سامح قاسم
كان المقهى يحتل الجهة الشمالية من الشارع الذي ينحدر ببطء نحو النهر، في منطقة قديمة من المدينة، نجت على نحو ما من موجات الهدم والبناء، التي غيّرت ملامح الأحياء المجاورة خلال السنوات الأخيرة، فبقيت واجهاته الحجرية كما هي تقريباً، وبقيت الأشجار التي زُرعت على جانبي الطريق قبل عقود طويلة، ولم تمتد إليها يد البرابرة، تمد أغصانها فوق الرصيف الضيق، حتى إن المارة في بعض أمسيات الخريف كانوا يشعرون أنهم يسيرون في ممر من الأوراق الصفراء والبنية والحمراء، التي تهبط ببطء مع الريح ثم تستقر فوق المقاعد الخشبية والسيارات المركونة منذ الصباح.
في ذلك المساء غطت السماء غيوم منخفضة جعلت ضوء النهار يميل إلى ضوء ما بعد الغروب، وانزلقت قطرات المطر الخفيفة فوق الزجاج الكبير الذي يحتل الواجهة الأمامية للمقهى، تاركة خطوطاً متعرجة سرعان ما تمحوها قطرات أخرى، بينما راقب الزبائن القلائل الشارع بين حين وآخر، كأنهم ينتظرون شيئاً ما، أو كأن المطر، مهما تكرر وهطل آلاف المرات، ما زال يُبشر بحدوث أمر مختلف.
عند الطاولة القريبة من النافذة جلس الرجل وحده.
أمامه فنجان قهوة برد منذ وقت طويل، ودفتر أسود مفتوح على صفحة بيضاء تقريباً لا تشغلها سوى جملة قصيرة كتبها في أول النهار ثم عجز عن إضافة أي شيء إليها، وإلى جوار الدفتر كتاب عن الرسامين الروس في القرن التاسع عشر كان قد اشتراه منذ أسابيع.
يأتي إلى هذا المكان منذ سنوات طويلة، إلى درجة أن النادل الجديد الذي لم يمض على عمله أكثر من شهرين، يعرف مسبقاً أي طاولة يختارها، وأي نوع من القهوة يطلب، وفي أي ساعة تقريباً يخرج من المقهى ليكمل مشيه على امتداد النهر قبل أن يعود إلى شقته مع حلول الظلام.
رفع عينيه عن الدفتر ونظر إلى الشارع.
في الجهة المقابلة ظهرت امرأة شابة تمسك بيد طفل صغير يرتدي معطفاً أزرق أكبر من مقاسه بقليل، وكان الطفل يتوقف كل عدة خطوات ليركل أوراق الشجر المتراكمة قرب الرصيف، فتضطر أمه إلى سحبه برفق ثم تتوقف هي الأخرى بعد لحظات وتسمح له باللعب مجدداً، تابع المشهد حتى اختفيا عند أول تقاطع، ثم عاد بنظره إلى انعكاس صورته على الزجاج.
في السنوات الأخيرة صار يلاحظ صورته أكثر من ذي قبل. ليس بدافع النرجسية، ولا خوفاً من الشيخوخة، ربما بسبب الدهشة التي تصيب المرء حين يكتشف أن الوجه الذي يراه كل صباح في المرآة يبتعد شيئاً فشيئاً عن ذلك الوجه الذي كان يعرفه في شبابه، حتى إن الأمر يشبه أحياناً مراقبة شخص آخر يكبر داخله سراً.
فقد شعره لونه الأسود تقريباً، وبدأت تجاعيد خفيفة تحيط بعينيه، أما يداه اللتان أمضتا سنوات طويلة بين الفرشاة والقلم فصارتا تحملان آثار العمر أكثر مما تحملان آثار الحروف والألوان.
في الماضي أحب النظر إلى الناس، أما الآن فقد صار يحب مراقبة الوقت وهو يمر فوق الأشياء، فوق الوجوه، وفوق المباني، وفوق الأشجار، وفوق حياته نفسها.
جاء النادل ووضع فنجاناً جديداً على الطاولة، قال مبتسماً:
– هذه الثالثة اليوم.
رفع رأسه وضحك:
– الرابعة ربما.
– إذا شربت الرابعة فلن تنام الليلة.
– ومن قال إنني أنام أصلاً؟
ابتسم النادل ومضى، أما هو فبقي يتابع البخار الصاعد من الفنجان.
يعرف أن الأرق لم يعد مشكلة عابرة في حياته، فقد صار جزءاً من نظام الأيام نفسها، ينام قليلاً، يستيقظ كثيراً، يتجول بين الغرف في الثالثة فجراً، يقرأ صفحات متفرقة من كتب لم يُكملها، يُشاهد أضواء العمارات البعيدة، ثم يعود إلى السرير منتظراً الصباح كما ينتظر المرء عودة غائب.
في إحدى تلك الليالي، قبل أسابيع قليلة، أمضى أكثر من ساعة واقفاً أمام نافذة شقته ينظر إلى المدينة النائمة، يومها خطرت له فكرة غريبة: ماذا لو كانت المدن أيضاً تشعر بالوحدة؟ ماذا لو كانت الأبنية المُضاءة التي يراها من بعيد تشبه أجساداً ضخمة تخفي وراء جدرانها آلاف الحيوات المنفصلة التي لا تعرف شيئاً عن بعضها؟
ضحك من نفسه آنذاك، ثم نظر إلى الدفتر مجدداً، كانت الجملة الوحيدة المكتوبة تقول: كل حياة طويلة وصاخبة، تنتهي إلى وحدة هادئة.
هو شاعر في الأصل، أو هكذا ما زال الناس يعرّفونه حين يلتقونه مصادفة في معرض أو ندوة أو أمسية ما، أما هو فلم يعد يعرف إن كان ما يزال شاعراً حقاً.
في شبابه اعتقد أن الشِعر طريقة لفهم العالم، بعد ذلك ظن أنه طريقة لتغيير العالم، ثم اكتشف أنه لا هذا ولا ذاك، وأن القصائد، مهما كانت جميلة، تعجز عن إنقاذ صاحبها من أشياء كثيرة، تعجز عن إيقاف الزمن، وعن إعادة الموتى، وعن منع الأحبة من الرحيل، وتعجز أيضاً عن ملء ذلك الفراغ الغامض الذي يبدأ بالتشكل داخل الإنسان سنة بعد سنة حتى يغدو جزءاً من تكوينه.
في الخارج اشتد المطر قليلاً، وأخذ الأطفال والرجال والنساء يسرعون نحو مداخل البنايات، يبحثون عن مكان يحميهم من الماء المتساقط.
وفي نهاية الطريق، بدا النهر تحت المطر، واسعاً ومبهماً، تحجب قطرات الماء امتداده عن العين، عندها تذكر فجأة أنه لم يتحدث مع أحد منذ يومين كاملين، فكر في الأمر بدهشة، يومان كاملان، لم يجر خلالهما أي حوار حقيقي.
لم يتبادل سوى كلمات قليلة مع بائع الخضار، وكلمات أقل مع حارس العمارة.
أما بقية الوقت فقد أمضاه بين الكتب واللوحات والإنترنت، وللمرة الأولى منذ زمن طويل شعر أن هذه الحقيقة تستحق التوقف عندها، لا لشيء سوى أنها بدت طبيعية جداً، طبيعية إلى حد مخيف.
ظل جالساً في مكانه يراقب المطر وهو يهبط فوق المدينة ببطء، بينما لم يكن يعرف أن هذا المساء العادي، وهذا الفنجان الثالث من القهوة، وهذه الفكرة العابرة عن الوحدة، ليست سوى بداية طريق طويل سيقوده بعد أشهر قليلة إلى اتخاذ القرار الأكثر غرابة في حياته كلها، القرار الذي سيبدأ من شاشة حاسوب مضاءة في منتصف الليل، وينتهي بوصول (صوفي) التي ستُغير شكل الأيام التي ظنّ طويلاً أنها استقرت إلى الأبد.
………………….
* فصل من رواية تصدر قريباً للشاعر والفنان التشكيلي المصري سامح قاسم














