“ساحرة من العصر الحديث”.. حين تتحوّل العامية إلى “أسطورة شخصية”

aya mustafa

شاهر خضرة

يأتي الديوان الجديد  للشاعرة آية مصطفى بوصفه تجربة تتجاوز فكرة “الديوان” بمعناه التقليدي، إلى كونه مشروعاً شعرياً متماسكاً أقرب إلى بناء سردي/مشهدي يتعمد أن يخلط بين الاعتراف الذاتي، والمجاز الأسطوري، واللغة اليومية، وأن يقدّم العامية المصرية في هيئة جديدة: لا بوصفها أداة للتلقائية فقط، بل كأداة فلسفية تلتقط الوجود في هشاشته، وتستخرج من تفاصيله “ميتافيزيقا بسيطة” قابلة للعيش.

منذ الصفحات الأولى، يضعنا الديوان داخل فضاء دلالي واضح: الحياة لعبة… والإنسان لاعب/ضحية/مشاهد، وكل قصيدة تكاد تحمل عنواناً يشتغل على مفهوم “اللعبة”: لعبة الأحلام، لعبة الحرب، لعبة النجوم، لعبة الآلهة، لعبة مطاردة الساحرات… إلخ. هذا التكرار ليس مجرد زينة عنوانية، بل هو مفتاح القراءة: فالشاعرة لا ترى العالم كحكاية مستقرة، بل كـ مسرح احتمالات تتبدّل فيه الأدوار سريعاً، ويتحوّل اليقين إلى شك، والطمأنينة إلى قلق، والحب إلى نجاة مؤقتة.

فكرة “اللعبة” بوصفها فلسفة وجود

المميز في الديوان أن “اللعبة” ليست خفة، بل هي اسم آخر للقدر.

حين تقول الشاعرة مثلاً: “عالم ك دا مش مؤتمن على الأحلام” فهي لا تصف عالماً قاسياً فقط، بل تلمّح إلى أن الحلم نفسه أصبح هشاً، وأن الواقع يملك قدرة دائمة على إفساده أو مصادرته.

وتبلغ الفكرة ذروتها حين يتحول الإنسان إلى كائن محاصر لا بجدران ملموسة، بل بجدران معنوية: الروتين، الخوف، العمل، الفشل، القلق، الهزيمة… كأننا أمام سجن جديد “حديث” بلا قضبان واضحة، لكنه أكثر إحكاماً لأنه يسكن الداخل.

في قصائد كثيرة، تبدو “اللعبة” كقانون للعصر:

• لا أحد يختار دوره بالكامل

• ولا أحد يضمن نهاية عادلة

• وكل ما نملكه هو محاولة فهم ما يحدث

وهنا تتبدّى قوة آية مصطفى: أنها لا تقدم شكاية مباشرة، بل تصوغ الوجع في شكل مسرح داخلي، تتغير فيه الأقنعة باستمرار، حتى يصبح القارئ جزءاً من اللعبة.

العامية عند آية مصطفى… من الحكي إلى الشعر

من أهم ما يلفت الانتباه في الديوان هو أن العامية هنا ليست “حكياً شعرياً” فقط، بل هي لغة مُصمَّمة بعناية.

هناك موسيقى واضحة، لكن ليست موسيقى الوزن التقليدي، بل موسيقى تعتمد على:

• التقطيع الداخلي

• التكرار الذكي (مثل “بوسة كمان” التي تتحول إلى لازمة)

• إيقاع الجملة اليومية حين تُعاد صياغتها بوعي شعري

قصيدة مثل “بوسة كمان” تتحرك على إيقاع ترديدي يشبه الغناء الشعبي، لكنه يخفي تحت بساطته طبقات من المرارة والبحث عن خلاص. اللافت أن العبارة نفسها (بوسة كمان) تتغير وظيفتها داخل النص:

مرة تصبح رجاءً، ومرة تصبح سخرية من عالم لا يمنح شيئاً كاملاً، ومرة تصبح “تعويضاً رمزياً” عن الخسارة. وهنا تظهر نضج التجربة: الشاعرة لا تعتمد على الدفقة العاطفية وحدها، بل تدير مفرداتها كما لو كانت “وحدات بناء” داخل مشهد أكبر.

الأسطورة كمرآة حديثة… لا كزينة ثقافية

واحدة من أجمل سمات الديوان أنه يفتح الباب على مرجعيات أسطورية (إنانا، إنكي، نيت…) لكنه لا يستخدمها للاستعراض، بل لخلق تماثل بين الإنسان القديم والإنسان الحديث: نفس الخوف، نفس الحرب، نفس البحث عن معنى.

حين تستحضر الشاعرة “الآلهة” فهي لا تستدعيها كقوة خارقة، بل كرمز لفكرة أعمق:

أن الإنسان في أوقات ضعفه يحتاج إلى “حكاية أكبر” تحمله، حتى لو كانت أسطورة.

بهذا المعنى، تصبح الأسطورة في الديوان ليست هروباً من الواقع، بل طريقة لفهمه.

والأهم: أن الشاعرة تُسقط الأسطورة على تفاصيل معاصرة جداً: الروتين، العمل، القلق، الاكتئاب، العجز عن النوم، ثقل الحياة اليومية… فتبدو الأسطورة كأنها تعيش معنا في الشارع لا في الكتب.

ثيمة الحرب… من الخارج إلى الداخل

في الديوان حضور واضح لفكرة الحرب، لكن الحرب هنا ليست سياسية أو تاريخية فقط، بل هي حرب النفس:

• حرب القلق

• حرب الاكتئاب

• حرب “الاستمرار”

• حرب العجز عن الفرح الكامل

في قصيدة “اللعبة الرابعة: لعبة الحرب والسلام” نجد خطاباً شبه مطمئن، كأنه محاولة لإنقاذ الذات من فكرة النهاية القريبة:

“صدقيني… نهاية العالم مش دلوقتي خالص”

هذا السطر وحده يختصر روح الديوان: ليس إنكاراً للمأساة، بل مقاومة لها بالحد الأدنى الممكن من الأمل.

والأمل عند آية مصطفى ليس بطولياً ولا خطابياً، بل أمل صغير:

“الطلقة هتحيد سنتي شمال”

هذه الصورة تعطي معنى دقيقاً جداً: النجاة ليست انتصاراً كاملاً، بل مجرد انحراف بسيط عن الموت.

بنية المشاهد… الديوان كفيلم

تتكرر داخل النصوص مفردات من عالم الصورة: مرايات، شباك، سينما، فيلم، لقطة… بل هناك قصيدة تذكر شاهين بشكل مباشر.

وهذا ليس عرضاً عابراً، بل يكشف أن الشاعرة تكتب بعين “مخرجة”، ترى القصيدة كمشهد متحرك، لا كمقطوعة غنائية فقط.

قصيدة “ساحرة من العصر الحديث” نفسها تُبنى على فكرة “المرايات”:

المراية ليست انعكاساً للوجه فقط، بل انعكاس للشك، للخوف، للذاكرة، للهروب من الحقيقة.

والجميل أن الشاعرة تجعل المراية شيئاً يُرسم عليه “شعاع بهتان” بقلم رصاص… كأن الحقيقة نفسها تحتاج إلى إعادة رسم، لأنها لم تعد واضحة.

التطور مقارنة بالتجربة السابقة (قراءة في النضج)

إذا كنا نقارن هذه التجربة بما كتبته آية مصطفى قبل أربع أو خمس سنوات (بحسب ما أتذكر)، فأهم مظاهر التطور في الديوان الجديد يمكن تلخيصها في نقاط واضحة:

1. تماسك المشروع

الديوان ليس مجموعة نصوص متفرقة، بل عالم واحد له مفاتيح ورموز متكررة: اللعبة، الحرب، الآلهة، الشباك، المراية، القلق… وهذا يدل على وعي ببناء “هوية ديوان”.

2. ارتفاع الحس التركيبي

هناك قدرة أكبر على تركيب الصور داخل بعضها: صورة تبدأ من الشارع وتذهب للأسطورة ثم تعود للذات. هذا النوع من الحركة يحتاج خبرة.

3. نضج في إدارة اللغة

العامية هنا أكثر تهذيباً دون أن تفقد روحها. الجملة أصبحت تعرف متى تطول ومتى تختصر، متى تصرخ ومتى تهمس.

4. وعي بالزمن النفسي

القصائد لا تتعامل مع الزمن كـ “أيام” بل كحالة: ساعة خامسة وعشرين، أيام تتسرق، معجزة لا تأتي… هذا إدراك أدبي عميق لمعنى الاستنزاف.

5. تحول الألم من “بوح” إلى “معرفة”

في التجارب الأولى غالباً يكون الألم هدفاً بحد ذاته. هنا الألم أصبح أداة لفهم العالم، وهذا فرق كبير.

 في النهاية، ما الذي يمكن أن يميّز صوت آية مصطفى؟

الصوت الشعري هنا يحمل ثلاث علامات أساسية:

1. الصدق دون ابتذال

الشاعرة تقول أشياء موجعة جداً لكنها لا تقع في المباشرة الفجّة، ولا في استدرار التعاطف.

2. الشراسة الناعمة

هناك غضب مكتوم في النصوص، لكنه يُقال بلغة رقيقة أحياناً، فيخلق تناقضاً جميلاً: صوت هش لكنه عنيد.

3. الأمل كفعل مقاومة

الأمل ليس وردياً. هو مجرد “تأجيل للهزيمة”، لكنه كافٍ ليستمر الإنسان.

أخيرا ملاحظات صغيرة (من باب الأمانة الفنية)

• بعض المقاطع تعتمد على التكرار بكثافة، وهذا التكرار أحياناً يكون مقصوداً وموسيقياً، لكنه في مواضع قليلة قد يحتاج ضبطاً حتى لا يفقد تأثيره.

• الديوان غني جداً بالصور والرموز، وربما تحتاج بعض القصائد إلى “فراغ” أكثر، لأن كثافة المعنى قد تجهد القارئ.

• في مواضع معينة، جمال الديوان يكمن في بساطته، فكلما اقتربت الشاعرة من “تفاصيل اليوم” كانت أكثر سحراً وتأثيراً.

لكن عموماً: هذه ليست عيوباً، بل إشارات على أن التجربة تتحرك في اتجاه النضج.

أخيرا “الساحرة” ليست امرأة… بل القصيدة

“ساحرة من العصر الحديث” ليس عنواناً عن شخصية بعينها، بل عن حالة:

القصيدة هنا بتصوري هي الساحرة.

تأخذ الألم وتحوله إلى مشهد.

تأخذ الخوف وتحوّله إلى لعبة مفهومة.

وتأخذ العامية-لغة الشارع والبيت-وترفعها إلى مرتبة الأسطورة الشخصية.

هذا الديوان يؤكد أن آية مصطفى لا تكتب فقط لتقول “أنا حزينة”، بل لتقول:

أنا أفهم الحزن… وأفهم كيف يعيش الإنسان في عالم لا يؤتمن على الأحلام.

وبهذا المعنى، فإن الديوان الجديد ليس مجرد خطوة للأمام مقارنة بتجربتها السابقة، بل هو إعلان واضح أن صاحبة هذا الصوت تقترب أكثر من “مشروع شاعرة” لا من “محاولة شاعرة”.

………………

*شاعر وكاتب من سوريا

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع