عصفور الليل

أسامة كمال أبو زيد

إهداء إلى روح الشاعر والكاتب المسرحى الراحل محمود سلام

(26 يناير 1984 – 30 يوليو 2026)

هناك بين الأرواح أسرار، لا تستطيع الذاكرة وحدها أن تستحضرها. أسرار تختبئ فى حوار عابر، أو حلم قديم، أو نص نكتبه ثم نمضى وننساه، بينما يظل ينتظر فى مكان ما من العالم، حتى يقع بين يدى من يكشف أسراره.

لم يكن محمود سلام بالنسبة لى مجرد شاعر وكاتب مسرحى أحببته، ولا مجرد صديق مقرب يصغرنى بعشر سنوات. كانت بيننا صلة لا أجد لها اسما. كلما حاولت أن أفسرها غابت عنى، حتى أدركت، بعد رحيله، أنها لم تكن صلة معرفة، ولا صداقة، ولا حتى تشابها فى الرؤى، وإنما كانت صلة حلم. كنا، دون أن ندرى، نسير منذ البداية نحو المعنى نفسه، ونطارد الكائن المستحيل نفسه، كل بطريقته.

منذ سنوات بعيدة كتبت نصا أسميته “عصفور الليل”، ثم تركته وراء غبار السنوات، كما نترك كثيرا من أحلام العمر الأول. كنت أظنه مجرد حكاية عن طفل فى العاشرة تجرأ يوما وخرج وحده إلى البحر، دون أن يخبر أحدا. جلس أمام الماء طويلا، فرآه يمتد بلا نهاية، وتخيل أن هناك، عند الشاطئ الآخر، أحلاما تنتظره.

وحين جاء الليل، لم يعد الطفل إلى بيته. جلس وحده أمام البحر، يسمع زقزقة عصفور فى أذنه، فأخذ يقلب بصره فى السماء، باحثا عن عصفور الليل الذى لم يأت أبدا. كانت تلك أول مرة أكتب فيها عن حلم أعرف، منذ لمعته الأولى، أنه مستحيل، ومع ذلك لم أملك إلا أن أصدقه.

عاد الطفل مثقلا بخيبته الأولى، فاكتشف أن العالم لا يأبه بالأحلام. ومنذ ذلك اليوم، كلما ضاقت به الحياة، أو انكسر منه حلم، كان يبحث عن ركن خفى، عن مساحة لا تصل إليها قسوة العالم، فيرسم على زجاج المرآة بحرا، ويرسم إلى جواره عصفورا لليل، ثم يخرج وكأن شيئا لم يكن. لم يكن يدافع عن نفسه، بقدر ما كان يدافع، فى السر، عن حقه فى أن يحلم.

كتبت النص، ثم نسيته، لكن النص لم ينسنى.

مرت السنوات، وفوجئت بمحمود سلام يهدينى نصا مسرحيا بديعا من تأليفه، فإذا بى أجد أصداء “عصفور الليل” تنبض بين مشاهده. لم يأخذ الفكرة، وإنما أخذ الروح؛ تلك الروح التى كانت ترى أن الأحلام، حين تضيق بها الحياة، لا تموت، وإنما تختبئ، فى انتظار زمن أكثر رحمة. يومها ابتسمت، وشكرته، ثم مضيت. لم أسأل نفسى لماذا توقف عند هذا النص دون غيره، ولماذا بدا كأنه يعرفه من الداخل أكثر مما أعرفه أنا.

اليوم فقط أفهم.

لم يكن محمود يقرأ “عصفور الليل”.

كان يتأمله.

كأنه عاشه قبل أن تقع عيناه عليه.

هناك فقط بدأت أرى الخيط الخفى الذى جمع بيننا. كنا أبناء الشمس نفسها، وأبناء الهواجس والخسارات نفسها، وأبناء ذلك اليقين الغامض بأن الحياة لا تستحق أن تعاش إلا إذا احتفظ الإنسان، فى مكان بعيد من روحه، بذلك الطفل الذى ما زال يصدق أن وراء البحر شاطئا آخر، وأن فى الليل عصفورا لا يراه أحد.

ولعل أجمل ما فى الأسرار أنها لا تكشف عن نفسها دفعة واحدة. تظل تنمو فى صمت، حتى إذا اكتمل معناها، التفت الإنسان إلى عمره كله، وأدرك أنه كان يسير فى الطريق الصحيح دون أن يعرف.

شيئا فشيئا، بدأت أفهم لماذا أحب محمود ذلك النص. لم يكن يرى فيه حكاية طفل، وإنما كان يرى نفسه. كان يعرف، كما عرفت أنا بعد زمن طويل، أن الإنسان لا يعيش بالحقيقة وحدها، وإنما يعيش أيضا بما يتخيله، وبما يحلم به، وبما يظل يبحث عنه، حتى لو كان يعرف أنه لن يصل إليه أبدا.

ولهذا لم تكن الكتابة عنده مهنة، ولا هواية، ولا وسيلة للظهور. كانت بيتا صغيرا يلوذ به كلما ضاقت به الدنيا، وكانت نافذة يطل منها على العالم الذى كان يتمناه، لا على العالم الذى عاش فيه.

كنت أقرأ قصائده، فأشعر أنه لا يكتب الكلمات، بل يكتب قلبه. وحين يقول:

“ما بحبش اللون الأسود…

لأنه بيفكرنى بالليل…

وفى الليل بتكتر الأحلام…”

لا يتحدث عن الليل، وإنما عن ذلك الوقت الذى يصبح فيه الإنسان وجها لوجه أمام روحه، فلا يبقى بينه وبين أحلامه أى حجاب. كان الليل بالنسبة إليه مساحة تتوالد فيها الأسئلة، وتتكاثر فيها الأحلام، حتى تكاد تضيق بها الروح.

ثم يبتسم، ويترك لنا أكثر سطوره قسوة وصدقا:

“حققت حلمى…

قتلت نفسى.”

كلما قرأت هذين السطرين، شعرت أنهما لا ينتميان إلى قصيدة، وإنما إلى سيرة إنسان آمن بحلمه أكثر مما آمن بنفسه. كان يعرف، أو يشعر فى مكان بعيد داخله، أن الأحلام الكبيرة لا تمنح أصحابها حياة أسهل، لكنها تمنحهم حياة أصدق.

وهنا سلك كل منا طريقه إلى الحلم.

لم أتخل عن الحلم، لكننى تعلمت أن أسايره، وأن أخفف من اندفاعه، وأن أحمى ما تبقى منه من رياح الواقع. أما محمود، فلم يعرف إلا الوفاء الكامل. ظل يمضى وراء حلمه بالقلب نفسه الذى بدأ به، كأن السنوات لم تعلمه الحذر، وكأن الخيبات لم تنجح فى إقناعه بأن العالم أقل جمالا مما كان يظن.

وربما لهذا السبب أيضا، ظل ذلك الطفل الذى رسم يوما بحرا على زجاج مرآة، كلما ضاقت به الحياة، حيا داخله. لم يكن يبحث عن مكان يختبئ فيه، بل عن نافذة صغيرة يحمى منها حلمه من ضجيج العالم. كان يعرف أن الأحلام الهشة لا تموت لأنها ضعيفة، بل لأنها كثيرا ما توضع فى مواجهة قلوب لا تؤمن بها.

ومضت الأيام، وظللنا، مثل كثيرين، نحاول أن نعثر على الشاطئ الآخر الذى حلمنا به. وحين جاءت أحداث يناير 2011، حسبنا، ولو لوقت قصير، أن البحر صار أقرب، وأن الضفة البعيدة التى ظللنا نلمحها من وراء الضباب بدأت تقترب من قلوبنا. ثم مضت الأحلام الكبيرة، تاركة فى الأرواح أسئلة أكثر مما تركت من يقين.

وبينما كان كل واحد منا يبحث عن طريقه، باغتت محمود جلطة دماغية قاسية، كانت قدرا آخر كتبه الله له. فى لحظة واحدة تغير إيقاع حياته كلها. صار الجسد، الذى طالما حمل روحه الخفيفة، حملا ثقيلا عليه. أصبحت الخطوات التى كانت تمضى عفوية تحتاج إلى جهد، وصارت الكلمات تخرج كما لو أنها تعبر بحرا آخر، أكثر اتساعا وأشد قسوة.

خمسة عشر عاما عاشها محمود فى مصالحة صامتة مع المرض. لم يستسلم له، ولم ينتصر عليه، وإنما تعلم أن يسكنه، كما يسكن البحر صخرته القديمة. كانت حركته تقل، لكن روحه كانت تتسع. وكان حضوره بيننا يزداد ندرة، بينما حضوره فى داخلى يزداد وضوحا، حتى خيل إلى أننى كلما افتقدت وجهه، وجدته جالسا إلى جوار ذلك الطفل الذى خرج يوما إلى البحر، وظل حتى أقبل الليل، يصغى إلى زقزقة عصفور، ويرفع رأسه إلى السماء، مؤمنا بأن الأشياء الجميلة لا تظهر دائما، لكنها لا تكف عن الوجود.

هناك فقط تبدل معنى “عصفور الليل” كله.

لم يعد يوسف طفلا كتبته فى قصة قديمة.

ولم يعد البحر مجرد بحر.

ولم يعد العصفور مجرد استعارة.

صار يوسف يحمل وجوها كثيرة؛ وجهى، ووجه محمود، ووجوه جيل كامل خرج إلى الحياة بقلب طفل، وظل، رغم الخيبات، يصدق أن وراء الأفق ضفة أخرى تستحق الانتظار.

واليوم، كلما عدت إلى ذلك النص، لا أشعر أننى أقرأ ما كتبته يوما، وإنما أقرأ ما عشته دون أن أنتبه إليه. أرى الطفل يرفع رأسه إلى السماء، فأرفع رأسى معه، لكننى لا أنتظر ظهور عصفور الليل كما كنت أفعل من قبل.

لقد كففت عن الانتظار.

ليس لأننى فقدت الإيمان به…

بل لأننى عرفت، أخيرا، أن عصفور الليل لا يسكن السماء.

إنه يسكن تلك الأرواح النادرة التى تمضى فى الحياة بقلب طفل، وتحلم حتى آخر الطريق، ثم ترحل فى هدوء، تاركة خلفها زقزقة خافتة لا يسمعها إلا من عرفها عن قرب.

وكان محمود سلام واحدا من تلك الأرواح النبيلة .

 

كاتب وشاعر مصري. من أعماله: لك الموت يا راعى اليمامة 2000 رائحة الغياب 2013 بورسعيد شهادات في الحرب والحب كتابة…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع