د. أحمد عبد الجواد – المجراوي
تنهض نظرية لسانيات العوالم على مساءلةٍ جذرية للنموذج اللساني التقليدي الذي حصر الخطاب الإنساني داخل افتراض العالم الواحد المتجانس؛ إذ تقرّر النظرية في أطروحتها التأسيسية أن المعنى خاصيّة كامنة في بنية العوالم، وأن اللغة آلية لفك تلك الشفرات الكامنة وجعلها قابلةً للتداول. وبموجب المعادلة المركزية للنظرية: المعنى = (شفرة العالم) × (نظام اللغة) × (آلية الإدراك)، يغدو الحدث اللغوي مرتهنًا بالشفرة الوجودية للفضاء الذي ينطق فيه. وعند تطبيق هذه المقاربة على كتاب الحضور الثقيل: القرار بين الجماعات الإسلامية والسلطة السياسية للباحثة هبة شعبان، والمشفوع بمقدمة تحليلية للدكتور عمار علي حسن، يتكشّف المشهد السياسي العربي كساحة اشتباكٍ عنيفة بين عوالم متعددة ومتنافرة، يحمل كلٌّ منها شفرته المعيارية ونظامه اللغوي وآليات إدراكه الخاصة لصناعة القرار.
1- تفكيك شفرة البقاء وذرائعية اللغة:
ينصّ المبدأ الثاني في لسانيات العوالم على سبقية المعنى، مؤكدًا أن المعنى سابقٌ على التلفظ اللغوي وكامنٌ في عمق العالم ذاته، وأن اللغة تفصح عن شفرته التأسيسية.. تتطابق هذه القاعدة مع ما كشفت عنه دراسة هبة شعبان ومقدمة عمار علي حسن حول الطبيعة الباطنية لصناعة القرار لدى طرفي النزاع: السلطة الحاكمة وتنظيمات الإسلام السياسي.
ففي عالم السلطة السياسية، يتأسس القرار على نموذج ريتشارد سنايدر بوصفه اختيارًا اجتماعيًّا ومؤسسيًّا بين بدائل محدودة، غير أن الشفرة الجوهرية التي تسبق كل صياغة قانونية هي ضمان بقاء النظام واستقراره. إن نصوص القوانين الاستثنائية، وتعديلات الدساتير، وشعارات حماية الدولة، ليست سوى أدوات لسانية مستدعاة لفك شفرة ذلك الهاجس الوجودي وتبريره للمجتمع.
وفي المقابل، تتجلّى سبقية المعنى بأوضح صورها في آلية إنتاج الفتاوى والقرارات داخل الجماعات الإسلامية؛ إذ يُبرز التحليل أن صانعي القرار داخل هذه التنظيمات يقفزون إلى النتائج والمصالح أولًا ثم يصنعون لها المقدمات الفقهية لاحقًا؛ فالمنفعة السياسية أو التنظيمية تكون متحققةً سلفًا في وعي القيادة، وتأتي لغة النصوص الشرعية والتأويلات التراثية مجرّد آلية فك شفرة لإضفاء المشروعية وتمرير القرار إلى القواعد الملتزمة بمبدأ السمع والطاعة.. المعنى هنا -وهو التمكين أو النجاة -سابقٌ على الدليل اللغوي وموجِّهٌ له.
2- التكافؤ البنيوي بين عالم التنظيم وعالم السلطة:
تؤسس لسانيات العوالم مبدأ التكافؤ البنيوي، موضحةً أنه على الرغم من تباين العوالم واختلاف مرجعياتها، فإنها تشترك جميعًا في معماريةٍ واحدة قوامها: مُشفِّر، وشفرة، وآلية فك، ومُستقبِل.. يظهر هذا التكافؤ بجلاء عند تفكيك بنية القرار بين النظام الرسمي والجماعة المعارضة في كتاب الحضور الثقيل؛ فكلا الطرفين يدير عالمًا مغلقًا يُنتج لغته بآليات متماثلة بنيويًّا:
عالم التنظيم الإسلام:: يقف رأس الهرم (المرشد أو الأمير) في موقع المُشفِّر، وتتشكّل الشفرة من مزيج الأيديولوجيا المحكومة بحالتي الاستضعاف والتمكين وكتابات المؤسسين (حسن البنا، سيد قطب، ومحمد عبد السلام فرج). وتعمل المكاتب التنفيذية ومجالس الشورى كـآلية فك وصياغة، ليتلقى المُستقبِل (الأعضاء والقواعد الاجتماعية) القرار بوصفه التزامًا دينيًّا تعبديًّا لا مجال لمعارضته.
عالم الدولة والسلطة: يتماثل البناء تمامًا؛ حيث يمثّل رأس النظام المُشفِّر المركزي في ظل محورية دور الرئيس في النظم العربية، وتتكوّن الشفرة من خطاب السيادة والوطنية والحفاظ على الاستقرار. وتنهض المؤسسات البيروقراطية والأمنية والإعلامية الرسمية بدور آلية الفك التي تترجم إرادة الحاكم إلى مراسيم وتشريعات وقوانين عقوبات، متوجهةً إلى المُستقبِل (عموم المواطنين) لفرض الطاعة وتأكيد الشرعية.
هذا التناظر البنيوي يكشف أن سلوك الجماعة حين تقلدت مقاليد الحكم لم يختلف جوهريًّا عن سلوك السلطة التي كانت تعارضها؛ فكلاهما أعاد إنتاج منطق الهيمنة والإقصاء والاستئثار بمراكز القرار، متحللًا من الضوابط الدستورية والمطالب الشعبية بمجرّد التمكّن.
3- صدام العوالم: النموذج المصري مقابل النموذج التونسي
تُثبت النظرية أن الجملة الواحدة أو المفهوم الواحد يتغيّر معناه جذريًّا بتغيّر شفرة العالم الحاضنة له؛ وهو ما يُفسّر تباين مآلات التفاعل السياسي بين مصر وتونس في الفترة من 2011 إلى 2020 كما رصدها الكتاب:
أ. الفضاء المصري وانسداد الترجمة بين عالمين مصمتين
في مصر، وقع صدامٌ صفريّ بين عالمين مغلقين عجزت أنظمتهما اللغوية عن التجسير أو إنتاج معنى مشترك: عالم الدولة الوطنية البيروقراطية المدعومة بالمؤسسة العسكرية ذات الجذور التاريخية الراسخة، وعالم جماعة الإخوان المسلمين المحكوم بشفرة مكتب الإرشاد والتمدد الأممي ومحاولات أخونة مفاصل الحكم.
فعندما نطق الطرفان بكلماتٍ مثل الشرعية أو الدستور أو الاستقرار، كان كل طرف يفك شفرة الكلمة داخل عالمه الخاص؛ فرأى فيها الأول حمايةً لكينونة الدولة من الاختراق، ورأى فيها الثاني تفويضًا إلهيًّا وحقًّا مؤجلًا للتمكين وإقصاء الخصوم. أدّى هذا التنافر الدلالي إلى سقوط تجربة الحكم الإخواني سريعًا في 2013، ليعقبه خروجٌ كاملٌ للجماعة من المشهد السياسي، ومواجهة أمنية وعسكرية شاملة طالت منابع الإرهاب في سيناء وحاصرت التنظيم داخليًّا وخارجيًّا.
ب. الفضاء التونسي ومرونة العوالم التوافقية
على النقيض من ذلك، تحرّكت التجربة التونسية داخل فضاءٍ تداوليٍّ متعدد الروافد؛ إذ اصطدمت حركة النهضة بعوالم موازية بالغة القوة رسّخها التاريخ التونسي الحديث: عالم التحديث والمدنية الذي قاده الحبيب بورقيبة عبر مجلة الأحوال الشخصية والتعليم، وعالم المجتمع المدني الصلب المتمثّل في الاتحاد العام التونسي للشغل ونقابات حقوق الإنسان، فضلًا عن المكانة الاستثنائية للمرأة التونسية.
أجبرت هذه العوالم حركة النهضة وراشد الغنوشي على إحداث مراجعاتٍ فكرية ومرونةٍ براجماتية؛ فكيّفت الحركة نظامها اللغوي ليتوافق مع شفرة الحداثة التونسية، متخليةً عن لغة القطيعة ومقبلةً على الشراكة في حكومات الترويكا وصياغة الدساتير التوافقية.
ورغم عودة التأزم السياسي لاحقًا مع الإجراءات الاستثنائية للرئيس قيس سعيد في 2021، فإن التجربة برهنت على أن اتساع العوالم المدنية يُرغم الخطاب السياسي الديني على مواءمة شفراته مع شروط الواقع.
4- التوظيف المتبادل للخطاب الديني: التباس المرجعيات
تنبّه لسانيات العوالم إلى أن استعارة مفردات من عالمٍ وإقحامها في عالمٍ آخر يُحدث تشويهًا في آلية الإدراك. وهذا بالتحديد ما مارسته السلطة السياسية وجماعات الإسلام السياسي على حدٍّ سواء عبر التاريخ المعاصر:
لجأت النظم الحاكمة -كحالة الرئيس أنور السادات الذي أطلق على نفسه الرئيس المؤمن وحالة الملك فاروق في استدعاء مشروع الخلافة -إلى تطعيم الخطاب السياسي بمسحةٍ دينية بغرض سحب البساط من تحت أقدام المعارضة الإسلامية ومحاربة التيارات اليسارية.
تكرّر الأمر نفسه لدى الرئيس عبد الفتاح السيسي عبر توظيف خطابٍ أخلاقيٍّ دينيّ يعتمد على عفة اللسان ومطالبة الأزهر بتجديد الخطاب الديني لقطع الطريق على مزاعم احتكار الدين.
إن خلط العالم الديني التعبدي بـالعالم السياسي التداولي حوّل المقدس إلى أداةٍ نفعية؛ مما أصاب الفضاء العام بازدواجيةٍ معيارية جعلت صانع القرار يتقلّب بين الملاينة والبطش، والاستيعاب والإبعاد، وفق مقتضيات المصلحة اللحظية لا المبادئ المستقرة.
نحو الرشد السياسي: تفكيك احتكار العوالم
تصل القراءة النقدية إلى أن مأزق القرار السياسي العربي -كما صورته هبة شعبان -ناتجٌ عن وهم امتلاك العالم الواحد المطلق؛ حيث تسعى السلطة إلى ابتلاع المجال العام بقوانينها وتدابيرها الاستثنائية، بينما تسعى حركات الإسلام السياسي إلى صبغ المجتمع قسرًا بشفرتها الأيديولوجية الشمولية.
إن الخروج من هذه الحلقة المفرغة يقتضي إرساء مفهوم الرشد السياسي الذي طالبت به الدراسة، وهو ما يتطابق جوهريًّا مع غاية لسانيات العوالم في الاعتراف بتعددية الأطر والأنظمة. ولا مناص من أهمية تفكيك بنية التسلط في صناعة القرار لدى الطرفين، والانتقال من منطق الوصاية والشفرات الماورائية إلى رحاب العالم التداولي الديمقراطي؛ حيث تُصاغ السياسات بناءً على مقتضيات المواطنة الجامعة، وتداول السلطة، والتعددية الفكرية، وسيادة القانون التي تجعل من كرامة الإنسان ومصالحه المرجع الأسمى لكل قرار.
……………..
*باحث في الوعي واللسانيات


















