإخفائها بعد اليوم. وضعت رأسها في حجري، بدأت أمسح فمها بيدي المرتجفة، أتمتم:
– قومي كُلي، يَمَّه، أنت بردانة! سأزيد الغطاء عليكِ!
زدت الغطاء عليها، هززتها برفق، ثم همست بصوت مرتعش:
– يَمَّه، يَمَّه، فاتحة عينك ولا تردين، ما لك؟
اندسست تحت الغطاء بجوارها وقلت لها:
– موتي ليه؟ الموت سيئ، أنا جربته. مؤلم، ويصعب معه التنفس، سيتركونك وحدك، ويغلقونه عليكِ. القبر بارد ومظلم، ليس به نوافذ، لقد بحثت فيه ولم أجد، لو سألتني عنه لأخبرتك. يَمَّه، يَمَّه! زعلان منك يمَّه!
مرّ الوقت سريعًا ينتزع أمي من بين ذراعيَّ، اتشحت السماء بالسواد وتجهزت للعزاء، وما زلت لا أدري كيف سأدفن أمي. نهضت وسألتها أنتظر إجابة لن تأتي أبدًا:
– أروح لمين؟! والنبي تردي عليَّ!
تذكرت عم بخيت المغسل، ففكرت في الذهاب إليه، لكنه يغسل الرجال. التفت إلى أمي، أتوسل إليها أن تنصحني. لكن عينيها المفتوحتين لم تمنحاني شيئًا. سألتها:
– أحطك في قبر مفتوح؟ لكن لن أستطيع حملك وحدي!
عدت إلى صدرها، دفنت رأسي فيه أختبئ، ولأول مرة لم أجد لي فيه مكانًا. تمنيت أن أتحول إلى حفنة من الرمال، تذروها الرياح، فالحياة لم تمنحني يومًا فرصة للحياة. ركضت بين القبور، بكيت، صرخت، لعنت الأيام، وقُبح عدل عاجز عن رؤية معاناتي. افترشت التراب حتى هدأ نشيجي ونهضت، عدت لأمي أطمئنها أنني سأجد حلًّا. فجأة تذكرت سعدية، فهتفت وأنا أبحث عن طرحة أمي:
– سأذهب لسعدية يمَّه، انتظريني لن أتأخر!
**
أخذت الطرحة وغطيت بها رأسي؛ كي لا يعرفني أحد من أهل القرية، وخرجت أتلفت حولي في خوف، ركضت نحو بيت سعدية، شممت رائحة قُرَص العجوة الشهية، طرقت الباب بحذر تسيل دموعي ويرتعش جسدي، وحينما فتحت الباب ورأتني جزعت وهتفت:
– سيد، ما لك؟!
ارتميت بين ذراعيها، أبكي وتُربِّت على ظهري، صرخت:
– أمي ماتت يا سعدية! تعالي لتدفنيها معي!
– ربنا يسامحك ويغفر لك يا أم سيد! سآتي معك!
دخلت وخرجت سريعًا تُمسِك مفتاح البيت وتضع طرحة على رأسها:
– سنمر في طريقنا على مصطفى في الدكان لأُخبرِه، وبعدها نذهب لأم محمد المغسلة!
قبل أن تغلق الباب نظرت لي وابتسمت في شفقة قائلة:
– سأُحضر لك قُرَص التمر التي تحبها.
– لا أريد!
– لأجل خاطري، لأجل خاطر سعدية.
قبل وصولنا لدكان مصطفى زوج سعدية، اندفع نحونا يستشيط غضبًا، أمسك بذراع سعدية بقوة آلمتها، وأفلت كفها من كفي، يسبني ويسألها:
– ماذا تفعلين مع ابن النجسة؟! أجننتِ، تسيرين معه في الطريق وتمسكين بكفه؟!
دفعني وعيناه تقذف شررًا، وصرخ في وجهي:
– ابعد من هنا، وإلا شققتك نصفين!
هتفت سعدية وهي تحاول الاقتراب مني ويمنعها:
– حرام عليك! لا تدفعه هكذا، اتركه، ماتت أمه ويريد دفنها!
– خير وبركة، غارت وارتاحت القرية منها، عودي للدار ليس لك شأن به!
– يتيم يا مصطفى، لا لذنب له في شيء!
– ستكونين طالقًا بالثلاثة يا سعدية إن لم تعودي للدار الآن، وأنت يا ابن الحرام غور من هنا!
وقفت أمامه أنظر له في غضب، اعتصرت كفي قُرَص التمر، فتتتها وألقيت بها على الأرض، وقفت ثابتًا لبرهة، خشيت إذا تحركت أن أميل، وتسقط أمامه دموعي التي ملأت عيني. تركني ودخل دكانه، واختفت سعدية في نهاية الطريق. نظرت للجنوب، صوب أرض الموت، لم يعُد لي إلا الغرباوي.
**
وقفت أمام القبر المفتوح، تحتضن رقبتي سماعة الطبيب. وجدتها المغسلة مختبئة في صدر أمي، حلمها الذي خذلها وخذلني.
وقف الغرباوي بوجه مختلف، به مسحة من شفقة، يراقب معي تجهيز القبر المنتظر ابتلاع أمي، حياتها، أحلامها، وسنوات عمرها التي لم تكَد تهنأ بها. حمَلها التربي ومساعده، نزلوا بها درجتين من درجات سلم القبر، فصحت بهما أن يتوقفا، ركضت نحوهما أنتزع الجسد المكفن بالأبيض، أجذبها ويجذبونها. أشار لهما الغرباوي فتركاها على الأرض وابتعدا. سحبتها ووضعتها أمامه عند قدميه، أحاول السيطرة على جسدي المنتفض والنشيج الذي يحبس حروف كلماتي، صحت فيه بقوة:
– أعِدها للحياة!
نظر لي بدهشة ألجمته، فصحت فيه وصدى صوتي يشق سكون المقابر:
– قلت لك أعِدها للحياة! قُل أسحارًا وتعاويذ، أشعِل بخورك وأعِدها للحياة!
يطول الصمت يمتزج بالنظرات المذهولة من المغسل والمساعد. قال الغرباوي بهدوء وهو يجلس على الأرض:
– اقعد يا سيد.
جلست بجواره متشبثًا بكفه ألثمها، أتوسل إليه:
– ستعيدها للحياة؟
قال بصوت يبدو عليه الألم:
– اسمع يا سيد، لقد هزمت الدنيا كلها وهزمني الموت! لم أستطِع إبعاده عن أبي، ولم يستطِع أبي حماية أمي منه! لن يقدر بخوري الآن على إعادتها للحياة! فدعنا ندفنها الآن إلى أن أجد حلًّا.
– أمي لن ترتاح في القبر، فهي تغير ملابسها وتغسلها كل يوم، فكيف نضعها في التراب؟ ستتسخ ملابسها البيضاء!
– سنعقد اتفاقًا، سأضع أمك في صندوق خشبي نظيف، ونحفر حفرة في باحة بيتي الخلفية، وتعيش أنت معي لتكون بجوارها وتزورها كل يوم، ما رأيك؟
**
جلست في باحة بيت الغرباوي، بجوار القبر، أعزف لأمي لحنًا حزينًا يخبرها كم افتقدتها، فالناي أصبح نافذتي الوحيدة لرؤيتها والحديث معها، أضعه على شفتيَّ، أنفخ فيه وحدتي وحزني، فيبكي، ويمد جسرًا لتعبر عليه. تستمع، تبتسم، وتمد يدها تجفف دموعي.
اقتربت ستوتة تربت على ظهري وتقول:
– يكفي اليوم، هيا لتنام.
– لا، سأعزف لها حتى يطلع الصبح، لكيلا تخاف الظلام!
– كفى يا سيد لا توجع قلبي.
مر عام في بيت الغرباوي، تضيق بي جدرانه رغم اتساعه، فأذهب للتلة ليلًا بعد انتهاء العمل، أجلس على سطحها، أنظر للسماء، أعزف على الناي، فيطل وجه أمي، يعدني بمستقبل مشرق وبالطو أبيض وسماعة. تلف رغيف الجبن، وتمسح بكفها الحاني على وجه رغيف السكر بالماء. أتوقف عن العزف، أُخرِج من جيب جلبابي سماعة الطبيب، ألفها حول رقبتي، وأعانق الصورة التي تجمعنا، أنا وهي وسماعة الطبيب وابتسامتنا، وصوتها الضاحك يُحدِّث صاحب الأستوديو: “صورني مع دكتور سيد ابن أم سيد”. أضحك وأبكي، وأبتلع مرارة حلقي.
تمر سنين عمري وأنا مُحاصَر في أرض الموت، بين الأشجار اليابسة والبيوت المهجورة، يتيم، منبوذ، غريب في أرض غريبة. لم يعُد يخيفني وجه الغرباوي، فقد اعتدت الرؤية في عتمة أسحاره، فكما تعتاد العين العتمة، يعتادها القلب، فيتوقف عن الارتجاف.
………………
*مقطع من رواية “الجلاب” صدرت مؤخرا عن دار الرواق














