«سيارة تكريم الإنسان».. أركيولوجيا الإنسان في طبقات الذاكرة والمكان والفقد..

أيمن رجب طاهر

د. هند محسن حلمي

تأتي مجموعة «سيارة تكريم الإنسان» للروائي والقاص والناقد أيمن رجب طاهر الصادرة عن الهيئة العامة للكتاب، بوصفها تجربة سردية تنفتح على أسئلة الذاكرة والمكان والفقد، وتعيد مساءلة علاقة الإنسان بالأشياء التي تحيط به، وبالتفاصيل اليومية التي تتحول بفعل الزمن إلى شواهد على وجوده. ولا تتوقف المجموعة عند استعادة الماضي بوصفه مادة للحنين، وإنما تستثمره للكشف عن طبقات إنسانية واجتماعية وثقافية تتوارى خلف الحكاية المباشرة.

ومن هذا المنطلق، تنطلق هذه القراءة من مفهوم «أركيولوجيا الإنسان» مدخلًا لفهم البناء الدلالي للمجموعة؛ إذ يبدو السرد فيها فعلَ حفرٍ متواصل تحت طبقات الزمن، بحثًا عن الإنسان في آثاره: في المكان، والصورة، والرائحة، والطعام، والحرفة، والصوت، والأشياء الصغيرة التي تحتفظ بما عجز الزمن عن الاحتفاظ به. وبذلك تتحول القصة من مجرد استعادة لما مضى إلى محاولة سردية لمقاومة النسيان، واسترداد الإنسان من هامش الذاكرة إلى مركز الحكاية.

وعليه، تسعى هذه القراءة إلى مقاربة المجموعة من خلال أنساقها الدلالية والجمالية، ورصد آليات اشتغال الذاكرة والمكان والفقد، ودراسة المفارقة بين الإنسان والأشياء، والحضور والغياب، والقديم والجديد، وصولًا إلى الكشف عن الكيفية التي تجعل بها المجموعة من التفاصيل اليومية مادةً لإنتاج معنى إنساني يتجاوز حدود الحكاية إلى سؤال أعمق: ماذا يبقى من الإنسان حين يمضي الزمن؟

وفي البداية لم أدخل إلى مجموعة «سيارة تكريم الإنسان» بوصفها مجموعة من القصص القصيرة المتجاورة، بقدر ما شعرت أنني أدخل إلى مساحة إنسانية شديدة الكثافة؛ مساحة لا تُقرأ حكاياتها من سطح الحدث، وإنما من الطبقات التي تركها الزمن تحت جلد الإنسان، وفي ذاكرته، وفي الأشياء التي تحيط به، وفي الأمكنة التي ظن يومًا أنها ثابتة، فإذا بها تتبدل وتختفي، وفي الأصوات التي تظل عالقة في الروح حتى بعد أن يغيب أصحابها.

وهنا تحديدًا تبدو عبارة «أركيولوجيا الإنسان» مدخلًا أكثر من مناسب لقراءة المجموعة؛ فالأركيولوجيا لا تكتفي بما هو ظاهر، وإنما تنزل إلى ما تحت السطح، تبحث عن الطبقات، عن البقايا، عن الأثر الذي يقود إلى حياة كاملة لم تعد موجودة إلا في شظاياها. وهذا بالضبط ما يفعله أ/ أيمن رجب في عدد كبير من نصوصه؛ فهو لا يلاحق الإنسان في لحظة اكتماله، وإنما يلاحقه وهو يتساقط من الزمن، وهو يفقد، ويتذكر، ويشيخ، ويغادر، ويترك وراءه شيئًا صغيرًا يقول إنه كان هنا.

ومن هذه الزاوية لا يعود عنوان المجموعة «سيارة تكريم الإنسان» عنوانًا غريبًا أو منفصلًا عن عالم النصوص، بل يصبح مفتاحًا تأويليًا بالغ الدلالة.. فالسيارة في ظاهرها آلة للحركة، رمز للسرعة والانتقال والعبور، بينما «التكريم» يحيل إلى الاعتراف بالقيمة، ويأتي «الإنسان» بوصفه الغاية الأخيرة لهذا الاعتراف.. والمفارقة أن عالمنا الحديث يملك من وسائل الحركة ما لم يملكه الإنسان في أي عصر سابق، لكنه في الوقت نفسه يبدو أكثر تعرضًا لفقدان ما يجعل حركته ذات معنى: ذاكرته، مكانه، حميميته، وصلته بالأشياء والأشخاص.

وكأن السيارة تمضي إلى الأمام، بينما الكاتب يلتفت من نافذتها إلى الخلف.

كما أنه لا يفعل ذلك رغبة في العودة إلى الماضي، وإنما رغبة في إنقاذ ما سقط من الطريق.

وهنا يمكن استحضار قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾، لا باعتباره إحالة وعظية، وإنما باعتباره مفهومًا للرؤية يتجاوز العين إلى الاعتبار؛ فالمشهد ليس هو المعنى، والأثر ليس هو الحكاية، وما نراه أمامنا ليس إلا قشرة لشيء أعمق ينبغي أن نبحث عنه.. لذا في «سيارة تكريم الإنسان» تصبح القصة نفسها عملية انتقال من المرئي إلى الخفي، ومن الواقعة إلى دلالتها، ومن الشيء إلى الذاكرة التي يحملها، ومن الغائب إلى الأثر الذي يصر على البقاء.

ولذلك فإن الذاكرة في هذه المجموعة ليست مجرد استدعاء للماضي، بل هي أحد أهم البنى التي يتشكل بها الإنسان. فالإنسان لا يعيش فقط بما يحدث له، وإنما بما يبقى مما حدث له. الماضي لا يعود كما كان، وإنما يعود في صورة أثر: صورة، رائحة، مكان، صوت، قطعة أثاث، طعام، لعبة، حرفة، رسالة، أو حتى كيس ملح.

وهنا تلتقي تجربة المجموعة مع التصور الفلسفي للذاكرة بوصفها استعادة غير مكتملة للماضي؛ فالماضي لا نستطيع أن نمسكه مباشرة، وإنما نستدل عليه من آثاره.. وما يفعله السرد يصبح بدوره ليس إعادة الحياة إلى ما مات بقدر ما هو إعادة بناء علاقتنا بما مات.

ففي «جمل الملح» تبلغ هذه الفكرة واحدة من أكثر صور المجموعة كثافة وإيلامًا.. فاللعبة التي كان فيها الأب «جملًا» يحمل أبناءه ليست مجرد ذكرى طفولية لطيفة، وإنما تتحول تدريجيًا إلى استعارة كاملة للعلاقة بين الأبناء والأب والزمن. كان الأب يحملهم على ظهره، ثم يأتي الزمن فيقلب المعادلة؛ يغيب الأب، ويبقى الأبناء يحملونه داخل الذاكرة.

فالصورة التي تستعيد الأب والأم متجاورين لا تستعيد أشخاصًا فحسب، وإنما تستعيد عالمًا كاملًا كان قائمًا ذات يوم ثم انكسر.. وعندما يصل النص إلى السؤال: «فلماذا بقيت أكياس الملح؟» يصبح الملح أكثر من مادة في المكان. إنه الأثر.

والملح هنا اختيار بالغ الذكاء؛ لأنه مادة تحفظ، لكنها لا تعيد الحياة إلى ما تحفظه.. حيثُ يستطيع الملح أن يمنع الفساد، لكنه لا يستطيع أن يمنع الغياب.. وكأن الذاكرة تفعل الشيء نفسه: تحفظ صورة الأب، لكنها لا تعيده؛ تحفظ صوته، لكنها لا تعيد حضوره؛ تحفظ اللعبة، لكنها لا تستعيد الزمن الذي كانت فيه اللعبة ممكنة.

وهنا يتحول الأب من شخص إلى أثر، ويتحول الأثر إلى سؤال، ويتحول السؤال إلى أدب.

وهذه واحدة من أجمل وظائف الكتابة في المجموعة: أنها لا تتعامل مع الغياب باعتباره نهاية، وإنما باعتباره بداية أخرى للوجود؛ وجودًا لا يسكن الحضور، وإنما يسكن الذاكرة.

ومن هنا يصبح المكان عنصرًا أساسيًا في هذه الأركيولوجيا. فالبيت والشارع والقرية والمطبخ والحقول والأدوات القديمة ليست خلفيات صامتة تتحرك الشخصيات أمامها، وإنما كائنات سردية لها ذاكرتها الخاصة.. فالمكان في هذه النصوص لا يحتوي الإنسان فقط؛ الإنسان أيضًا يسكن المكان حتى بعد أن يغادره.

وهذا ما يجعل «عجائز أمشير» نصًا يتجاوز الحنين البسيط إلى الماضي.. فاختفاء النول، وسعف النخيل، والصوف، والبيوت القديمة، والعادات التي كانت تبدو يومًا عادية، لا يعني فقط اختفاء أشياء من البيئة، وإنما يعني تآكل قاموس كامل كان الإنسان يقرأ به نفسه.

فالمشكلة إذن ليست أن القديم أجمل والجديد أقبح؛ فالمجموعة في أفضل لحظاتها لا تقع في هذا التبسيط.. فالماضي نفسه كان يحمل فقره وقسوته وحدوده الاجتماعية، كما أن الحداثة جاءت بأدوات ووسائل كثيرة جعلت الحياة أكثر سهولة في جوانب عديدة.. لكن السؤال الذي يطرحه السرد أكثر عمقًا هو: ماذا يحدث للإنسان عندما تتغير الأشياء التي كان يعرف نفسه من خلالها؟

حين تختفي الحرفة، لا تختفي قطعة خشب أو أداة فقط؛ تختفي معرفة.

وحين يختفي البيت القديم، لا يختفي الجدار وحده؛ تختفي طريقة كاملة في الإقامة والحب والخصام والانتظار.

وحين تتغير القرية، لا يتغير المكان وحده؛ يتغير الإنسان الذي كان المكان قد صنع جزءًا من هويته.

ولعل هذا ما يفسر الحضور اللافت للحواس في المجموعة، وبخاصة حاسة الشم والطعم.. ففي «المش» مثلًا لا تحتاج الهوية إلى خطاب طويل كي تعلن عن نفسها؛ تكفي رائحة المش المتحالفة مع البتاو لكي تدخل في مواجهة ساخرة وذكية مع رائحة البيتزا.. وهنا لا يناقش الكاتب العولمة بوصفها مفهومًا نظريًا، وإنما يجعلها تدخل أنف الشخصية.

وهذه كتابة تعرف أن الذاكرة لا تسكن الرأس وحده.

الذاكرة تسكن الجسد..

فرائحة واحدة قادرة على أن تفتح بابًا مغلقًا منذ سنوات، وطعم واحد يستطيع أن يعيد بيتًا كاملًا، وصوت قديم يمكن أن يستدعي شخصًا مات، ولمسة مكان قد تستعيد طفولة بأكملها.

ومن ثم فإن قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ يمكن أن يضيء جانبًا من هذه الكتابة؛ فالحواس في المجموعة ليست أدوات استقبال فحسب، وإنما منافذ إلى المعنى.. فالعين ترى، والأذن تستعيد، والأنف يستدعي، والقلب يمنح الأشياء قدرتها على أن تصبح ذاكرة.

ولهذا أيضًا تتجاوز الأشياء في المجموعة وظيفتها المادية لتصبح خزائن للإنسان. في «ذاكرة بلاستيكية» يصبح الشيء نفسه حاملًا لسيرة صاحبه، وكأن الأشياء التي نستهين بها لأنها بلا روح تستطيع، في لحظة ما، أن تصبح أكثر قدرة على الشهادة من أصحابها.

وهنا تكمن مفارقة مؤلمة: الإنسان الذي يظن أنه يمتلك الأشياء قد يصبح هو نفسه مجرد أثر فيها.

فالأشياء تبقى.. وأصحابها يرحلون..

وهكذا تنقلب علاقة الملكية رأسًا على عقب؛ فالإنسان لا يعود مالكًا للشيء، بل يصبح الشيء شاهدًا على الإنسان.

بينما في «الفانوس الزجاجي» تتحول الإضاءة إلى فعل استعادة؛ فالضوء لا ينير المكان فحسب، وإنما يكشف ما اختفى منه.. رمضان، الشوارع، الجيران، الأصوات، الطقوس، والطفولة كلها تظهر وكأنها لا تحتاج إلى زمن جديد كي تعود، بل تحتاج فقط إلى شرارة صغيرة في الذاكرة.

وكأن الكاتب هنا لا يكتب عن الماضي بقدر ما يكتب عن خوف الإنسان من أن يصبح الماضي بلا شاهد.

وهذا الخوف يمتد بنا إلى «رواية حياة»، حيث المفارقة شديدة العمق: كتاب ضخم، لكنه يكاد يكون خاليًا من الكتابة. وفي النهاية يأتي المعنى القاسي: «عشت محبًا لكل شيء في الحياة فرويتها وعجزت عن تدوينها».

وهنا تواجه الكتابة أكبر خصومها: الحياة نفسها.

فالحياة أوسع من أن تحتويها اللغة، وأكثر ازدحامًا من أن تستوعبها الصفحات. ولذلك فالكتاب الأبيض ليس فراغًا، وإنما امتلاء يعجز عن التحول كله إلى كلمات.

وهذا يضع الأدب أمام مفارقة جميلة: نحن نكتب لأن الحياة لا يمكن أن تُكتب كاملة، لا لأننا قادرون على امتلاكها بالكلمات.

ومن هذا المنظور تصبح الكتابة محاولة لإنقاذ المستحيل، لا ادعاء امتلاكه.

أما «متولي بلينة» فيأخذ مشروع المجموعة إلى منطقة أخرى شديدة الأهمية، هي استعادة قيمة الإنسان العادي. فالتاريخ الرسمي غالبًا ما يكتب أسماءه الكبيرة، بينما يترك خلفه آلاف الأشخاص الذين صنعوا الحياة اليومية دون أن تدخل أسماؤهم الكتب.. لكن هؤلاء الذين لا يملكون صفحات في التاريخ هم الذين صنعوا تفاصيله الحقيقية.

وهنا يصبح اختفاء متولي تهديدًا لاختفاء عالم كامل.. فغياب الإنسان البسيط ليس غياب فرد فقط؛ إنه احتمال ضياع ذاكرة اجتماعية كاملة.

ومن هنا تتشكل في المجموعة فكرة «التاريخ الصغير»؛ التاريخ الذي تسكنه الحرفة، والطاحونة، والحيوان، والبيت، والطعام، والشارع، والرجل الذي يعرفه الجميع ولا يعرفه أحد خارج المكان.

وهذه الرؤية تمنح المجموعة بعدها الإنساني؛ لأنها تعيد الاعتبار إلى الإنسان الذي لا يملك سلطة ولا بطولة ولا حضورًا رسميًا، لكنها ترى أن الحياة نفسها كانت مستحيلة من دونه.

ولذلك يبدو «تكريم الإنسان» في العنوان أكثر عمقًا من مجرد تكريم رمزي؛ إنه استرداد لقيمة أولئك الذين مروا في الحياة دون أن يلتفت إليهم أحد.

لكن الإنسان في المجموعة ليس فقط كائن الذاكرة، وإنما هو أيضًا كائن هش، معرض للجسد والمرض والموت والفقر والإهانة.. وفي «ذبابة زرقاء» و«وخزة خفيفة» و«حلم القطط» وكيف تظهر هذه الهشاشة من خلال الجسد والطعام والاشمئزاز والمرض والموت.

فالجسد هنا ليس مجرد مادة سردية، وإنما هو المكان الأخير الذي يواجه فيه الإنسان حقيقة ضعفه.

والطعام بدوره لا يظهر بوصفه حاجة بيولوجية فقط، وإنما بوصفه علامة طبقية وثقافية واجتماعية.. ما نأكله يقول شيئًا عن المكان الذي جئنا منه، وعن مستوى معيشتنا، وعن علاقتنا بالآخر، وعن المسافة التي تفصل بين عالم وآخر.

وهكذا تتحول لقمة الطعام إلى وثيقة اجتماعية، ويتحول الجسد الجائع إلى لغة سياسية من دون أن يحتاج الكاتب إلى خطاب سياسي مباشر.

لذا يعتبر من أكثر المناطق حساسية في المجموعة تلك التي تتصل بالمرأة، حيث يتحول الجسد والإنجاب والاختيار إلى أسئلة عن السلطة والقيمة الإنسانية.. ففي عبارة مثل «أرض خراب لأنني أنجبت له بنات» تنكشف بنية اجتماعية كاملة تختزل قيمة المرأة في جنس ما تنجبه، وكأن الأنثى لا تأتي إلى العالم بوصفها إنسانًا، وإنما بوصفها نتيجة ناجحة أو فاشلة لمعيار ذكوري سابق.

والأكثر إيلامًا أن القهر لا يحتاج دائمًا إلى صرخة؛ أحيانًا يكون القهر هو الصرخة التي لم تستطع أن تخرج.

«علمت أن الصرخة احتبست في صدري ولم تقو على الإفصاح برفض».

وهنا تصبح الكتابة نفسها مساحة للقول بدلًا من الصمت.. فالمرأة التي لم تستطع أن تقول «لا» داخل العالم الحكائي تستطيع أن تقولها داخل النص، ولو بعد فوات اللحظة.

وهذا يمنح المجموعة بعدًا أخلاقيًا واضحًا: فتكريم الإنسان لا يكتمل إذا ظل الإنسان محرومًا من حقه في الاختيار. كما نرى في «رسالة مسجلة» تتخذ التكنولوجيا شكلًا آخر من أشكال المفارقة.. فالتسجيل يستطيع أن يحفظ الصوت، لكنه لا يستطيع أن يحفظ صاحبه.. وكيف يمكن للآلة أن تقول لنا: «هذا صوته»، لكنها لا تستطيع أن تقول: «ها هو هنا».

وهنا يبلغ سؤال الأثر واحدة من أكثر صوره حداثة: التكنولوجيا انتصرت على النسيان في حفظ التسجيل، لكنها لم تنتصر على الموت في حفظ الإنسان.

إنها تحفظ الأثر، لا الحضور.

وهذا تحديدًا يجعل المجموعة معاصرة رغم انشغالها بالماضي؛ لأنها لا تقول إن الماضي أجمل، وإنما تقول إن الحاضر نفسه يحمل خوفًا جديدًا: أن نملك وسائل هائلة لتسجيل كل شيء، ومع ذلك نعجز عن الاحتفاظ بالإنسان نفسه.

لذلك على المستوى الفني، تتشكل المجموعة في منطقة وسطى بين القصة التقليدية والنص التأملي. بعض النصوص لا تنطلق من حدث كبير مكتمل الأركان، وإنما من فكرة أو مشهد أو شيء صغير أو ذكرى، ثم تنمو حوله شبكة من التأملات. وفي بعض النصوص تكون الفكرة أسبق من الشخصية، ويصبح الشخص أحيانًا حاملًا لفكرة أكثر منه شخصية مكتملة التكوين.

وهذه سمة لها وجهان؛ فمن ناحية تمنح النصوص عمقًا تأمليًا وتجعل القصة قادرة على إنتاج أسئلة تتجاوز حدود الحدث، ومن ناحية أخرى قد تجعل بعض النصوص أقرب إلى المشهد القصصي أو الومضة السردية أو المقالة الحكائية منها إلى القصة القصيرة المكتملة دراميًا.

لكن هذا التفاوت لا ينبغي النظر إليه باعتباره خللًا محضًا؛ لأنه يكشف طبيعة المشروع الجمالي نفسه.. فنحن أمام كاتب يميل إلى القصة التي تتأمل أكثر مما تستعرض، وإلى الحكاية التي تريد أن تقول شيئًا عن الإنسان بعد أن تقول ماذا حدث له.

ولهذا فإن قوة النصوص لا تأتي دائمًا من كثافة الحدث، وإنما من الصورة، والمفارقة، والرمز، واللمحة الإنسانية، والنهاية.

وفي هذا السياق تبرز نهايات مثل نهاية «جمل الملح»، التي لا تغلق المعنى وإنما تتركه مفتوحًا على الوجع: «فلماذا بقيت أكياس الملح؟».

هذه النهاية لا تخبرنا بما يجب أن نفهمه، وإنما تضعنا أمام سؤال.

فالسؤال هنا أقوى من الإجابة؛ لأنه يجعل القارئ شريكًا في إنتاج المعنى.

وفي المقابل، تبدو بعض النهايات التي تميل إلى الحكمة أو التقرير أكثر مباشرة، فتغلق الدلالة بدل أن تتركها تتنفس. وهذه ملاحظة فنية مهمة؛ لأن الرمز حين يشرح نفسه يفقد جزءًا من سحره، بينما الرمز الأقوى هو الذي يظل قادرًا على أن يُقرأ بأكثر من وجه.

لذا تتحرك لغة المجموعة بين العامي واليومي والمحلي من جهة، والبلاغي والتأملي من جهة أخرى، دون أن تفقد جذورها في البيئة. والمفردة الشعبية هنا ليست مجرد زينة فلكلورية، وإنما تحمل ذاكرة مكان.

وهذا من أجمل ما يميز التجربة: أن اللغة المحلية لا تأتي لتقول «انظروا إلى محليتي»، وإنما تأتي طبيعية لأنها جزء من وعي الشخصيات والعالم الذي تنتمي إليه.

لذلك يأتي في خلفية هذه النصوص كلها تظهر مجموعة من الثنائيات المتكررة: القديم والجديد، الحضور والغياب، الإنسان والآلة، الذاكرة والنسيان، الطفولة والشيخوخة، الفقر والوفرة، الطبيعة والاستهلاك، الصوت والصمت، الجسد والروح.

لكن قيمة المجموعة لا تكمن في وضع أحد طرفي هذه الثنائيات في خانة الخير والآخر في خانة الشر؛ بل في المسافة الرمادية بينهما.

فالقديم ليس فردوسًا. والجديد ليس جحيمًا. والذاكرة ليست دائمًا صادقة. والنسيان ليس دائمًا شرًا. والإنسان نفسه ليس بطلًا مكتملًا، وإنما كائن يتأرجح بين ضعفه ومحاولته المستمرة لأن يمنح هذا الضعف معنى. ومن هنا يمكن القول إن أضعف ما قد يؤخذ على بعض نصوص المجموعة هو نفسه الوجه الآخر لأقوى ما فيها: كثافة الرؤية.

فحين تكون الرؤية حاضرة بقوة، قد يتراجع أحيانًا البناء الدرامي لصالح التأمل، وقد تصبح بعض الشخصيات أقرب إلى أصوات تحمل الأفكار، وقد يشعر القارئ أحيانًا أن الكاتب يعرف ما يريد قوله قبل أن تكتمل القصة نفسها.

لكن هذه الملاحظة لا تنتقص من التجربة بقدر ما تحدد طبيعتها؛ فالمجموعة لا تنتمي في جوهرها إلى السرد الذي يراهن على المفاجأة وحدها، وإنما إلى سرد يبحث عن المعنى في التفاصيل، وعن الفلسفة في الأشياء الصغيرة، وعن الإنسان في اللحظة التي يبدو فيها أقل قدرة على الدفاع عن نفسه.

وهنا تحديدًا تنتقل المجموعة من محليتها إلى إنسانيتها. فالقرية ليست قرية فقط؛ إنها سؤال المكان.. والأب ليس أبًا فقط؛ إنه سؤال الفقد..والمرأة ليست شخصية اجتماعية فقط؛ إنها سؤال السلطة والاختيار.. والطعام ليس طعامًا فقط؛ إنه سؤال الطبقة والهوية..والشيء ليس شيئًا فقط؛ إنه سؤال الذاكرة. والمرض ليس مرضًا فقط؛ إنه سؤال الجسد والهشاشة.. والرسالة المسجلة ليست تقنية فقط؛ إنها سؤال الحضور والغياب.. والكتاب الأبيض ليس فراغًا؛ إنه سؤال عجز اللغة أمام اتساع الحياة..

ولهذا فإن «سيارة تكريم الإنسان» لا تبدو في النهاية مجموعة عن الماضي، وإنما مجموعة عن الحاضر الذي يخشى أن يفقد ماضيه. إنها تسأل، بصورة مباشرة أو مواربة: ماذا يبقى من الإنسان حين تتغير الأمكنة؟ ماذا يبقى من الأب حين يغيب؟ ماذا يبقى من الحرفة حين تنقرض؟ ماذا يبقى من الصوت حين يتحول إلى تسجيل؟ ماذا يبقى من الطعام حين يتحول من ذاكرة إلى مجرد استهلاك؟ ماذا يبقى من الإنسان حين تصبح الأشياء أكثر قدرة على البقاء منه؟

كما أن الإجابة التي تقترحها المجموعة ليست إجابة واحدة، وإنما شبكة كاملة من الآثار.

يبقى الصوت في الذاكرة.

وتبقى الصورة في العين.

وتبقى الرائحة في الجسد.

وتبقى الكلمة في اللغة.

ويبقى الشيء في المكان.

وتبقى الحكاية في الأدب.

وهكذا تتحول القصة من وسيلة لحكي ما حدث إلى فعل مقاومة ضد المحو.

وهنا أعود إلى «السيارة» مرة أخرى؛ فهي ليست فقط وسيلة تحمل الإنسان، وإنما استعارة للزمن نفسه. الزمن يمضي، والعالم يتحرك، والأجيال تتعاقب، والأشياء تسقط على جانبي الطريق.. لكن الكاتب، من نافذة هذه السيارة، يلتفت إلى الخلف، لا لكي يعود، وإنما لكي يرى ما الذي سقط في الطريق.

ومن هنا تصبح الكتابة فعل التفات. والالتفات فعل نجاة.. فالذاكرة تصبح آخر ما يمكن أن يحمله الإنسان عندما يعجز عن حمل كل ما فقده.

لذلك فإن «أركيولوجيا الإنسان» ليست مجرد عنوان نقدي للمجموعة، وإنما هي جوهر مشروعها العميق؛ فالكاتب يحفر تحت طبقة الحدث ليصل إلى الإنسان، ويحفر تحت طبقة الإنسان ليصل إلى الذاكرة، ويحفر تحت الذاكرة ليصل إلى الأثر، ثم يكتشف أن الأثر نفسه ليس نهاية الحفر، وإنما دليل على أن شيئًا ما كان حيًا هنا ذات يوم.

إنه يحفر عن الأب في أكياس الملح، وعن الأسرة في صورة قديمة، وعن الوطن في مذاق الطعام، وعن الهوية في المكان، وعن المرأة في الصرخة المحبوسة، وعن الإنسان في الأشياء التي تركها خلفه، وعن الحياة كلها في كتاب أبيض عجز عن احتوائها.

ولعل أجمل ما تقوله هذه المجموعة في النهاية أنها لا تطلب منا أن نعود إلى الماضي، وإنما تطلب منا ألا نمر بالحاضر مرورًا أعمى.

أن ننتبه.. أن نرى..أن نصغي.. أن نشم رائحة ما كنا نظنه عابرًا..أن نعرف أن وراء كل شيء صغير حكاية، ووراء كل حكاية إنسانًا، ووراء كل إنسان أثرًا يقاوم الغياب. فإذا كانت السيارة تمضي، وإذا كان الطريق لا يتوقف، وإذا كان الزمن لا يعرف الرجوع، فإن الأدب يملك معجزة واحدة: أن يلتفت إلى الوراء دون أن يتوقف.

وهنا يصبح «تكريم الإنسان» الحقيقي ليس أن نمنحه تمثالًا، ولا أن نضع اسمه في سجل، وإنما أن نمنع حياته من أن تتحول إلى لا شيء.أن نقول له، بعد أن يغيب: كنت هنا.. لقد رأينا أثرك.. ولم ننسَ.. وربما لهذا كله تبدو المجموعة في جوهرها ليست حكايات عن أناس مضوا، بل محاولة لأن تجعل الإنسان، مهما كان عاديًا، ومهما كان فقيرًا، ومهما كان مجهولًا، ومهما كان هشًا، جديرًا بأن يُروى.

فالإنسان الذي لا تحفظه كتب التاريخ قد تحفظه قصة. والبيت الذي هدمته الحداثة قد تعيده جملة. والأب الذي أخذه الغياب قد تعيده صورة. والحرفة التي انقرضت قد تعيدها كلمة. والصوت الذي لم يعد موجودًا قد يبقى في تسجيل. والصرخة التي لم تستطع صاحبتها إطلاقها قد تجد أخيرًا طريقها إلى الأدب. وهكذا لا تكون «سيارة تكريم الإنسان» سيارة تمضي بنا بعيدًا عن الإنسان، وإنما سيارة تعود بنا إليه. إلى هشاشته. إلى ذاكرته.إلى فقده. إلى أشيائه الصغيرة. إلى المكان الذي صنعه وصنعه المكان. إلى تلك المنطقة الخفية التي تبدأ فيها الحكاية الحقيقية: حين ينتهي الحدث، ويبقى الإنسان وحده أمام أثره.

وهنا، ربما، تكمن القيمة الأعمق لهذه المجموعة: أنها لا تكتب كي تقول لنا ماذا حدث، بقدر ما تكتب كي تسألنا ماذا بقي. وفي الأدب الكبير، قد يكون سؤال «ماذا بقي؟» أعمق كثيرًا من إجابة «ماذا حدث؟». لأن ما حدث ينتمي إلى الماضي. أما ما بقي، فهو الذي يواصل الحياة وربما لهذا، حين تمضي «سيارة تكريم الإنسان» إلى آخر الطريق، لا يكون السؤال: إلى أين ذهبت السيارة؟ بل: كم إنسانًا أنقذناه من النسيان قبل أن نمضي نحن أيضًا ثم يرفعه إلى الضوء قائلًا: هذا الإنسان مرَّ من هنا.

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع