أسامة كمال أبو زيد
عام الحنين الذي لم أعشه أو أراه، لكنه يسكنني كذكرى حالمة وشخصية، عام الشجن الذي يهل كنسمة بيضاء من زمن آمن بأن الحرية يمكن أن تلامس الروح. عام غضب الشوارع، ودبيب أقدام الشباب وهم يسيرون نحو لمعة ماء الأحلام، كأن العالم كله كان يبحث عن نافذة واحدة يطل منها الضوء.
لم أكن بين تلك القلوب الخضراء، وهي تلوّن ظلال أحلامها الصغيرة، ولم أشهد عبورهم من الصمت إلى الصخب، ومن السكون إلى الثورة. رأيتهم فقط في صور الجرائد القديمة: وجوه نحيلة بريئة تخرج من قبة الجامعة في القاهرة، وأخرى تهتف في شوارع باريس حيث كانت الأرصفة تُقتلع لتصير متاريس للحلم، ووجوه ترفع قبضاتها في نيويورك احتجاجا على حرب بعيدة تحرق شبابها في فيتنام، وطلابا في المكسيك يتمترسون بالهتاف قبل أن تبتلعهم رصاصات الخوف، وأصواتا أخرى تمتد إلى براغ حيث حاول الربيع أن يزهر في قلب الحديد، قبل أن تمر الدبابات وتطفئ الأغصان.
كنت أعرف الوقائع كما تُروى في الكتب: طلاب القاهرة خرجوا غضبا من محاكمات هزيمة حزيران 67، وطلاب أمريكا خرجوا ضد حرب لا يرونها إلا في توابيت عائدة، وطلاب فرنسا أعلنوا رغبتهم في تغيير كل شيء، حتى اللغة نفسها، وطلاب العالم الثالث كانوا يطالبون بكرامة أكبر، بينما مجتمعات الوفرة كانت تسأل عن معنى الحياة وسط الخواء واللا معنى. لكن السؤال ظل يطاردني: ما الذي جعل كل هذه القلوب تنبض في توقيت واحد؟ ما الذي جعل الأرض كلها تصغي لخطوات الشباب في عام واحد؟
ربما لأن ذلك العام كان وداعا جماعيا لبراءة كبرى. كانت أحلام التحرر الوطني قد كبرت، وكانت صورة جيفارا، بنظرته الحانية وقلبه الفتى، ترفرف كأيقونة لعالم ممكن، وكان الظن أن العدالة يمكن أن تولد من شجاعة الحلم وحدها. لكن الرأسمالية كانت تتمدد بوجه أكثر قسوة، والحروب كانت تلتهم الأمل، والاغتيالات كانت تصيب الرموز، فسار الشباب في الشوارع كأنهم يرددون نشيد الوداع الأخير لزمن مضيء.
ومنذ ذلك الحين، صار عام 68 يشبه رجع ناي بعيد. لا هو انتصار كامل، ولا هزيمة كاملة، بل لحظة إنسانية نادرة آمنت أن الأحلام قابلة للتحقق. لحظة قال فيها الشباب للعالم إن الحرية ممكنة، حتى لو لم تثمر على الأرض فى حينها. وربما لهذا نعود إليه كلما ضاقت بنا الحياة، لنكتشف أن تلك الورود لم تختف، بل بقيت طافية على ماء الزمن، تلمع من بعيد، وتذكرنا بأن الأحلام… كانت يوما ممكنة











