د. أشرف الصباغ
لا شيء يمكنه أن يدفع العالم إلى الهلاك إلا الأفكار المثالية، وتصورات المثاليين الساذجة والصفرية عن العالم. ويكون هذا الهلاك حتميًا عندما تقترن الأفكار المثالية بالتخلف الاجتماعي العام من جهة، وبسيادة الاستبداد وإعادة إنتاج الإنسان المستبد من جهة أخرى، ورؤية العالم من زاوية ضيقة أحادية المسار تنطلق من توازنات دينية أو أخلاقية، وامتلاك للحقيقة واليقين في آن معًا.
سامي عرفان في رواية “السيمفونية الأخيرة” للكاتب والروائي أشرف العشماوي، جاء ليحطم كل أفكار وتصورات الشريحة العليا من الطبقة الوسطى عن العالم، إلى جانب تصورات المثاليين والسُذَّج. فنحن أمام شخصية ثرية للغاية: بالفن والموسيقى والحب والشر والغيرة والحسد والكراهية والاستهتار والتسلط. وفي الوقت ذاته تتميز بنوع خاص من العمى الروحي الذي يدهس ويدمر كل الجوانب الجيدة والصالحة والإنسانية والإبداعية فيها. وهي في الحقيقة شخصية محيرة للغاية، لكنها واقعية.. شخصية مدهشة جدًا، لكنها لا تثير التعاطف.. شخصية هشة ومبتذلة، لكنها لا تستحق إلا الإشفاق.. شخصية شريرة ومؤذية، لكنها لا تستدعي الأحكام المطلقة. هذه الثنائيات والتناقضات توقع الكثيرين في فخ الحيرة والخوف والهلع، وبالذات المثاليين وأصحاب التصورات الساذجة عن الحياة. والأخطر من هؤلاء، الناس الذين يرغبون في الهروب من أنفسهم، او حل تناقضاتهم الخاصة والشخصية عن طريق توجيه المزيد من الأذى للآخرين، أيًا كان شكل هذا الأذى ونوعه وحجمه.
أما العمى الروحي هنا، فهو يمتلك وجوهًا، أو أقنعة، متعددة ومتنوعة، من ضمنها الأنانية المفرطة، واللامبالاة، والعدمية. في هذه الحالة يظل الإنسان يتدرَّج أو ينزلق بزاوية ضيقة جدًا على طريق الأنانية ثم الأنانية المفرطة، إلى أن يصل للعدمية. لكن أثناء انزلاقه في هدوء وبالتدريج يفقد روحه أيضًا بشكل تدريجي من دون أن يعي أو يلاحظ. وإلى أن يصل لدرجة العدمية يكون قد أصاب الكثيرين في طريقه بالأذى، وسبب أضرارًا نفسية وجسدية وروحية للآخرين. وفي نهاية المطاف، يسبب أذى وأضرارًا لنفسه، حتى إذا شعر في لحظات ما بالانتصار أو الرضا. ويبدو أن سامي عرفان قطع هذا الطريق التراجيدي في هدوء ومن دون أن يدري، حتى من قبل أن يخنق الحمامة في صباه.
سامي عرفان كان موسيقيًا موهوبًا. وعلى الرغم من أنه تنقَّل بين وظائف وأشغال كثيرة، إلا أن الموسيقى هي اللي تغلبت على كل شيء، ونجحت أن ترافقه وتظل معه حتى النهاية. لكن هو نفسه لم يفكر أبدًا في الموسيقى نفسِها، ولا في دورها، ولا حتى في إمكانيتها على تهذيب الروح. ولكن لماذا نذهب بعيدًا ونتفلسف؟! فلنقل مثلًا، تأثير الموسيقى على روح الإنسان ولو حتى في تهدئة هذه الروح وتهذيبها، ودمج صاحبها (سواء مؤلفها أو حتى الذي يسمعها ويستمتع بها) في نسيج الكون والطبيعة ومع بقية الكائنات والمخلوقات التي تعيش معه وحوله. ومن ضمنها الناس والطيور وبقية الكائنات الحية.
سامي عرفان كان مُطَّلِعًا، يفهم في الجمال وفي الموسيقى. وكان يُحب ويحبه الآخرون. بمعنى أنه كان إنسانًا طبيعيًا. بل ووهب نفسه للموسيقى وبرع فيها. لكن لم يفكر قط في علاقة الموسيقى بروح الإنسان، أو حتى بروحه هو شخصيًا. أي أنه كان يعزف الموسيقى، ويفهم فيها، وبارعًا أيضًا في عزفه، وهنا لا يمكن أن نستبعد أنه كان يستمتع بها. لكن من الواضح أن عازلًا ما ضخمًا كان يقف بينها وبين روحه نفسِها. هذا العازل هو الغشاء الذي يعمي الروح، بالضبط مثل تلك الغشاوة التي تتكون أمام العين وتُشكِّل حاجزًا للرؤية. ومن الممكن أن نعتبر هذا الحاجة، هو المسافة بين المادة التي نتعامل معها، سواء كنا نقرأها أو نكتبها أو نعزفها، وبين الروح، والعقل أيصًا. وفي النهاية نجد أنفسنا نتحدث كثيرًا عن الموسيقى والأدب والثقافة، أو حتى عن الأخلاق والفضيلة والدين، ونستعرض آراءنا وتفضيلاتنا، لكن كل ذلك لا علاقة له لا بالروح ولا بالعقل. بمعنى أننا نتحدث عن أشياء كثيرة جميلة ومثالية بفوائض كلامية مذهلة، وفي الوقت ذاته نمارس في الواقع العملي أشياء ونشاطات وتصرفات أخرى ضدها، ومن ضمنها أذى الآخرين أو توجيه إهانات لفظية أو جسدية لهم. هذه هي المفارقات التراجيدية التي تصنع شخصيات من نوعية سامي عرفان وغيره بدرجات مختلفة ومتفاوتة في شرها وثرائها وضعفها وهشاشتها وانتهازيتها وعدميتها.
العقل المثالي يلجأ دومًا إلى التعميمات، وأحيانا إلى تخصيصات واستثنائيات في حال إذا كانت تثبت وجهات نظره وتصوراته وأطروحاته المثالية عن العالم، وعن الإنسان والموسيقى والكتابة. هنا تصبح شخصية سامي عرفان، شخصية إشكالية من حيث التركيب والتعقيد. بل وتدفع العقل المثالي إلى الدهشة والاستغراب، وربما الاستنكار، حين تطل الأسئلة الساذجة برؤوسها الماكرة والمؤلمة في آن معًا، من قبيل: كيف لإنسان يعزف الموسيقى أن يكون شريرًا إلى هذا الحد؟ كيف ينحدر الإنسان إلى هذا الدرك الأسفل من الجحيم على الرغم من كونه فنانًا، موسيقيًا، وأحواله المادية جيدة، وهناك من يحبه، بل وهو نفسه يحب أناسًا آخرين؟!
يبدو أن العيب هنا ليس في شخصية سامي عرفان، بقدر ما هو في تلك التصورات والتساؤلات التي تنطلق من رؤى مثالية وأخلاقية. تلك التصورات والتساؤلات التي تُميِّز الناس الذين يحاولون تجاهل الواقع أو تحييده من جهة، ويحاولون إخفاء هشاشتهم الشخصية وراء دعاوى مثالية وأخلاقية من جهة أخرى. وفي نهاية المطاف، ينتقلون إلى مقاعد المحققين والقضاة والجلادين، يصدرون أحكامًا وينفذونها ويملؤون الدنيا صراخًا وضجيجًا، تارة باسم الأخلاق والفضيلة، وتارة باسم الاتساق مع النفس، وتارة أخرى باسم الحرام والحلال، وتارة رابعة باسم الإنسانية، وهم أنفسهم لا يختلفون عن سامي عرفان كثيرًا إلا في درجات الأذى والشر والموهبة والعمى الروحي.
يبدو أن الشخصيات الإشكالية في الأدب والفن، تسبب ألمًا من نوع خاص للقراء والمشاهدين. وإذا اقتصر الأمر على الألم والدهشة والحيرة، فهذا أمر طبيعي قد يكون دافعًا للتفكير بشكل أعمق في دوافع مثل هذه الشخصيات، وفي واقعها الاجتماعي وتركيبتها النفسية، ورؤيتها للعالم، ومحاولة فهمها والبحث عن الحلقات المفقودة فيها من جهة، وبينها وبين واقعها من جهة أخرى. ولكن عندما يقفز القارئ أو المشاهد إلى مقعد المحقق والقاضي والجلاد، فنحن هنا أمام حالة معقدة ومركبة، لأن القارئ والمشاهد يسعيان في هذه الحالة إلى الاختباء وراء ادعاءات الفضيلة والأخلاق، وطرح أسئلة لا معنى لها حول اقتران الفن بالخير أو الشر، أو تناقض التصرفات بمئة وثمانين درجة. إن القارئ أو المشاهد يحاول بدرجة أو بأخرى التعتيم على المناطق المظلمة في روحه، وربما تبرير بعض تصرفاته التي يُفَاجَأ بأنها الفن والأدب كشفها، وأنها تصرفات مرئية ومفهومة مهما حاول إخفاءها بالدين والفضيلة والأخلاق، والتمسك الدائم بمقاعد المحققين والقضاة والجلادين.
إن أهمية شخصية سامي عرفان تكمن ليس فقط في فضح هذه الشخصية الروائية، وكشف دناءات هذه النماذج الإنسانية في الواقع، بل في فضح القارئ نفسه، وبالذات القارئ المثقل بالأفكار والتصورات المثالية، والمهتم دومًا برصد وتحليل القشة في عين الآخر، ومحاكمته بسببها، بينما لا يرى الخشبة التي في عينه هو نفسه.
لقد كثَّف الكاتب أشرف العشماوي كل الأدوات الممكنة، وشحن السرد بأمثلة عن الأفلام السينمائية، والشخصيات الأدبية، والنماذج السياسية، ليقدم شخصية سامي عرفان بكل هذا الثراء والدقة والتحولات النفسية والإنسانية، لا من أجل أن يقدم لنا مواعظ ودروس أخلاقية، بل لكي يضع كل منا يده على بقع الظلام المخفية هناك بعيدًا في أعمق أعماق روحه.










