طاولة محجوزة

رلى جرجس

رلى جريس

الأحد 14 سبتمبر2025

السادسة مساءً

يوم جديد أمضيه وحيدًا في هذا الركن من المقهى. لم أكن أعلم بوجود هذا المكان قبل أيام. صمتٌ شديدٌ يسيطر على كياني. ضجيج المكان لا يهوّن عليّ شعوري بالخيبة. أشخاص كثيرون مرّوا من أمامي، ولكنّ مرورها وقع عليّ كالمعجزة. ظهرت لتخترق وحدتي وتبعث في وجودي حياةً نسيت أنها كانت عندي يومًا ما. راقبتها ما يقارب الساعة حتى أتت وجلست أمامي بملامح جادّة. نظرت إليّ مطوّلا، ثمّ مدّت أصابعها نحو أصابعي لتطلق من قلبي نغمات غريبة عليّ، ولكنها أعجبتني. لاحظ جميع من كان في المقهى وجودي بسببها.

 

الإثنين 15 سبتمبر

السابعة مساءً

لم أرها اليوم. لا تفكّر في رؤيتي مجدّدًا. أنا الذي لا يمكنه أن يقدّم لها مقابل حنان لمساتها أي شيء تأخذه معها.  فلست سوى مسنّ هجره أهله بقرار اتُّخِذ ليلا.

كنت ملجأهم عندما كانوا أطفالًا، كنا نقضي أوقاتًا طويلة معًا. أتحمّل بفرح ضربات أياديهم الصغيرة، حتى ركلاتهم لم تكن تزعجني. أغني معهم وأستمتع برقصاتهم حولي. كانت أمنيتي أن أقوم وأجري معهم خلف القطة الهاربة من شرورهم الطفوليّة. ولكن، كلّ ما استطعت فعله هو حماية القطة حين تأتي لتختبئ خلفي. كان حجمي الكبير يُعيقهم فيتركونها لشأنها. هي القطةُ رفيقتي في الصباحات التي كان يقضيها الأطفال في مدارسهم. وفي المساءات الطويلة التي يكون الأرق فيها كلّ ما لديّ.

لم أكن أعلم أنّ للسنوات السعيدة رصيدًا محدودًا يفرغ في النهاية. ولكنّ قاماتهم التي أصبحت أعلى من أعلى نقطة في هذا الجسد المُقعد أثبتت وجوده. وبدأت أنظارهم تتجه نحو الحياة خارج المنزل وسيقانهم تجري بعيدًا عن الدفء داخله. وكأن الحياة في الخارج وعدتهم بحبّ أصدق. حتى القطة ماتت السنة الماضية. هكذا فجأة ماتت، لتتركني في كلّ ذلك الفراغ وذلك الصمت.

صارت العناية بي عبئًا عليهم، تُرِكتُ للعطب ينهش جوفي. جفاؤهم أدى إلى جفاف حلقي، لأسقط في كل هذا الصمت.

وها هي الفرصة تهرب مني. هل كنت فجًّا في إظهار مشاعري؟ هل لاحظت لهفتي وتعلّقي بها، بعينيها وأناملها، فخافت وهربت؟  

 

الثلاثاء 16 سبتمبر

الخامسة مساءً

رأيتها ترتّب أقلامها ودفترًا أزرق. جلستْ في الجهة البعيدة بجانب الزجاج الكبير، هناك دون رهبة من أشعة الشمس. طلبت قهوتها وسمعتها تصرّ على قهوة في فنجان خزفيّ، تعرف ما تريد دون تلعثم أو تردد. ولكنها هناك لا يمكنها أن تراني. راقبتها منذ وصلت وكأن دهرًا مرّ وهي تكتب بأناملها في الدفتر. وأنا هنا أفقد صبري، عاجز عن الحركة. أحتاج إلى ذلك الاهتمام الذي يعيدني من هوّة الجنون أكثر من ذلك الدفتر. لو كانت لي قدرة على المشي لما تركتها تبتعد عني أبدًا. 

في مكاني أنتظر، غارق في صمتي القديم.

 

السادسة تمامًا

هل أشكر الكون أم قلبها الذي أشار إليها بالاقتراب. كان الأمس خاويًا بغيابها، أردت إخبارها ألّا تغيب مرّة أخرى، أن تبقى معي إلى الأبد، ولكني لم أقدر على البوح. كان صوتي الأجش يحاول بشدة أن يتماشى ورقّة حركاتها خوفًا من نشاز أدائي أمامها. اختزلتُ أمنياتي، بأن تطيل جلوسها أمامي لأكثر من من ربع الساعة التي وهبتني إياها قبل يومين.

 

الخميس 18 سبتمبر

التاسعة مساء

اليوم أتمّ أسبوعًا على انتقالي إلى هذه الجهة من المدينة، بعد أن قرّر الأولاد أن عليّ الانتقال من المنزل. فقدوا قدرتهم على الاعتناء بي. كان لي بعض الحظ لأجد في هذا المقهى ملاذًا يشتت تفكيري. اعتقدتُ أنّ الوحدة قد تتراجع عن افتراس ما تبقى من قلبي، برؤية الناس من حولي.

هنا في مكاني أحصي الحضور طيلة اليوم وطيلة المساء حتى يحين موعد إغلاق المقهى. بعدها أحصي الساعات على أمل أن تأتيني الشمس بأخبار جديدة. 

 هي لم تحضر بالأمس ولم تحضر اليوم أيضًا. أتأتي في الغد؟

 

السبت 21 سبتمبر

عطلة نهاية الأسبوع مزعجة. أطفال يركضون في أرجاء المقهى وخلفهم تجري صيحات أمهاتهم عبثًا. لم ينظر واحد منهم إلى هذا العجوز، كل ما يفعلون هو الاصطدام بي دون اعتذار. 

لا أحد يربت على كتفي غير النادلة اللطيفة التي تشعرني بالعجز أكثر مما أحتاج. لماذا لم تظهر مجدّدًا؟  هل وجدت مقهى آخر في المنطقة لا يزعجها فيه وجود هذا المسنّ؟

 

الأحد 22 سبتمبر

الرابعة والنصف مساء

جلبة عند الشباك الزجاجي على غير عادة، سمعت النادلة تقول لأحدهم أن طاولة هناك محجوزة، وطلبت منه بلطف أن ينتقل من مكانه لطاولة أخرى مجاورة. لم يكن إقناعه بالأمر سهلًا، لكنّها نجحت في النهاية. عادت باتجاهي بملامح الانتصار. ربتت على كتفي كمن أنقذ الكون من كارثة كانت على وشك الحلول به. ثم ضربت كفًا فرحةً لمديرة المكان، والتي أثنت على عملها. سمعتُ المديرة تقول للنادلة:

–        اليوم الأحد، ستصل هيا في موعدها ولا يمكنني التعامل مع اعتراضاتها.

–        لا تقلقي كل شيء في مكانه.

 

الخامسة تمامًا

رأيت هيا تصل إلى الطاولة بجانب الزجاج الكبير. هي من كنّ يتحدثن عنها.

 “هيا” اسم يليق بالرقّة التي تشع منها. لقد أتت اليوم.

أردتُ بشدّة أن أناديها. ولكن لا أمل لي في ذلك.

لم أملّ من مراقبتها، تمسك قلمها، تخط به دون كلل في دفترها الأزرق، وفنجان خزفيّ بجواره.

 

السادسة تمامًا

بحركة مفاجئة وضعت قلمها وأغلقت الدفتر. نظرت نحوي بحدّة. بدأت بالحركة نحوي. لم تسأل، جلست امامي، ابتسمت قليلًا ورفعت الغطاء الخشبي لمفاتيحي البيضاء والسوداء. عزفت بحنان لحنًا جعل الهواء يتراقص في المقهى، حتى الأطفال هدأوا من حولي.

بعد مغادرة الجميع واستعداد المديرة لإغلاق المقهى، سمعت النادلة تقول لها بسعادة عارمة:

–        يبدو أن خدماتنا ستنال إعجاب هيا في النهاية. كان هذا البيانو صفقة مربحة.

–        لم أكن أعرف أنها عازفة ماهرة، أي مواهب أخرى تخبئ غريبة الأطوار هذه؟

–        ليست غريبة أطوار، التوحّد يميّز هؤلاء الأشخاص أحيانًا.

–        حسنٌ حسن! أنا سعيدة أنّ لهذا البيانو فائدة غير تجميع الغبار.

 

مضت كلتاهما إلى البيت، تاركتين راحة سريّة كانت قد سرت في أوتاري. وحدتي تحتاج إلى توحّدها، مهما كان ما يعنيه ذلك.

…………….

*كاتبة فلسطينية  

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع