رواية “خمس منازل لله وغرفة لجدّتي”.. حين تتعدد الطرق ويظلّ الله سؤالًا

marwan al ghafoury

أفين حمو

تنقسم رواية “خمس منازل لله وغرفة لجدّتي” للكاتب مروان الغفوري، والصادرة عن دار الساقي، إلى قسمين واضحين في بنيتهما، متكاملين في دلالتهما؛ ففي القسم الأول نتعرّف على «منازل الله»، بينما يقودنا القسم الثاني إلى «غرفة الجدّة». غير أن هذا التقسيم لا يعمل بوصفه بناءً سرديًا فقط، إنما كمسار روحي يتتبّع تحوّلات الإيمان بين المؤسّسة والحكاية، بين الجماعة والذاكرة الشخصية.

منذ السطر الأول، يضعنا مروان الغفوري أمام نصٍّ يدرك أن المقدّس لا يُستدعى عبر الخطابة، إنما عبر التفاصيل الصغيرة، عبر الجرح الطفولي الذي بقي في ذقن الأخ يونس لأنه «أراد قتل علي بن أبي طالب» في لعبة، فنهرته أمّه آنذاك، وظلّ نهرها يلاحقه كلما سنحت لها الفرصة:

“‫أيش قال لك قرينك؟ تقتل علي بن أبي طالب.

ترفع الأمّ يدها إلى الأعلى حين تلفظ اسم علي، ثم تخفضها، وأحياناً تبقيها هناك إلى حين فراغ ابنها من لوم بجّاش الذي لعب دور عليّ وغش في اللعبة. لم يفهم الأخ يونس كلام أمّه حتى صار في الإعدادية. تركت تلك القصة أثراً في روحه ودفعته للخشية من التاريخ.”

بهذه اللقطة المبكرة، تؤسس الرواية لعلاقة معقّدة بين الدين والتاريخ والذاكرة الفردية، حيث يتحوّل اللعب الطفولي إلى شرخ نفسي طويل الأمد، وتتحوّل الأم إلى حارسة غير واعية لذاكرة الجماعة.

تجري أحداث الرواية في اليمن خلال تسعينيات القرن الماضي، عبر راوٍ طالب في المرحلة الثانوية يغادر قريته متجهًا إلى المدينة لاستكمال دراسته، ويسكن في غرفة ملحقة بمسجد بصحبة المؤذّن الذي يطلق عليه لقب «الأخ يونس».

هذه الشخصية لم يكن مجرّد حضور سردي، وإنما تمثّل رؤية كاملة للإيمان؛ إذ يظهر يونس بوصفه نموذجًا دينيًا مختلفًا، يرى أن القرب من الله لا يتحقق بالخشوع وحده، بل بالمرح والإنسانية:

«لم أرَ أحدًا شديد القرب من الله مثل الأخ يونس…

لم يكن ليصل إلى المكانة تلك عن طريق العبادة أو التأمل،

كان يضحك عاليًا، يملأ المدى بضحكته،

وكان ذلك هو القرب».

يتحوّل المسجد هنا إلى فضاء تعليمي مزدوج؛ إذ يتعلم الراوي من يونس مقامات الأذان مثل الصبا والعجم وغيرها، بينما يعلّمه الراوي قواعد اللغة العربية. لكن هذا التبادل يتجاوز البعد المعرفي ليصبح تبادلاً روحيًا، حيث يتحول الأذان من شعيرة إلى تجربة جمالية وروحية عميقة:

“أنا أخلط الصبا ونهاوند، أمزج الحزن والفرح معاً. أنت توقظ الناس من سباتهم وراحتهم. امزج. امزج مقامين أو ثلاثة، شوّق الناس للصلاة، ”بشّر المشائين في الظّلَم إلى المساجد“.

الأذان ليس كلمات بل بشارة. لحّن البشارة، ضع فيها كلّ موهبتك وقلبك…

ثم عاد إلى سخريته وقال: تظن أني اتفقت مع الديوك على إحراجك؟”

في هذا المقطع تتجلّى إحدى أهم أفكار الرواية الإيمان بوصفه فنًّا، لا منظومة تعليمية جامدة.

غير أن تجربة الراوي في المدينة تضعه أمام تعددية دينية حادّة؛ فبتأثير نصيحة أمه التي قالت له:

“إذا دخلت المدينة فلا تقل لا لأي شيء وإلا اكتشفوا أنك من القرية”

يجد نفسه متنقّلًا بين جماعات الدعوة والتبليغ، والإخوان المسلمين، والسلفيين، والصوفيين، وحتى أنشطة تبدو بعيدة عن التدين كرياضة الكونغ فو.

هذا التنقّل لا يُقدَّم بوصفه بحثًا معرفيًا بقدر ما هو محاولة لتأمين هوية في فضاء حضري قاسٍ.

يتجلّى التحوّل الديني في الرواية لا بوصفه انقلابًا حادًا، إنما كعملية كبت تدريجي للصوت الداخلي؛ الصوت الذي كان يضحك بدأ يتحول إلى صوت حذر، والنكتة التي كانت تقرّب من الله صارت احتمالًا للإثم.

حتى الأذان نفسه، ذلك الصوت الأعلى في المدينة، يصبح موضع شكّ.

يختصر الأخ يونس هذا القلق في رؤيته للقرآن حين يقول:

«القرآن كتاب بديع يا أخي، إمّا أن تتمعّن فيه وإمّا ترتّله؛ إذا رتّلته ضاع معناه، وإذا تمعّنت فيه ضاع صوتك».

تكشف هذه العبارة توتر العلاقة بين الصوت والمعنى، بين الجمال والعمق، وهو توتر يشكّل أحد المحاور الفلسفية الأساسية للرواية.

في القسم الثاني، تنهار «المنازل» الدينية المتعددة أمام جسد الجدّة المريض.

هنا تنتقل الرواية من فضاء الجماعة إلى فضاء الذاكرة العائلية، ومن المؤسسة إلى الحكاية الشعبية. فغرفة الجدّة لا تمثّل طريقًا دينيًا جديدًا، إنما هو  موقفً إنساني بسيط وغير مؤدلج.

الجدّة، بخرافاتها وحكاياتها وطقوسها العلاجية الشعبية، تطرح نموذجًا مختلفًا للإيمان، نموذجًا لا يدّعي الحقيقة المطلقة لكنه يمنح الإنسان طمأنينة عاطفية. حين تقول لحفيدها:

“أبوك رأس المال وأنت الربح. التاجر يحب الربح أكثر من رأس المال”

فإنها لا تقدّم حكمة اقتصادية بقدر ما تصوغ رؤية عاطفية للعلاقة بين الأجيال.

كما يظهر هذا البعد في مشهد لقائها بشيخ المتصوفة شمس الدين الأكبر، حين تربكه بسؤالها البسيط:

“أتعرِف أهل بيتك حقًا؟”

إنه سؤال يكشف هشاشة المعرفة الروحية حين تنفصل عن التجربة الإنسانية اليومية.

تغوص الرواية كذلك في صراعات النفس البشرية وشهواتها، عبر تصوير شفاف لعلاقة التدين بالرغبة، من خلال أحلام الراوي وخيالاته المرتبكة تجاه شخصيات نسائية متعددة، مثل زوجة الأستاذ نبيل أو ابنته، وكذلك ابنة شمس الدين، وهي مسارات تكشف هشاشة الإنسان المتدين حين يصطدم بطبيعته الجسدية.

أما على مستوى اللغة، فتُعد لغة الغفوري أحد أبرز عناصر قوة الرواية.

فهي لغة تجمع بين البساطة والتكثيف الدلالي، بين الشفوية والبعد الفلسفي، حيث تعتمد الجملة القصيرة الموحية. وتلعب السخرية دور أداة تفكيك معرفي، كما يظهر في قوله:

“تظن أني اتفقت مع الديوك على إحراجك؟”

وتبلغ الرواية ذروتها النقدية حين ترصد تحوّل الأخ يونس نفسه:

«سيحافظ على ضحكته تلك حين يصير اسمه أبا حذيفة السلفي، ثم ستصير ضحكة واطئة ومدروسة.»

فالتحوّل هنا لا يمسّ القناعة بقدر ما يمسّ الأداء الاجتماعي؛ إذ يسبق الاسم الجوهر، وتُهذَّب الضحكة قبل أن تتغير الفكرة. الرواية لا تدين هذا التحول، بل ترصده بدقة إنسانية باردة.

كما يستخدم الغفوري الفراغ السردي بوعي واضح، إذ يترك مساحات من الصمت وعدم الحسم، وكأن النص يرفض تقديم إجابات نهائية، ليظلّ سؤال الإيمان مفتوحًا.

رواية خمس منازل لله وغرفة لجدّتي تقدم سردية عن التدين كما يُعاش؛ عن الإيمان حين يمرّ عبر الصوت والمهنة والاسم، وحين يتحوّل من بشارة إلى نظام.

إنها رواية عن الطرق التي نتخيّل بها الله، وعن الأثمان الصغيرة التي ندفعها حين نختار طريقًا واحدًا ونغلق بقية النوافذ.

وربما تدرك الرواية، في جوهرها العميق، أن أخطر ما في اليقين ليس قسوته، بل جديّته المفرطة؛ وأن ضحكة واحدة، في توقيتها الصحيح، قد تكون أقرب إلى الله من ألف خطاب.

 

آفين حمو

43 مقال
شاعرة وكاتبة كردية سورية. صدر لها: عن الذئب الذي في قلبي    

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع