صندوقُ النار

مؤمن سمير

كان أبي كعادةِ رجال بلدتنا
يخافُ من خيالِهِ
لكنهُ دونهم جميعاً
كان مولعاً بعلب الثقاب..

كانت الأعواد الرفيعةُ أخوتنا
نضحكُ معها
ونلقي لها بأسرارنا
وأصواتنا المهشمة بالبكاء
والمنقوشةِ بالأناشيد..

عندما كان يرجعُ من عملهِ
ويرانا نعدو وراء الأعوادِ
يهرُّ رأسهُ رضاً
وينصحنا بالإنصاف
أي أن نقبٍّل رؤوسها الحمر المتوهجة
كلما أَخلَصَت في النصيحة..

وهكذا نَمَت في عظامنا
حديقةُ أشجارٍ
تشتعلُ أوراقها
بمجرد مرور أحبةٍ
وتستقبلُ المطرَ بشجاعة المقاتلين
وتهدي المدينة ابتهالاتٍ شامخة
عَلَّ الشمسَ تجفف الأحزان سريعاً..

كلُّ أخٍ منا
يملكُ علبةً متخمةً بأعواد الأيام:
عودٌ يخُصُّ حريق الحقل
وعودٌ بقيَ بعد قبلةٍ
حارقةٍ..
أعوادٌ أخطأت الطريقَ نحو الأعداء
وأعوادٌ رَسَمت خريطةً ناعمةً
وأخرى قاسية
لنحتارَ ونختار..

أما أنا فأعوادي أقربُ
لملامحي الغائمة
ألصقها على كل ضلعٍ
من ضلوعي
وأقفزُ في البحر
لأستمتعَ بحرائقِ الغرق
وأَسْهُمِ النجاةِ الساخنة..

حتى أن حبيبتي لا تنسى أبداً
سؤالي عن الرؤوسِ الحمراء
التي تكبرُ وتصغر
في ظَهْري
كلما كَذَبْتُ عليها..

كانت أسرتنا مثالاً
لذا كان أبي يرجعُ كلَ حصادٍ
لأصلهِ، شمعةً
تُحرِّكُ القلوب من شدةِ النقاء..
يُشَخِّصُ للمارةِ صفاء اللهيب
بمجرد رَفَّةِ جفن
ويغمس في النارِ
إصبعَ المرأةِ
ويمصُّها
وتسقط من عينيهِ
دمعاتُ صدقٍ
تُزهرُ في لحمِ العاشقات..

أما الأم فكانت تصنعُ حفلاً
من رماد القلوبِ على السجاد
وغيمات صور الزفاف..
من آثار الأسماء
التي تُصِرُّ على أن تُنسى
ورسمات التريكو
وفوضى الجيران اللؤماء..
ثم تطهو لنا طعامنا
من لمسات أبي السرية
الناعمة كأنها اليقين
والتي كانت تطير بها فوق الحقول
كفراشةِ سِحْرٍ محترقة..

اليوم يوم العيد
والجَدُّ سيصلُ الآنَ..
إذن يهتزُّ بيتنا تحسُّباً
للنوم الآتي من السديم
والصحو المربوط بعصاهْ..
وتزحفُ الصناديقُ إلى أيادينا
فتنسرِبَ الأعوادُ للدائرة
التي تلتهب رقصاً..
ربما نحصلُ اليوم على
ورود متوهجة
وربما تصعد السحابةُ
للسماءِ
حاملةً جَدَّنا
وسطَ هالات
الدخانِ
المقدسة..

أبانا يا أبانا
أوصَيْتنا بحبِّ الجمال النادي
الذي لا يبيتُ ويطمئنُ
إلا في القلب الأزرق لهذا النور
ونحن آمنَّا وصدَّقنا
لمَّا رأينا أنه لا يتخلى عن صمتهِ
ويُفصِحُ عن أسرارهِ
إلا لمن استغنى
بظلالٍ بليغةٍ يلقيها اللهبُ
على الحوائطِ والكفوف
هي حياتنا الكاملة
هي حياتنا الأبقى..

………………….

*قصيدة من ديوان “فضائل الضغينة” الصادر أخيراً عن دار العين بالقاهرة

 

مؤمن سمير

68 مقال
شاعر مصري * صدرَ لهُ: 1 - بور تريه أخير، لكونشرتو العتمة . شعر ، دار سوبرمان 1998.  2- هواء…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع