
شيماء عيسى
ما الذي تخلّفه الحرب في أرواح النساء؟ وهل النجاة ممكنة لمن لا تجد جدارًا ومرفأ أمان تلوذ به؟ هل يمكن أن تخمد جذوة الحنين لمرابع الطفولة التي دمرتها الحرب وأحالت أهلها أشباحا وأطفأت قناديلها المشتعلة بالحب والحياة؟
في رواية العراقية ميسلون فاخر “صُنع في العراق”، والصادرة حديثًا عن “منشورات الجمل”، تتأرجح البطلة “نور” بين وطن بديل صنعته لها أقدارها في السويد حين لجأت لها بعد الحرب، ورحم وطنها العراق المؤجج بالثورات والحروب. وقد اختارت الكاتبة ذات المهجر الذي تعيش فيه بالفعل، وكأنها تخبرنا بأن هذا التشظي هو عنوان كل امرأة أجبرتها الحرب على الرحيل.
في الرواية الإنسانية الاجتماعية التي تعكس واقع الحرب والمنفى، نستمع لساردٍ عليم يحمل صوت النساء العربيات زمن الحرب؛ حيث يختلط الحنين والخوف بمحاولات النجاة عبر حياكة تفاصيل الفرح البسيطة.
بلا جدار.. في المنفى
“كأن الغائبين لا يرحلون عن أحبتهم بل يبقون يحومون حولهم”
تنقسم الرواية إلى عالمين؛ نعبر فيها من المنفى إلى الوطن، والعكس. ويطل المشهد الأول مع مستشفى يشهد احتضار “أوليفر” الحبيب والسند لامرأة عراقية ذاقت من قبله ويلات الفقد والفقر والحرب.
ظلّ إيقاع النصف الأول من الرواية بطيئا وذا طابع شاعري متأمل؛ وكأننا أمام كاميرا تسلط الضوء على تفاصيل اللحظات المزلزلة لامرأة تعايش فقد الوطن البديل بعد أن فقدت الوطن الحقيقي.
تقتات “نور” على ذاكرتها التي تداهمها حين تذكّرها بتشردها في شوارع دمشق، وقد هرب زوجها العراقي النذل لأوروبا وتركها بلا أي شيء سوى جنين يصارع لأجل البقاء تماما كأمّه. تتذكر تأشيرة الهجرة التي حصلت عليها بشقّ الأنفس والتي صارت تساوي ستة عشرة عاما من تفاصيل الفرح والحياة التي ظنت أنها قد تمسح جراح ماضيها، تفاصيل بات أوليفر زوجها يزرعها في حديقته، وفي قلبها، بل وفي روح الكائنات الطيبة التي يلاطفها من فراشات وقطط وطيور. حتى انها بعد موته وجدت الكائنات تتعامل كما لو كان موجودا، وكأنها رسول روحه إليها، وحراس الضوء من بعده.
ولا تندفع الرواية لاستحضار تفاصيل كثيرة عن الزوج الغائب وكيف تزوجا، بل والتناقض بين اسمه ودينه وهو الإسلام، لكنها تستحضره هنا من زاوية البطلة كحائط أمان ينهار بالتدريج أمامها ويتركها وحيدة.
ثم عبر واقعية سحرية، تحدث الرواية ثقبا في جدار الحياة الأليم، تسرح خلاله البطلة لعالم آخر يختبيء خلف غابة كان زوجها يجلس فيها على مشارف بحيرة تحوم حولها كائنات ما ورائية تشبه ما كانت جداتها تحكي عنه في ليالي بغداد؛ أحيانا ترى رجلا يطاردها بفأسه، وأحيانا يصبح عازفا تثير ألحانه سحرا في مستمعها فتمتص أحلامه، وشغفه بالحياة، ولهذا خاف الناس من البحيرة، لكن “نور” لم تعد تملك ما تفقده بل إن ما ينقصها هو ذلك الذي تركها ولم تتركها أنفاسه.
أكثر من فقد
“حياتها تشبه أوراق الغابة تطير واحدة تلو الاخرى”
مع الرواية المسكونة بالفقد نرى حطام امرأة تستيقظ مخاوفها مع رحيل زوجها في المنفى. تسقط في متاهة هلاوس وقد “تيقنت أن الأحلام تفيق فجاة وتطل على مرايا الروح كأطياف ضبابية”.
في هذا الفصل المعنون بـ”على أعتاب الصبر” يأتي السرد بفائض من التصوير الشعري والذي يبطيء إيقاع الرواية لكنه يقترب من نبض البطلة ونحيبها وكأنه صوت ناي يتردد في الأرجاء.
تبرز هنا تجليات تيمة التلاشي والموت؛ ولقد ظلت روح أمها تسكنها وتستعيد رائحة العطر الذي كانت تنثره في القبر الذي يأوي ثراه جسد أبيها يوسف، والذي عاد من الأسر لسنوات طويلة خلال الحرب العراقية الإيرانية، لكنه لم يعد إلا مجرد جسد بلا روح، وكأنها موتة سبقت موتته الحقيقية. ثم يمتد خيط الوجع لتتأمل البطلة كيف تحولت حياة أمها ذاتها بعد عودة الأب الغائب من الحرب؛ فظلت تذبل وتنطفيء كما جرى لأهل البيت جميعا.
العودة لرحم الأم
“حزن صنع في العراق.. حيث الوجع معتق لا يسكب إلا بمواقيت دجلة والفرات “
في الجزء الثاني من الرواية والمعنون بـ ” بغداد 2020 .. الوعد الذي أجهض”، تتآزر جراح البطلة مع جراح مدينتها التي تغربت عنها فتصنع لحنا واحدا. تقول: “بغداد تتنفس من تحت أنقاضها، وتخفي في شرايينها أنينا لا يسمعه إلا من داست قدماه الأرصفة المحترقة”.
ظلت المفارقة السردية في خلق شخصية الابنة صابرين أو “سابرينا” كما ينادونها في السويد؛ والتي تصبح نسخة مغايرة للأم المثقلة بالفقد والخوف؛ فبرغم تربيتها في بيئة مرفّهة في بلد أوروبي، لكنها دأبت على التطوع في فرق إسعاف الأبرياء في الدول المنكوبة بالحروب.
وإبّان مظاهرات مدوية شهدها العراق عام 2020، كان الشباب يحتجون على تردي الأوضاع والفساد والتدخلات الإقليمية في العراق، ” يبحثون عن شيء اسمه الوطن”، ومع ذلك وكالمعتاد يأتي رد عنيف من قبل السلطات ليجبرهم على الصمت. هنا لا تستطيع البطلة أن تدفع عن ابنتها إقدامها على السفر، وتذعن لقرار العودة لما تركته قبل سنوات بعيدة.
وتمثل عودة الأم وصديقة عمرها العراقية وابنتها للعراق ، تحديًا جديدا للبطلة حين تواجه مخاوفها القديمة مجتمعة داخل وطنها ومع من بقي من نساء عائلتها اللاتي ودعتهن قبل أعوام بعيدة، وتحنّ إلى رحم الأم/الوطن، فاطمة أمها ورائحة تراب بيتهم.
وتجسد حياة العراق اختبارا لقلب سابرينا الابنة أيضا وهي تواجه أباها الذي حلمت به يأتيها ويعوضها فإذا به يقود عصابة اختطابها وتعذيبها لأجل فدية تدفعها أمها!
لقد كانت تجربة سابرينا مع قسوة أبيها المفرطة وحبس رجاله لها في قبو التعذيب الذي يئن برائحة العشرات من النساء اللاتي يختطفن مثلها، صدمة تخبرنا كيف نبت في أرض العراق بعد الحرب نمط من مليشيات مسلحة ترتدي عباءة الدين وتطارد المتظاهرين وتعذبهم وتسرقهم بلا شرف ولا ضمير. تقول الابنة: “أدركت ان سحق الكرامة ليس تعبيرا عالميا بل صنع في العراق “.. ولقد كان هذا الألم مضاعفا في قلب الأم التي ذاقت نذالة هذا الرجل، حين تزوجها ووعدها بالهجرة ثم تركها وحيدة في بلد غريب، لا تملك غير الدموع.
في هذا الفصل يتسارع الإيقاع برغم جنوح الرواية للاستطراد الوصفي، لكننا نرى حالة من اشتباك الحرب والذاكرة داخل البطلة وهي التي تعد التربة التي نبتت منها مخاوفها وهشاشتها الروحية التي رأيناها مطلع الرواية في مستشفى بالسويد.
في بيت “نور” تعود لتتأمل حياة نساء العراق “أول من بذر بذور الحياة في الأراضي الخصبة قبل آلاف السنين .. من يصنعن الرجال الذين يعلقون مشانق لهن حين يكبرون ويبنون للخوف سياجا عاليا”. كما تتأمل كيف تغير المجتمع للقسوة لدرجة قتل القطط البريئة في بيتها لمجرد الشكوى من الإزعاج!
نساء الحرب
“نور .. التي جُبلت من نور وماء وذاكرة المنافي”
تعكس الرواية حياة أجيال من نساء عراقيات بعد الحرب؛ فالأم فاطمة تعطّلت كينونتها كامرأة وهي تنتظر زوجها القابع من الأسر، ثم فعلت المستحيل لإعادته للحياة قبل أن تكتشف أنها أمام حطام إنسان. في هذا البيت نطالع حياة مضطربة لشقيقة الأب “العمة هيفاء” التي هجرت الوظيفة بعد سنوات الحصار لتغدو بائعة جائلة لملابس النساء المنزلية التي تفصّلها بماكينة بائسة.
تتذكر نور نفسها حين جاءها ماجد فقبلت بـ رجل يملك وظيفة ومشروعا ويغريها بحلم الهجرة لمكان لا يشي عنوانه بالفقر المزمن، وقبل أن تفيق على كارثة تشردها ورجائها ولو ليلة في بيت عائلة “رنا” العراقية المغتربة مثلها، والتي احتضنت خوفها وسعت لحمايتها من اعين المتربصين بامرأة في وضعها. هنا أدركت نور كيف “سحقت كرامات العراقيين على ارصفة العالم”، وكيف ارتضت يوما أن تصير خادمة إحدى السيدات الراقيات قبل أن تأتيها تأشيرة الهجرة كلاجئة للسويد.
الرواية تلقي بأكثر من حبل نجاة لنور وابنتها سابرينا في محنتهما داخل العراق، وتخبرنا بأن زهور الرفق تنبت أحيانا في أرض حجرية قاسية كما حدث مع مصطفى الذي تربى في بيت الأب المسخ “ماجد”، ولكن الرواية أيضا تنتصر للنجاة الفردية بعد أن أصبحت النجاة الجماعية صعبة في زمن الحرب.. و”حيث صارت الجروح تنمو وتتمدد رغم أنف الطبيعة فلا تستطيع مقاومتها”.
في الطائرة كانت امرأتان تراقبان بغداد البهية وهي تتلظى تحت أشعة شمس لافحة وتعاني من حاضر لا يليق بما خطه الأولون على ألواحهم. وتبتسمان حنينا لنساء العائلة اللاتي شعرن بدفء سمر الليالي معهن. ترمقان وطنا بديلا ينتظرهما بمزيج من الخوف والأمل!











