راضي النماصي
يمكن القول بوضوح تصورين متمايزين لوظيفة النقد منذ عرفناه مطاردًا الإبداع: أولهما يجعل الناقد وسيطًا يركم المعارف فوق بعضها، ويرقب النص من خارجه ليحيله إلى سياقه الصارم، ثم يدفع إلى القارئ بطرد معرفي مغلق يكتفي به، فيما يرى الآخر في النقد نصًا موازيًا يولد من رحِم الاحتكاك بالعمل، فيستقل بجمالياته ويغدو نصًا تعلو قيمته بجودة التجربة التي يصوغها، لا بما يضخه من معلومات. ومن هذا المفترق تتجلى قامة «الناقد/الكاتب»، حيث تغدو المقالة فضاءً يتآزر فيه التحليل والانطباع والتأمل والحكم الجمالي، ويصبح أسلوب الكتابة جزءًا أصيلاً من فعل القراءة، بحيث يلصق نسغ التجربة الحالية بأنساغ الحياة السابقة بما اشتملت على تجارب ومعارف، لا سيّما إن وازت سيرة الناقد كتابات إبداعية عالية تدفع وصفه بالناقد أصلًا إلى شبهة حقل الإقحام.
ويستشعر مطالع كتاب عبدالله السفر الأخير «ضوء خفيف ونائس: قراءات أدبية وسينمائية» (دار خطوط وظلال، عمّان، 2026) انتماءه إلى هذا النهج تحديدًا. فلطالما استنكف “أبو سفر” تحويل الأثر الفني إلى مجرد «حالة» لمفهوم نقدي، مزيحًا حجاب المصطلحات بين النص وقارئه، دانيًا من الفنون بمقدار يجعل لغته الشفافة رهين إحساسها بما تقرأ.
ولعل لغته أبهى ما يشد القارئ في هذه النصوص؛ إذ أنها لغة مكثفة ومشدودة ومتوثبة تفضي بعلوّها دونما استعراض. وفي مواضع جَمّةٍ، يتكشف النص عن قصائد نثرٍ قائمةٍ بذاتها؛ يستغني فيها الكاتب عن فضول الشرح، طلباً للكثافة والصورة والإيقاع. فإن كتب عن قصيدةٍ، أشرب عبارته من موسيقاها؛ وإن ألمّ بروايةٍ، رحُبت لغته بعالمها؛ وإن قارب السينما، أجرى للصورة والصمت والزمن مجرى في نسيج عبارته، بحيث يتعدى التدوين «عن» الجمال في غالب صفحات الكتاب إلى طَبْعِ الكتابة ذاتها.
تكشف معظم نصوص “ضوء خفيف ونائس” – كالغالب على كتابات عبدالله السفر النقدية – ممارسة القراءة بشغف الساعي إلى جَلاء سرّ خلود العمل، بتجرد من صرامة «الخبير» الحريص على حبس النص في مقبرته النهائية. إذ أن المقالة/القراءة عنده تبث الحياة في الكتاب وتوسّع أفاقه؛ وهذا معيار النقد الأثير: ألا يخرج القارئ بحصيلةٍ تُبيّن له «ماذا يعني» العمل، بل برغبةٍ عارمةٍ تشده إلى معاودته.
وعلى هذا المضمار يُمضي عبدالله السفر قلمَه؛ فما يُدونه عن أثرٍ فني تحفيزٌ صريح لاستعادته ومباشرته.
إذ يتبرأ النقد من سلطة الوصاية؛ ويترك للأعمال شيئًا من أسرارها، ويكتفي بإرسال ضوءٍ يتيح معاينتها. وهنا يشف عنوان الكتاب عن استعارة بليغة لطريقته؛ فالضوء «الخفيف النائس» يقتنص تفصيلاً دالاً، ويدع ما سواه في الظل في مرمى فضول قارئ يبحث عمّا يظهره العمل الفني وليس ما يدل عليه.
وهنا يفترق النقد الشارح عن نقد يوقظ الرؤية؛ فالأول يورث إجابة، والثاني يمنح عينًا جديدة. وتلك غاية ما يُحمد في نص عبدالله السفر النقدي منذ سنين: أنه يضعنا أمام قارئ بصيرٍ يعرف كيف يرى، ويُحسن كشف الجسد الأدبي بضوءٍ يصون سِرّه ويُظهر جماله للعيان.











