د. إيهاب بديوي
قبل الدخول في التحليل التفصيلي لنصوص (عين سحرية تطل على خرابة) يصبح من الضروري التوقف عند سؤال يبدو بديهيًا لكنه في الحقيقة إشكالي: ما القصة القصيرة التي يكتبها هذا العمل؟
القصة القصيرة هنا لا تُعرَّف بوصفها نصًا يقوم على حدث مكتمل، وبداية وذروة ونهاية، بل بوصفها وحدة إدراك، أو لحظة وعي مكثفة تُلتقط من نسيج الحياة اليومية، وتُعرض دون ادّعاء الاكتمال. إنها ليست حكاية تُروى، بل حالة تُشهد.
في هذا السياق، تقترب القصة القصيرة من مفهوم الشهادة الأدبية كما بلوره نقّاد ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث لم تعد السرديات الكبرى قادرة على تفسير العالم، وحلّت محلها نصوص صغيرة، متكسّرة، تشبه الشظايا، لكنها أكثر صدقًا في تمثيل الواقع.
في مجموعة عين سحرية تطل على خرابة، لا تقوم القصص على “ماذا حدث؟” بل على:
• ماذا شُوهد؟ ماذا شُعر به؟ ماذا لم يُقَل؟
وهذا يضعها فنيًا في خط واحد مع أعمال مثل:
• يوسف إدريس في قصص مثل أرخص ليالي
حيث الإنسان العادي، المهمّش، هو مركز السرد، لا بوصفه بطلًا، بل بوصفه كائنًا محاصرًا.
إلا أن مجموعة عين سحرية تطل على خرابة تذهب خطوة أبعد؛ فبينما كان إدريس ينشغل بكشف البنية الاجتماعية الصلبة، ينشغل هذا العمل بـتفكك هذه البنية نفسها، وانهيار قدرتها على إنتاج معنى.
كما تلتقي فنيًا مع:
• محمد المخزنجي، خاصة في قصصه التي تمزج بين الجسد، والمرض، والوعي الهش، حيث يصبح الجسد نصًا بديلًا عن اللغة، كما في رشق السكين.
لكن الفارق أن المخزنجي يميل إلى البعد النفسي-الفلسفي، بينما تميل هذه المجموعة إلى الاقتصاد الاجتماعي للألم: الفقر، الاستهلاك، الأقساط، الأخبار، السياسة المتسللة إلى الحمّام وغرفة النوم.
القصة القصيرة جدًا: من الإدهاش إلى الصدمة الصامتة
في القسم الأخير من المجموعة، حيث تظهر القصص القصيرة جدًا، يمكن مقارنتها بأعمال:
• أوغستو مونتيروسو خصوصًا قصته الشهيرة الديناصور، حيث التكثيف يبلغ حدّه الأقصى.
• عربيًا، مع تجارب زكريا تامر في بعض نصوصه المكثفة، لكن مع اختلاف جوهري: زكريا تامر يعتمد على السخرية القاسية والمفارقة الصادمة، بينما تعتمد هذه النصوص على الاعتياد المرعب: مشاهد عادية… لا تستحق التأمل، لكنها تصنع الخراب.
الخصوصية الفنية للمجموعة
رغم كل هذه التقاطعات، لا يمكن اعتبار عين سحرية تطل على خرابة امتدادًا تقليديًا لأي مدرسة بعينها، لأنها تضيف عنصرًا حاسمًا هو:
الراوي-الشاهد وليس الراوي-العارف أو-المتدخل
الراوي هنا يرى، يسجل، يمرّ، ويترك الكاميرا مفتوحة، دون تعليق أخلاقي مباشر، لكنه يضع القارئ في موضع لا يسمح بالحياد.
يمكن القول إن هذه المجموعة تنتمي إلى خط فني عالمي معاصر يرى أن القصة لم تعد تفسيرًا للعالم بل وثيقة شعورية عن العيش داخله
وأنها، في السياق العربي، تمثل حلقة متقدمة في تطور القصة القصيرة، حيث يتراجع الحدث ويتقدّم الأثر ويصبح الخراب هو الشخصية المركزية
قراءة في بعض قصص المجموعة
الشاعر يتعلم فن التنكر قبل ان يعتزل – وردة معتقلة في كتاب – المرأة التي باعت حلمها للصائغ المزيف – زجاجة ملونة فارغة – محاولات للهروب من مخرج الطوارئ – أسباب غير مقنعة للعزلة – العصافير تحلق ليلا – ابتسامة شاحبة لقمر مريض – عفوا الدخول من النافذة – عين سحرية تطل على خرابة – أحلام بالتقسيط – حادث سير لرجل مجهول – ثلاث شمعات وبعض الحلوى لعيد ميلاد الطفل – البحر لا يعرف – مشاهد عادية لا تستحق التأمل – احتجاج غير رسمي – حالة غياب مشروعة – وقت بدل ضائع – تكرار غير متعمد
أولاُ: من العنوان إلى المتن – اتساق المشروع
ما يلفت منذ القصة الأولى (الشاعر يتعلّم فن التنكّر قبل أن يعتزل) هو أن العنوان لا يسبق النص بوصفه لافتة، بل يُستكمَل داخل المتن:
• الشاعر يجلس في المقهى
• يرفض الجائزة
• يتنكر اجتماعيًا (عامل بناء، أب، زوج، مواطن عادي)
• يكتب الشعر خلسة
• ويغادر حاملًا الحلوى لطفله
التنكّر هنا ليس خداعًا، بل وسيلة نجاة أخلاقية
والاعتزال ليس انسحابًا من الحياة، بل من المؤسسة الثقافية الزائفة.
هذه القصة تؤسس بيان المجموعة:
المبدع الحقيقي لا يحتمل الأضواء لأنها تفضح زيف العالم لا موهبته.
ثانيًا: ثيمة «الازدواج» والهوية المكسورة
وردة معتقلة في كتاب، واحدة من أقوى نصوص المجموعة من حيث البنية النفسية.
• السارد يحمل هوية ليست له (اتهام ضمني/قدر/عبء)
• الذاكرة مشوشة
• الزوجة، الأم، الابنة… علاقات هشّة
• الوردة اليابسة داخل الديوان = الجمال المؤجل/المقموع
النص يعمل على تفكيك مفهوم الذنب ومساءلة العدالة الرمزية وتحويل الكتاب/الديوان من خلاص إلى سجن
الوردة المعتقلة ليست القصيدة فقط، بل الذات نفسها.
المرأة التي باعت حلمها للصائغ المزيّف
هنا تبلغ المجموعة ذروة النقد الاجتماعي النفسي:
• الجسد محاصر
• الزواج صفقة
• الحلم يُستبدل بسوار مزيف
• الضحك يتحول إلى هستيريا
• الهاتف/الزوج/البيت = أدوات قهر
اللغة هنا حسّية – لاهثة – متكسّرة مثل وعي الشخصية
الصائغ المزيّف ليس رجلًا فقط، بل النظام الأبوي والمجتمع والوعد الكاذب بالأمان
ثالثًا: الجسد بوصفه ساحة صراع
يتكرر في النصوص المرض (السرطان – الجسد المبلل – الارتعاش)
• الإرهاق – التفاصيل الجسدية الدقيقة
لكن الجسد هنا ليس واقعيًا فقط، بل الجسد هو آخر ما تبقّى من الحقيقة
عندما تفشل اللغة، يتكلم الجسد.
رابعًا: تقنية السرد
السارد غالبًا: متكلم، مهزوم، واعٍ – لا يطلب تعاطفًا – لا يقدّم بطولة
الزمن: دائري – متكسّر – الذاكرة أقوى من الحاضر
الحوار: مقتصد – قاسٍ – غالبًا أحادي (صوت يقمع صوتًا)
خامسًا: القصص القصيرة جدًا (الست الأخيرة)
هذه النصوص ليست «ملحقًا»، بل تكثيفًا نهائيًا للرؤية.
مثلًا:
• وقت بدل ضائع: الحياة بعد استنزاف المعنى
• حالة غياب مشروعة: الانسحاب كحق أخلاقي
• احتجاج غير رسمي: رفض بلا لافتات
• مشاهد عادية لا تستحق التأمل: إدانة اللامبالاة
القصة القصيرة جدًا هنا تشبه ومضة كاميرا تفضح المشهد ثم تنطفئ.
سادسًا: اللغة (تميل إلى الشعرية)
• الجمل طويلة حين يتطلب الوعي ذلك
• قصيرة حين يضيق النفس
• لا بلاغة مجانية
• الصورة تخدم المعنى لا العكس
الكاتب يعرف متى يترك الجملة تنزف ومتى يقطعها بصرامة
**
رؤية نقدية عامة
حين نقترب من المجموعة، يجب أن نقرأها بوصفها فعل شهادة سردية على زمن مأزوم، تتراجع فيه البطولة، ويتقدّم فيه الإنسان العادي بوصفه مركز المعنى وميدان الانكسار. هذه ليست كتابة تبحث عن الدهشة، ولا تراهن على الحبكة بمعناها التقليدي، بل كتابة تنطلق من وعي حاد بأن العالم لم يعد يُفهم عبر الحكايات الكبرى، بل عبر التفاصيل الصغيرة التي تُترك عادة خارج الضوء.
ومن هنا، فإن هذه القراءة تتعامل مع النصوص باعتبارها مشروعًا سرديًا واحدًا، يتدرّج من القصة القصيرة إلى القصة القصيرة جدًا، ومن الحكاية إلى اللقطة، ومن السرد إلى الموقف الأخلاقي.
أولًا: العنوان بوصفه بنية فكرية لا عتبة شكلية
يحمل عنوان المجموعة (عين سحرية تطل على خرابة) كثافة دلالية عالية، تكاد تختصر المشروع بأكمله.
العين السحرية هي تلك الفتحة الصغيرة في الأبواب، التي تسمح بالرؤية دون مشاركة، وبالمراقبة دون انكشاف. إنها أداة أمان، لكنها أيضًا أداة عزل. أما الخرابة، فهي ليست مجرد مكان متهدم، بل نتيجة تاريخية وأخلاقية لانهيارات متراكمة.
العنوان إذن لا يقول: ننظر إلى الخراب،
بل يقول: نراقبه من خلف باب مغلق.
وهنا تتأسس إشكالية كبرى في المجموعة: هل الشهادة موقف أخلاقي كافٍ؟ أم أنها شكل آخر من أشكال العجز؟
هذه الأسئلة لا تُطرح مباشرة، لكنها تتسرّب إلى كل نص تقريبًا.
ثانيًا: وحدة الرؤية وتنوّع الأقنعة
على الرغم من تعدد الشخصيات، والأمكنة، والأصوات، فإن القارئ يخرج بانطباع واضح مفاده أن المجموعة تُكتب من وعي واحد متشظٍ، لا من رؤى متنافرة. وكأنها رواية قصيرة أو متتالية قصصية.
في قصة (الشاعر يتعلم فن التنكر قبل أن يعتزل) نواجه منذ البداية بيانًا سرديًا صريحًا: الشاعر، بوصفه رمزًا للمثقف أو المبدع، لم يعد قادرًا على الظهور العلني دون أن يُستهلك أو يُستغل. لذلك يتعلم التنكر بأنواعه الحادة:
تنكر اجتماعي – تنكر طبقي – تنكر وجودي
هو لا يهرب من الشعر، بل يهرب به، محاولًا إنقاذه من السوق، من الجوائز، من التصفيق الفارغ.
هذا النموذج يتكرر بأشكال مختلفة:
• رجل يتقمص حياة ليست حياته
• امرأة تعيش داخل صفقة اجتماعية
• أب يؤدي دوره اليومي بينما ينهار داخليًا
• طفل يفهم الخراب أكثر من الكبار
إنها شخصيات ترتدي أقنعة كي تبقى حيّة، لا كي تخدع.
ثالثًا: المرأة والجسد – من الحلم إلى السلعة
تحتل صورة المرأة في المجموعة مساحة دلالية شديدة الأهمية، خصوصًا في قصة (المرأة التي باعت حلمها للصائغ المزيف)
هنا لا نقرأ قصة زواج فاشل فحسب، بل نقرأ نقدًا لنظام اجتماعي كامل وتفكيكًا لاقتصاد العاطفة ومساءلة لتحويل الجسد إلى ضمانة
الصائغ المزيّف يمثل في الحقيقة استعارة عن الوعد الكاذب والأمان المصنوع واللمعان الذي يخفي الفراغ..
المرأة لا تُهزم لأنها ضعيفة، بل لأنها صدّقت نظامًا لا يعترف بالأحلام إلا إذا تحوّلت إلى معادن.
وهنا تبرز إحدى أهم سمات المجموعة: التعاطف دون تبرئة، والإدانة دون خطابية.
رابعًا: الجسد المريض بوصفه نصًا بديلًا
يتكرر حضور المرض، والإنهاك الجسدي في أكثر من قصة، يأتي بوصفه تفصيلًا واقعيًا فقط ولغة سردية بديلة.
في (البحر لا يعرف) نبدأ بنص يبدو هادئًا، شبه سياحي، قبل أن ينقلب إلى مأساة صامتة داخل غرفة عناية مركزة. البحر، الذي طالما كان رمزًا للحرية والتطهير، يتحول هنا إلى كيان لا يعرف، لا يتذكر، لا يهتم. المعرفة عبء إنساني، والنسيان امتياز الطبيعة. الجسد هو الذي يدفع ثمن الوعي، لا العكس.
خامسًا: الزمن المتكسّر والذاكرة المهيمنة
الزمن في هذه المجموعة ليس خطيًا، ولا تصاعديًا.
هو زمن متقطّع – دائري – ملوث بالذاكرة
الشخصيات تعيش الحاضر مشوبًا بما كان يمكن أن يكون وما لم يحدث وما حدث ولم يُفهم. وهذا ما يجعل السرد يبدو أحيانًا وكأنه يتقدّم ثم يعود، لا لأنه مرتبك، بل لأنه يحاكي الوعي الإنساني نفسه.
سادسًا: العناوين بوصفها نصوصًا مكثفة
عناوين مثل:
• زجاجة ملونة فارغة
• أسباب غير مقنعة للعزلة
• محاولات للهروب من مخرج الطوارئ
• ابتسامة شاحبة لقمر مريض
ليست عناوين تفسيرية، بل جمل شعرية تحمل مفارقة وجودية: الامتلاء الظاهري مقابل الفراغ الحقيقي، الحركة مقابل العجز، الضوء مقابل المرض.
العنوان في هذه المجموعة لا يشرح القصة، بل يضع القارئ داخل مناخها النفسي قبل القراءة.
سابعًا: القصص القصيرة جدًا – حين يبلغ التكثيف ذروته
الانتقال إلى القصص القصيرة جدًا في القسم الأخير من المجموعة ليس قرارًا شكليًا، بل تطورًا منطقيًا في الرؤية.
في نصوص مثل:
• ثلاث شمعات وبعض الحلوى لعيد ميلاد الطفل
• احتجاج غير رسمي
• وقت بدل ضائع
• تكرار غير متعمد
نلاحظ أن الحكاية تتلاشى واللحظة تتكثف والدلالة تصبح مباشرة ومؤلمة
هذه النصوص تشبه ومضات ضوء تكشف المشهد ثم تنطفئ، تاركة أثرها في العين والواقع. خاصة في قصة (تكرار غير متعمد) حيث تتحول النهاية إلى دائرة مغلقة، تعلن بوضوح أن الهزيمة لا تُورث بالجينات، بل بالأنماط الاجتماعية.
ثامنًا: الأخلاقي قبل الجمالي
أهم ما يميز (عين سحرية تطل على خرابة) أنها مجموعة تضع الأخلاق في قلب الجمال، دون أن تقع في فخ الوعظ أو الخطاب السياسي المباشر.
الكاتب لا يقول لنا ماذا نفعل، بل يجعلنا نرى ويتركنا مع ثقل الرؤية
وهنا تكمن قوة العمل: أن يجبر القارئ على تحمّل المسؤولية الأخلاقية للرؤية.
لماذا هذه المجموعة مهمة؟
لأنها تلتقط تحوّل القصة القصيرة العربية من الحكاية إلى الشهادة وانتقال البطل من المركز إلى الهامش وتحوّل الصراخ إلى صمت أكثر إدانة
(عين سحرية تطل على خرابة) ليست مجموعة تصرخ في وجه العالم، بل تفتح ثقبًا صغيرًا في الباب، وتقول لنا بهدوء قاتل: انظر…هذا ما صرنا إليه.














