زيارة لأطلال مكتبة فلان

يحيى حقي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

حامد موسى

ماذا لو كنت ممن يعشقون القراءة واقتناء الكتب وكونت لديك مكتبه فى بيتك على مدار سنى عمرك المديد تكون لك بمثابة الواحه الخضراء فى بيداء الحياة تستعين بها على توازنك النفسى وعبور منغصات الحياة ولو للحظات ثم فجأة تضطرك ظروف ما قهرية أو طوعية للتخلص من هذه المكتبة ببيعها أو اهدائها إلى إحدى الجهات أو المؤسسات العلمية خاصه إذا كنت من أرباب القلم والكتابة وتخشى عليها من الضياع أو من عدم وجود من يقدرها ويحافظ عليها؟

تواردت على رأسى كل هذه الخواطر والأسئلة وانا استمع على موقع اليوتيوب الشهير لتسجيل صوتى لإحدى حلقات البرنامج الاذاعي القديم (زياره لمكتبه فلان) الذى كانت تقدمه الإذاعية الكبيرة (ناديه صالح) من خلال إذاعة (البرنامج العام) فى ثمانينات وتسعينات القرن الماضي والذى كان يعد من أمتع البرامج الثقافية في الإذاعة المصرية ومن كنوزها الرائعه حيث كان يقوم بزيارة اسبوعيه لاحدى مكتبات كتابنا وأدبائنا الكبار في منازلهم للتعرف عليها والاطلاع على ماتحويه هذه المكتبات من كنوز المعرفه ونوادر الكتب التى شكلت ثقافتهم ومعرفتهم وأثرت وجدانهم وابداعهم الذى امتعونا به

وكان ضيف هذه الحلقه التى استمعت إليها هو الأديب الكبير (يحيي حقي) هذا الرجل الذي يعد أيقونة من أيقونات الأدب العربي والمصرى بابداعه المتميز وحضوره الانسانى فلو أنك استمعت اليه أو شاهدته لاول مرة لا تملك إلا أن تحبه وتشعر معه بألفه لفرط تواضعه وأدبه الجم فهو شخص هين لين ذو صوت حنون يشعرك صوته وهو الحكاء العظيم بفرط طيبته وانسانيته كأنه أحد الآباء الكبار أو أحد أبناء البلد الطيبين تشعر فى نبره صوته بأجواء الحاره المصرية أو كانك تشاهد ميضه جامع السيده زينب فهو صاحب (كناسه الدكان) و (من باب العشم) رغم أصوله التركيه وارستقراطيته البادية يجمع بين دماثه الخلق وروح ابن البلد صاحب الدعابة المصرية والنكته الحاضره فهو مشبع بالروح المصرية وهو ماأنعكس في كتاباته واعماله الإبداعية فظهرت هذه الروح في اعماله التى أتسمت بالطابع الشعبى ولعل اشهرها روايتى (قنديل أم هاشم) و(البوسطجى) وغيرها من الأعمال كما أنه صاحب لغه ساحره في كتاباته مزج فيها بعبقريه بين الفصحى والعاميه المصرية بأقتدار لتعكس هذه اللغه روح وجوهر الشخصية المصرية وسمتها المائز

واعود إلى البرنامج الذى كان حلقته فريدة من نوعها مثل صاحبها فقد بدأت الإذاعية الكبيرة (ناديه صالح) الحلقه بمفاجأة كبيرة قائله أنها تجلس الان بين أطلال مكتبه ليس بها أى كتب فرفوفها جميعا خاويه وذلك بسبب أن صاحبها الأديب الكبير (يحيي حقي) تبرع بها كامله وهو على قيد الحياة إلى جامعه المنيا ولم يتبقى له منها إلا أطلال مكتبه خاويه على عروشها ثم بدأت الإذاعية الكبيرة في الحوار مع الأديب الكبير للتحدث عما كانت تحويه المكتبه من أمهات الكتب والمخطوطات وبدأ الرجل يتحدث بنبرة شجن حاول أن يخفف من وقعها بمداعباته التى يغلفها شجن خاص واصفا المكتبه بوضعها الحالي وصفا بليغا ومؤلما قائلاً ( انت تزورى الآن المكتبه التى كانت ، وهى تبدو الان مثل واحد أهتم فاتح بقه وبيقولك شوفى خلع كل ضروسى) في إشارة إلى ماكانت تحويه المكتبه من كتب

 ثم يمضي الأديب الكبير في وصف محتويات مكتبته من أقسام وعنواين للكتب ذاكراً أن الجزء الذى يقع على يمين مكتبه كان مخصصا لتاريخ مصر الحديث معللا اهتمامه بهذا التاريخ بأنه لايستطيع أن يبدأ الكتابة (الا إذا شعرت بمصريتى وبتاريخى وما أنا ؟ ) ذاكراً أن تاريخ مصر الحديث يبدأ منذ بدأ الحمله الفرنسيه على مصر ثم يذكر بعض هذه الكتب التاريخية لمؤرخين كبار أمثال أحمد تيمور وعبد الرحمن الجبرتي وأحمد شفيق غربال وعبد الرحمن الرافعي وغيرهم

ثم يصف قسما اخر من أقسام المكتبه _التى كانت_ وهو قسم القواميس ومراجع اللغه ثم دولاب اخر لدواوين الشعر ذاكراً أنه يحب للكاتب أن يكون على صله وثيقة بالشعر الذى هو فن العرب الأول مؤكدا أنه احب من الشعراء ابن الرومى والشريف الرضى وأبو العلاء المعري وأنه احتفظ فقط من هذا القسم بكتاب شرح ديوان المتنبي لابراهيم اليازجي وأشار إلى بيت لأبى العلاء المعري يعجبه

الفِكرُ حَبلٌ مَتى يُمسَك عَلى طَرفٍ

مِنهُ يُنَط بِالثُرَيّا ذَلِكَ الطَرَفُ

وَالعَقلُ كَالبَحرِ ما غيضَت غَوارِبُهُ

شَيئاً وَمِنهُ بَنو الأَيّامِ تَغتَرِفُ

ثم يشير إلى اخر جزء من المكتبة وهو الذى كان يضم مجموعة كتب كثيرة من كتب مشروع الألف كتاب المترجم الذى كانت تتبناه المؤسسات الثقافية في الدولة داعياً إلى إحياء هذا المشروع الكبير مره اخرى لما له من أهمية كبرى في ترجمه الفكر الإنساني ثم تحدث الكاتب الكبير عن مفارقة عجيبة وهى أن مكتبته لاتحوى على أى عمل من اعماله الإبداعية التى بلغت 17 كتاب رافضا فى تواضع أن تكون لها أهمية ذاكرا فى مراره أن كلهم – يقصد القراء والنقاد والمهتمين – لايذكرون له سوى رواية (قنديل أم هاشم) يعنى (بقيه كتبى مش مقروءه)

وحول سؤال للاذاعيه (ناديه صالح) عن ماهيه إحساسه بعد أن تبرع بمكتبتة لجامعة المنيا أجاب بشجن (كأنما انتزعت قلبى منى) ثم أردف لكن شعرت بالنشوه والسرور بأمل انى رميت بذور بالحقل لعل كتابا يقع في يد طالب واحد ينتفع به فهذا هو الأمل

وفى سؤال اخر هل كان فى نيتك الذهاب الى الجامعه من وقت لآخر لمعرفة مصير المكتبه ومن يطلع عليها ومدى الاستفادة منها اجاب حقى بعد زفره أسى ببيت من الشعر يقول

تلفتت عينى ومذ غابت عنى الديار

ومتى خَفِيَت عَنها الطُلولُ تَلَفَّتَ القَلبُ

ثم قال (لا اظن اننى أحب أن أمر عليها مره اخرى) ربما حتى لاتهيج احزانه مره اخرى خاصه أنه أصيب بضعف النظر ولم يعد يقرأ كما كان مشيرا بأن إصابته بضعف النظر كانت أحد أسباب قيامه باهداء مكتبته لجامعة المنيا

ثم يجيب حقى عن سؤال حول كيفية تكوينه لمكتبنه قائلاً إن معظمها من الساكند هاند اماكن بيع الكتب القديمة فى مصر وغيرها من الدول العربية والأجنبية

ثم يشير حقى فى اخر البرنامج إلى بعض النصائح للشباب وللاباء لحث أبنائهم على القراءة بأنه اول ما قرأ لم يقرأ في كتب الادب بل فى كتب معارف متنوعه ووجه الشباب بأن يكون لهم هوس بالقراءة قائلا عندما تأخذ كتاب وتنفض عنه التراب لتقرأه فلست انت الذى تنفض عنه التراب بل هو الذى ينفض عنك التراب ثم يوجه حقى نصيحه الى الآباء إذا رأيت إبنك ينكب كثيراً على القراءة فخذ من يده الكتاب وقل له تعالى اخذك إلى الحديقة أو إلى القناطر أو اى مكان ، يجب أن يكون الاتصال بالحياة هو الجانب الاصلى وان تكون القراءة هى الجانب المعين الذى يساعد على تكوين الشخصية والثقافة مؤكدا أن هناك تحول في العصر الحديث من الكلمه المقروءة إلى الكلمه المسموعه لكن يظل الكتاب هو الأساس

الشاهد أن (أشجان عضو منتسب) _وهو بالمناسبة عنوان مقال ليحيى حقى_ اشجان صادقه في التعبير عن اضطراره إلى إهداء مكتبته لجامعة المنيا لضعف بصره أولا ولضمان مظنة الحفاظ عليها والانتفاع بها من جانب من يظن فيهم ذلك ولعل ليست هذه الأشجان خاصه بصاحب (قنديل ام هاشم) بل هى اشجان عامه لدى كل من يمتلك مكتبه كونها على مدار سنى عمره وكل كتاب فيها يشهد على فتره من فترات حياته فهى بمثابة عمره الحقيقي الذى عاشه.

مقالات من نفس القسم