رمضان المسيحيّ: رحلة الغربة والتحولات الدينيّة

القسّ عيد صلاح

رواية “رمضان المسيحيّ” لعادل سعد، الصادرة عن دار الهلال عام 2015، تقع في 124 صفحة من القطع المتوسط، وتمثل تجربة سردية جريئة تعكس صراع الفرد والمجتمع في مواجهة التحولات الدينيّة والاجتماعيّة والثقافية. تدور أحداث الرواية حول رحلة مصريّ إلى اليونان، حيث تلتقي شخصيات متنوعة من مصر والحجاز وإيران وجنسيات أخرى، كل منهم يحمل تراثه وتاريخه وقصصه الخاصة. في هذا الفضاء الغريب، يصبح هؤلاء الأشخاص بلا أقنعة، بلا جدران اجتماعيّة تقيدهم، فتظهر دوافعهم وأخلاقياتهم بطريقة صريحة، تكشف عن أوجه الازدواجيّة التي يحملها الإنسان في أسمى صورها.

تناقش الرواية قضية التحول الديني بجرأة غير مسبوقة، من خلال شخصية “رمضان المسيحيّ” التي تصوّر التحول بوصفه فعلًا نفعيًا مرتبطًا بالمصالح الفردية أكثر من كونه قرارًا روحانيًا. يستخدم الكاتب هذه الشخصية لإظهار الأسباب التي تقود الإنسان إلى تغيير دينه، سواء كانت مادية أو اجتماعيّة أو مرتبطة بالضغط البيئيّ والثقافيّ، ليضع القارئ أمام سؤال فلسفيّ وأخلاقيّ حول الحرية والاختيار والهويّة الدينيّة في سياق الاغتراب.

إضافة إلى ذلك، ترصد الرواية وضع المصريين في الخارج، وتحديدًا في اليونان، حيث يواجهون صدمات حضاريّة وثقافيّة قوية، بالإضافة إلى مشكلات الإقامة غير الشرعيّة والتعامل مع قوانين الهجرة الصارمة. يقدم سعد هذا الواقع بمنظور نقديّ، لكنه لا يبالغ في تصوير المأساة، بل يربط بين التجربة الفردية والمجتمع المصريّ، في إشارة ضمنية إلى كيفية تأثير البيئة الجديدة على القيم والسلوكيات. المناخ الجديد للحرية، كما تبيّنه الرواية، لا يُستثمر غالبًا إلا في الرغبات الجنسيّة، ما يعكس جزءًا من التناقض الإنسانيّ والازدواجيّة الأخلاقيّة التي تتكشف عند الاختلاط بثقافات متعدّدة بعيدًا عن القيود المجتمعيّة التقليديّة.

نجحت الرواية، كما يبدو، في استثمار حرية الأدب في تناول موضوعات شائكة، قد يكون من الصعب عرضها في الواقع المباشر، سواء بسبب الحساسية الدينيّة أو القضايا الأخلاقيّة أو الموروث الاجتماعيّ. فالقلم الروائي هنا يعمل كمرآة صادقة تتيح للقراء الاطلاع على أبعاد النفس الإنسانيّة والاختلاف الثقافيّ والديناميكا الاجتماعيّة بين المصريّين والجاليات الأجنبيّة.

من الناحية الفنية، تتسم الرواية بالتركيز والاقتصاد في السرد، إذ لم يلتفت الكاتب إلى الحشو أو الاستطراد الطويل، بل وظَّف مساحة 124 صفحة بذكاء لتقديم تجربة إنسانية متكاملة، تجمع بين السفر المكانيّ والرحلة الداخلية للشخصية، وبين الصراع الفردي والهم الاجتماعيّ. كما أن تعدّد الشخصيات والخلفيات الثقافيّة والتاريخية يعزز من قدرة الرواية على رسم لوحة بشرية متنوعة، حيث تظهر التوترات والتحولات بطريقة طبيعية وغير مصطنعة، ما يضيف مصداقية وعمقًا للنصّ.

في الختام، يمكن القول إنَّ رواية “رمضان المسيحيّ” تمثل قراءة نقدية واجتماعية متقنة حول الإنسان في مواجهة الغربة والتحولات الدينيّة، وتعكس قدرة الأدب على تقديم ما لا يمكن للواقع أن يبوّبه بسهولة. الرواية تقدم نموذجًا متوازنًا للحرية الأدبية، حيث تعرض موضوعات حساسة بجرأة وصراحة، في الوقت الذي تحافظ فيه على الرؤية النقدية للهوية، والانتماء، والازدواجيّة الإنسانيّة التي تجعل النصّ غنيًا بالمعاني والدروس، وقادرًا على ترك أثر طويل لدى القارئ الباحث عن فهم أكثر عمقًا لتجارب المصريّين في الخارج وللتناقضات الأخلاقيّة والاجتماعيّة التي ترافقها.

من خلال شخصية رمضان المسيحيّ، تنكشف التحولات الدينيّة بوصفها انعكاسًا لتناقضات الإنسان، وللمصالح الفردية، وللضغوط البيئية والاجتماعية، ما يجعل الرواية لوحة صادقة للازدواجيّة الإنسانيّة في أسمى صورها. كما تُبرز الرواية محدوديّة الحرية في الواقع مقارنة بالحرية الأدبيّة، وما يمكن للأدب أن يقدمه من فضاء للحوار الصريح والتأمل النقديّ.

وفي هذا السياق، وفي الداخل، تختلف مع رواية “المهدي” لعبد الحكيم قاسم (1935-1990م)، الصادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، مكتبة الأسرة، سلسلة أدب، 2015م، التي ناقشت قضية التحول الدينيّ في سياق اجتماعيّ وسياسيّ مضطرب، حيث يظهر الفساد في مؤسَّسات السلطة واستغلال الحاجات الضرورية للحياة كعامل محرك لتغير المواقف والولاءات الدينيّة. يستعرض قاسم كيف تلعب الجماعات الدينيّة سلطة قوية على المجتمع، مستفيدة من ضعف الدولة وانشغالها بالسيطرة السياسيّة، لتفرض تأثيرها على الأفراد من خلال الإغراء الروحيّ والماديّ معًا. في هذا المناخ، يصبح التحول الدينيّ في الرواية ليس مجرد مسألة عقائديّة أو شخصية، بل نتاج ضغوط اقتصاديّة واجتماعيّة وسياسيّة مركبة، ما يجعل النصّ قراءة نقديّة حادة للعلاقة بين السلطة، الدين، والإنسان، ويكشف عن هشاشة الهوية الفردية حين تُستغل الظروف الصعبة للتغيير القسريّ أو النفعيّ.

في النهاية، تترك رواية رمضان المسيحيّ القارئ أمام سؤال جوهري: كيف تتشكل الهوية في الغربة، وما مدى تأثير التباين الثقافيّ والاجتماعيّ على قرارات الإنسان وأخلاقه؟ وتظل بذلك تجربة قراءة غنية بالمعاني والدروس، ونافذة على النفس الإنسانيّة في مواجهة التغيرات الدينيّة والاجتماعيّة.

في الختام، تؤكد رواية رمضان المسيحيّ: رحلة الغربة والتحولات الدينيّة لعادل سعد على قدرة الأدب على استكشاف ما هو محظور أو حساس في الواقع. فهي لا تروي رحلة مكانية فحسب، بل رحلة داخلية للفرد المصريّ في مواجهة الغربة، والاختلاف الثقافيّ، والصدمات الحضاريّة.

 

 

راعي الكنيسة الإنجيليّة بعين شمس، القاهرة. باحث في التراث العربيّ المسيحيّ

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع