عبد السلام فاروق
بنَكهة الحكائين الجنوبيين الآسرة، تلك النكهة التي أبدع فيها من قبل عمالقة فن القص في صعيد مصر، أمثال “يحي الطاهر عبد الله ومحمد صفاء عامر وعبد الوهاب الأسواني”، ينسج الروائي المصري خالد إسماعيل عوالمه السردية الفريدة. في روايته الأحدث «عِرق الصبا» الصادرة عن دار الأدهم بالقاهرة ، يستلهم الكاتب تراثنا السردي الغزير، ليبدع نصاً أدبياً يموج بالحياة، دافعاً بأحد أحفاد الأسطورة “أبي زيد الهلالي” ليكون محوراً لقصته.
إنها حكاية تمتزج فيها الأسطورة والتراث الشفهي بواقع حال مشبع بالغرائب المدهشة، في بقعة ساحرة من صعيد مصر، يحددها الراوي بدقة متناهية منذ الوهلة الأولى: “قرى ونجوع طهطا وطما”. هناك، في ذلك الفضاء المتخيل، تحوم أسطورة “بركات الهلالي”، صاحب الكرامة العجيبة المسماة “عِرق الصبا”، تلك القوة المدهشة التي استمدها من روح النيل الخالد. ومن رحم هذه الأسطورة، تولد “نزلة بركات”، المكان الذي يتحول إلى مسرح لدراما إنسانية شائكة، تدور رحاها حول أحد أكابرها، الشيخ عبد اللطيف الكِباشي. والشيخ ليس مجرد وجه من وجوه النزلة، بل هو “شيخ منسر”، أو “وِلد ليل”، يمتلك شبكة معقدة من العلاقات مع شيوخ منسر آخرين في أصقاع ممتدة: من “الغنايم وأبو تيج وصدفا وجهينة”. إنه بمثابة المؤرخ الشفاهي للجماعة، يلعب دور الراوي الثاني الذي يساعد، بأسلوب “الحكاية داخل الحكاية”، في سرج خيوط السرد المتشابكة وإضاءة زواياه المعتمة.
منذ الصفحات الأولى، يضعنا الراوي في قلب بوصلته السردية، محددا أجواءها ومنبعها الثري الذي ينهل من التراث المصري والعربي والفرعوني القديم في مزيج ساحر لا يخلو من ألق. اللغة هنا بطلة حقيقية، تتجسد في حوار صعيدي دارج محبب للأسماع، يمور بالحكمة والمكر معاً، وفي سرد ينسجم فيه الفصيح بالعامي بلا تكلف، ليخلق نسيجاً لغوياً حياً ينبض على اللسان. متكئاً على هذه الأجواء التراثية الأسطورية، ينطلق الراوي ليستعيد ذكريات نشأته في بيئات تلهب الخيال وتشحنه بطاقة الحكايات. يتذكر، بحنين وجذل، طفولته في إحدى المدارس الابتدائية، معلماته وأصدقاءه، لتتحول هذه الذكريات إلى بوابات عبور نحو زمن آخر أكثر عمقاً. في ثنايا هذه الذكريات، يتفرع حديث السارد ليرسم بشيء من التفصيل والغوص، شجرة الأنساب المعقدة، والقبائل والعوائل، ومقام هذه العائلات بين ضعف وقوة.
تمر أمامنا أسماء تحمل ثقل التاريخ وهيبته: آل تغيان، آل رضوان، آل الصنهاجي، الزغابة، الشهيبات، البعوكي، الكباشي. وتتشكل جغرافية المكان عبر أسماء النجوع الموحية: نجع الخولي، نجع الغازية، نجع العرج، نجع القرد. يوشك القارئ أن يغرق في زحام الشخصيات التي تكتظ بها الرواية، كل منها يحمل عالماً درامياً خاصاً: فتحية الحياني، جلال حامد، محمود الطماوي، الناظر جميل عيسى، عقيل الهادي، قبيصي المراكبي، فهيمة الحلبية، فريد خلف الله، محارب تغيان، وغيرهم ممن يشكلون لوحة فسيفسائية بديعة.
وعلى الرغم من البنية الخطية التقليدية التي تبدو عليها الرواية ظاهرياً، فإنها تتسم بمرونة سردية لافتة في التنقل عبر الأزمنة. إنها تعود بنا إلى عصور مملوكية وعثمانية سحيقة، تتجلى من خلالها الصورة الكاملة عن تفاصيل وأصول وقبائل “نزلة بركات”، المكان الذي ينتصب كشخصية رئيسية في النص. هذا الانتقال الزمني الخاطف والمدروس هو ما يمنح الرواية مذاقها العتيق الحريف، ويجعل الماضي عنصراً فاعلاً في تشكيل الحاضر ومآلاته. ولكن الرواية ليست منفصلة عن الأحوال السياسية وتقلباتها عبر العصور؛ فهي تنتقل بخفة من زمن الملكية إلى زمن عبد الناصر، ثم إلى زمن السادات. تبدو هذه الحقب الزمنية كظلال في خلفية القصة، لا تمتزج تمام الامتزاج بنسيجها الدرامي الغرائبي القائم على صراعات الثأر والمكائد الدنيئة والعلاقات المحرمة، لتؤكد أن جوهر الإنسان وصراعاته يتجاوزان حدود الزمن السياسي.
تمنحنا الرواية، عبر تقنية الاستطراد الوصفي، نماذج بشرية شديدة الخصوصية والثراء، رجالاً ونساء، يرسمهم الراوي ببراعة مشهدية آسرة، في سياق الحكاية دون أن يخل بإيقاعها. شخصيات مثل حسان البعوكي، والناظر جميل عيسى، ونسيمة الطماوية، وطنطاوي أبو شلاقيم، ليست مجرد أسماء، بل عوالم قائمة بذاتها.
هذا الثراء في رسم الشخصيات هو ما أتاح مساحة شاسعة من الأحداث والمواقف والتعقيدات الدرامية والتفاصيل الدقيقة التي جسدت طبيعة البيئة الصعيدية المتفردة، ليس بوصفها فولكلوراً جامداً، لكن بوصفها كياناً حياً ينبض بسماته وعاداته وخصائصه التي تميزه.
ولعل من أذكى حيل السرد في هذه الرواية أن لها سارداً رئيسياً واحداً، لا ندرك اسمه، “عصام”، إلا في منتصف الرواية! إنه تأخير مقصود يدفعنا للتساؤل حول حقيقة ما سرده هذا الراوي عن طفولته ونشأته. هل تمس هذه التفاصيل سيرته الشخصية حقاً، أم أنها سيرة شخص آخر، أو حتى مزيج متخيل بينهما؟
لا سيما أن الروائي خالد إسماعيل هو من مواليد “طما” بمحافظة سوهاج، مما يطرح سؤالاً جمالياً حول العلاقة الملتبسة بين الواقع والخيال هل كان تجسيده للشخصيات والأحداث مأخوذاً من شخصيات حقيقية عايشها؟ وما هو حجم الخيال الذي نسجه إلى جانب ما جسده من واقع حياة ؟
تبدو الرواية بفصولها الثلاثة أشبه بفصول مسرحية كبرى، إلا أن السرد فيها يتجاوز الحوار حجماً ودوراً، ليخلق توليفة درامية خاصة. وهي ليست كالرواية المعتادة ذات البناء الأرسطي القائم على بداية وصراع وذروة وعقدة وحل يفضي إلى خاتمة. بل هي أقرب إلى رواية حكائية، تتشكل من خلال عناقيد من الأقاصيص والشخصيات المتلاحمة، تتناول أموراً وأحوالاً شتى تدور كلها في فضاء “نزلة بركات”. من هذا المكان المحوري، تتفاعل الشخصيات بمضامين متباينة، تتراوح بين الحب الآسر والزواج التقليدي، والخيانة المدمرة والمكائد القاتلة، والأسطورة والخرافة، والشك المطلق واليقين الصوفي، والماركسية الوافدة، في مزيج سردي فريد لا يمكن تصنيفه بسهولة.
في تقديم الرواية، المثبت على غلافها الخلفي، إلى جانب التعريف بالروائي الكبير صاحب الأثر الممتد عبر خمسة عشر عملاً، ندرك أن هذا العالم كله، المصاغ بحرفية عالية، هو من أجل قرية متخيلة. الغرض منها هو تجسيد قرى “العربان” في الجنوب المصري، أولئك الذين وفدوا على مصر من “فاس ومكناس” في المغرب العربي، بعد أن شاركوا في التغريبة الهلالية الكبرى منذ عهد الخليفة الفاطمي المستنصر.
وبهذا يتجلى لنا أن الروائي خالد إسماعيل قد تمتع بقدرة استثنائية على المزج الساحر بين الخيال والواقع، وبين التراث والمعاصرة. لقد جسد مكاناً فريداً يدعى “نزلة بركات”، ليحوله إلى محفل كوني تجتمع فيه المتناقضات والمفارقات الإنسانية، في نص أدبي بديع يذكرنا بأن النفس البشرية تتراوح دائماً وأبداً بين ضفتي الخير والشر، بين الترابي والمقدس، في صراع لا ينتهي هو جوهر التراجيديا الإنسانية.











