عشقٌ على شِفاه الحروف.. حين يتحول الغزل إلى نشيدٍ للروح والجمال

nizar dandash

ضياء حامد

في زمنٍ تتسارع فيه الإيقاعات وتتبدل أشكال التعبير يظل الشعر قادرًا على استعادة جوهر الإنسان والإنصات إلى نبض القلب العميق. ومن هذا الأفق الإبداعي يطل ديوان (عشقٌ على شِفاه الحروف)  للشاعر اللبناني  نزار دندش، بوصفه تجربة شعرية تنتمي إلى فضاء الغزل، لكنها لا تتوقف عند حدود البوح العاطفي التقليدي، بل تنفتح على أسئلة الجمال والحنين والوجود، لتجعل من الحب لغةً كونية تتجاوز الأزمنة والأمكنة.

يأتي الديوان تحت عنوان فرعي لافت هو (موسوعة الغزل)  وهو عنوان يكشف منذ الوهلة الأولى عن طموح شعري يسعى إلى استقصاء تجليات الحب المختلفة، واستنطاق حالاته المتعددة، من الشوق والانتظار إلى الفقد والوصال، ومن دهشة اللقاء إلى مرارة الغياب. فالعشق هنا ليس موضوعًا عابرًا بل هو البؤرة التي تتشكل حولها الرؤية الشعرية بأكملها.

يكتب نزار دندش قصائده بلغة مشبعة بالحساسية الوجدانية، حيث تتداخل الصورة الشعرية مع النبرة الغنائية لتنتج نصوصًا تنبض بالموسيقى الداخلية والشفافية التعبيرية. وتبدو الذات الشاعرة في حالة حوار دائم مع الآخر لكنها في العمق تحاور ذاتها أيضًا وتعيد اكتشاف العالم من خلال مرآة الحب. ولهذا يتحول الحبيب في كثير من المقاطع إلى رمز للجمال المطلق، وإلى نافذة تطل منها الروح على آفاق أكثر رحابة.

قصيدة البدر بدران

البدر بدران بانا في مُحياك

نصفاه في الحُسن يا ليلاهُ خداك

والشمس تحلم لو كانت لها شفةٌ

لتسكن الشمس لولا قبلت فاك

في ذا وتلك جمال النور يدهشنا

والكنز في الحُسن وجه فيه عيناك

لا فضل للعين الا أن أراك بها

لا ترتوي العين إلا حين ألقاك

لا يستوي السمع إلا حين أسمعه

ملاك روحك طيب فيه رياك

كأن وجهك أشعار الهوى كُتبت

صدر وعجزُببيت الشعر هُدباك

ومن أبرز ما يلفت الانتباه في الديوان قدرته على استثمار التراث الغزلي العربي دون الوقوع في أسر التقليد. فالقارئ يلمح أصداء القصيدة العربية العاطفية القديمة، لكنه يجدها معاد تشكيلها برؤية معاصرة ولغة تستجيب لحساسية الإنسان اليوم. وهنا تتجلى مهارة الشاعر في الجمع بين أصالة المرجع الشعري وحداثة التعبير.

كما يحضر البعد الإنساني بقوة في النصوص إذ لا يقتصر الحب على العلاقة الثنائية بين العاشق والمعشوق، بل يتحول إلى قيمة روحية وأخلاقية تعيد للإنسان توازنه في مواجهة القسوة والعزلة. ومن ثم يبدو الديوان وكأنه دعوة للاحتفاء بالحياة والجمال في عالم تزداد فيه الحاجة إلى المشاعر النبيلة والكلمات المضيئة.

وينجح الشاعر في بناء عالمه الشعري عبر صور موحية تستند إلى مفردات الطبيعة والضوء والورود والبحر والسماء، وهي عناصر تمنح النصوص أفقًا بصريًا واسعًا وتضاعف من طاقتها التأثيرية. كما تسهم هذه الصور في تحويل التجربة الشخصية إلى تجربة إنسانية عامة يستطيع القارئ أن يجد فيها شيئًا من ذاته وذكرياته وأحلامه.

مهلا فؤادي

مهلا فؤادي قلوب الغيد أملاكُ

وللعيون التي تشتاقُ مُلاكُ

فلا تُغامر وتلك الدربُ لاهبةُ

مثل الجحيم ودون الدرب أشواكُ

إياك تُغريك في الحسناء غمزتُها

حواءُ كونُ وأجرام وأفلاكُ

ولا تقل غازلت بالثغر وابتسمت

حواءُ ضدان إفطارٌ وإمساك

ولا تقل أقسمت يوما ولا وعدت

فليس يُصرف في بنك الهوى شاك

هيهات تُجديك أو تحميك ولولةُ

فالعشقُ سجنُ وحول العنق أسلاك

إن «عشقٌ على شِفاه الحروف» ليس مجرد ديوان غزلي يروي حكايات القلب بل هو رحلة شعرية في تضاريس العاطفة الإنسانية، ومحاولة لالتقاط اللحظات الهاربة من الزمن وتخليدها بالكلمة. ومن خلال هذه الرحلة يؤكد نزار دندش أن الشعر ما زال قادرًا على أن يكون بيتًا للروح، وأن الحب، مهما تغيرت الأزمنة، سيظل المصدر الأول للإبداع والجمال.

إن القيمة الأساسية لـ«عشقٌ على شِفاه الحروف» تكمن في قدرته على الدفاع عن الشعر بوصفه مساحة للجمال في عالم يزداد صخبًا. فالشاعر لا يكتب عن الحب فقط، بل يكتب من داخله، ويجعل من القصيدة بيتًا للعاطفة والذاكرة والحلم. ولذلك يخرج القارئ من الديوان وهو يشعر بأنه لم يقرأ نصوصًا غزلية فحسب  بل عاش تجربة إنسانية تحتفي بالحب باعتباره المعنى الأجمل للحياة.

هكذا يضيف الديوان صفحة جديدة إلى سجل الشعر الوجداني المعاصر، ويقدم للقارئ تجربة تنحاز إلى الجمال والدفء الإنساني، وتمنح الحروف قدرة متجددة على النبض بالعشق والحياة.

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع