رسالة ليست لطيفة للغاية

روبير فالزير

روبير فالزير

تقديم وترجمة: عثمان بن شقرون

تقديم:

تنتمي هذه الرسالة/النص إلى فترة برلين المحورية في مسيرة الأديب السويسري روبير فالزير (1878–1956)؛ وهي الحقبة التي شهدت نضج نثره القصير وتمرده الأسلوبي الهادئ والمخرب في آنٍ واحد. النص مقتطفٌ من مجموعته البديعة «طفل السعادة ونثريات أخرى من أجل برلين» (L’Enfant du bonheur et autres proses pour Berlin)، وهي المجموعة التي تجسد ذروة اشتباكه مع مظاهر الحياة البرجوازية الحديثة وسلوكياتها الاجتماعية.

يتخذ فالزير ، في هذا النص، من صيغة الرسالة قناعاً مراوغاً يتجاوز عتبة الخصوصية ليخاطب الجمهور مباشرة، متموضعاً في ذلك الهامش العصيِّ الذي يرفض تدجين الفنان أو تحويله إلى أداة للمجاملة الاجتماعية. عبر نبرة تتأرجح بين التهذيب الشكلي الصارم والبرود العاري، يضع الكاتب شروطه الخاصة للفن والوجود، مدافِعاً عن مهمته الفردية بكل ما تحمله من قسوة وجمال، في مواجهة ثقافة الاستهلاك والادعاء الثقافي البرجوازي. إنها مواجهة مفتوحة بين صمت الفنان الحذر، وصخب العالم الذي يحاول احتواءه.

ولا يفوتني أن أشير على كل حال، أن هذا التقديم لا يسعى أن يكون أكثر من فتح لسياق النص وإضاءة  أفقه العام، ولا ينصب نفسه حارسا يغلق معناه أو يثبت تأويلا وحيدا نهائيا، إذ يظل النص نفسه منفتحًا على تعدد إمكانات القراءة داخل لغته.

**

«رسالة ليست لطيفة للغاية»

لقد عاد الصَّمتُ الآن إلى بيتكِ، هكذا تكتبين لي، أيتها السَّيدة المحترمة، تماماً كما لو أنَّ ما سادَ خلال السَّاعات القليلة التي أقمْتُها عندكِ لم يكن الصَّمتَ، بل الصَّخبَ الأعظمَ. ومع ذلك، فقد كنا نتهامسُ، خائفَيْن، حَذرَيْن، بل بالأحرى خجولَين أحدُنا من الآخر. وفيمَ كان يتمثلُ حديثُنا، إن لم يكن، بالدرجة الأولى، في أننا كنا يتفرَّسُ الواحد الآخر في حالةٍ من الإرباك الممتد، وقد تملَّكنا جمودُ الدهشة والذهول؟ كانت تسقطُ كلمةٌ واحدةٌ في الدقيقة تقريباً، مجرَّد مقطعٍ لفظيٍّ، ربما، يُلْفَظُ في نَفَسٍ، أو صوتٍ كادَ لا يُسمَع.

ألم نكن ننتظر في كل لحظة وصولَ زوجكِ المحترم، أو اقتحامَه المفاجئ؟ وهل تكلّمتُ في بيتكِ، في غرفتكِ، حيث تفضّلتِ بأن تمنحيني متعة الجلوس قبالتكِ واستنشاق عطر ثوبكِ، على نحوٍ غير ذلك الذي يجعلني أرتجف بلا انقطاع خوفًا على انسجام شرفكِ وسموِّه، ذاك الشرف الذي لم تكوني أنتِ أيضًا تكفّين عن التفكير فيه؟ من حين لآخر، كانت مناظر طبيعية، لا أدري أين ولا متى لمحتها، تعود إلى ذاكرتي المتقدة بشدة. طبيعيٌّ أنني لا أدري أين يمكن أن تكون أفكارك قد شردت؛ أما أفكاري أنا، فلا يساورني أدنى شك فيما كنت تجرئين على فعله في صمت، وبقلق أسعدني إلى أقصى حد.

 لعلَّ فكرتكِ، وأنتِ بحضرتي، كانت أشبه بابتهاجٍ مشوبٍ بالشكوى، أو بنداء استغاثة. على أنني أعبّر عن نفسي على نحوٍ غريب حقًا! لقد سبقِ، منذ رسالتكِ الأولى اللطيفة جدًا، أن سميتني “نوركِ”، وذلك على نحوٍ لم أفهمه هكذا ببساطة، وهو الوصف نفسه الذي رأيتِ أنَّ من واجبكِ أن تُجامليني به في رسالتكِ الثانية أيضاً. هل لي أن أعترف لكِ بأنه، في رأيي، لا يليق على وجه الخصوص بسيدةٍ أن تُغدق كثيرًا من عبارات اللطف أكثر مما ينبغي على ممثلٍ الجنس القوي، وإن كنتُ، من جهةٍ أخرى، أفهمكِ تمام الفهم؛ إذ لا ريب أن إسباغ المديح أسرعُ سبيلًا، وأكثر راحةً، وأمتع من إبداء اللوم أو الاحتقار، أيًّا كان نوعه. غير أن فنَّ المجاملة الاجتماعية، يا سيدتي العزيزة، يقوم على ما قد تعلّمه المرء، في الجهد المحمود لبناء العلاقات، من ألا يُظهر مبالغة في التقدير ولا تبخيسًا له، وهذان التقديران كلاهما قد يصحّ، أستميحكِ عذرًا، أن يُقال إنهما من عاداتٍ تفوح منها رائحةُ شيءٍ يشبه قلّةَ التهذيب.

هل تعلمين أنكِ تمنحينني بالفعل انطباعًا بأنكِ ما زلتِ تتحسسين طريقكِ، إن جاز التعبير، في ضرب من ضروب الجهل؟ وإذا كنتُ أتحدث بكل هذه الصراحة، فلأنني لا أوجه هذه الرسالة إليكِ، وإنما هي موجَّهة إلى الجمهور، وهو ليس كيانًا بالغ الرهافة إلى حدّ يُخشى معه أن يتصدع غيظًا من كلماتٍ قد تبدو فظة بعض الشيء. وأحسب عددًا كبيرًا من النساء اللواتي يُظن أنهن مثقفات مفتقراتٍ إلى الثقافة على نحوٍ غير هيّن، ويبهجني حقًا أنني اهتديت أخيرًا إلى سبيل التعبير عما ظلّ راقدًا منذ زمنٍ طويل في وجداني أو في أعماقي.

أمّا الآن، كان كل شيء من حولكِ قد أوحش من جديد، واستبدّت بكِ رغبةٌ، ونزوعٌ لاَ كَبْحَ لَهُ، في أن تأتي إلى بيتي، وأن ترابطي أمام بابي؛ هذا ما رأيتِ من الحصافة أن تكتبيه إليّ، وهو بيان لم أسمح لنفسي حياله بأن تنقبض ولو عضلة واحدة من عضلات وجهي. أمّا هذا البيان، فكيف أقول… فقد اكتفيتُ بتفحصه بعينين واسعتين، كما لو كان يدهشني وكما لو كان من جنس اللوحات الفنية.

في الواقع، لا أحسبك امرأةً تعيسة، لستُ أراكِ على النحو الذي يبدو أنه يروق لكِ أن تظهري به في عَيْنَيَّ، مع أنني قد أكون، في هذا الصدد، مخطئًا، بل أرى أن من واجبي ألا أعتبركِ امرأة تعيسة، وإنما امرأة تشعر بشيء من الملل فحسب، وهو أمر لا يُعدّ خطيرًا بأي حال، كما أنك ستوافقينني الرأي. أكنتِ، ربما، ترغبين في أن تَسْتَدِرِّي عطفي؟ فإذا كان الأمر كذلك، فسأسمح لنفسي بأن أطلب منكِ العدول عن هذه المحاولة، لأنني، مثلًا، تناولتُ بالأمس طعامًا لم يُرضِني، ومع ذلك لم أشعر بأن توازني النفسي قد اختل، وهو ما يدلّكِ على مدى صعوبة إخراجي عن طبيعتي.

يبدو أن قصدك هو أن تبعثي في نفسي شيئًا من الشفقة تجاهكِ. وبما أنه لم تترددي في مناداتي «مؤتمن روحكِ»، فقد يكون لي، عندئذٍ، الحق في أن آخذكِ بعين الشفقة. غير أنه إن كان يروق لكِ ذلك، وإن كان يرضيك أن تظلي هناك منتصبة كنوعٍ من المتسوّلة أمام باب غرفتي، فيمكنكِ أن تفعلي ذلك طبعًا، في أي ساعة من ساعات النهار. وأُجيز لكِ أن تذرعي الشارع، الذي أسكنه، جيئةً وذهاباً طوال ليالٍ بأكملها؛ غير أنني لن أتأخر في حثك على ارتداء أدفأ ما يمكنكِ من ثيابٍ لأجل هذا الأمر، حتى لا تُصابي بالبرد.

رأيي هو أنَّ كلَّ شيءٍ مباح. ولذا، لا أجدُ في رغبتكِ بنيلِ لمسةٍ مني ما يُعدُّ غير لائق، بل أراهُ، ببساطة، ضرباً من قلة التبصُّر من جانبكِ. وسيكون من دواعي سروري لو أنكِ أوهمتِ نفسكِ فحسب بهذا الأمر، ثم عدلتِ عنه بعد شيء من التأمل وتخليت عن رومانسيّةٍ تبدو غير متوافقة مع واقعنا الحالي. وما سأضيفه هو أنني أعتبركِ امرأةً يفوق لطفها ورهافتها ورجاحة عقلها كلَّ حدّ، ورُوحاً أكثر رقةً بكثير من أن تكوني لي صديقةً أو رفيقة؛ لأنه قد يخطر في بالي يومًا أن أقودك معي إلى حيث يسعى الآخرون إلى الاحتيال عليَّ بكلِّ ما في الفنِّ من قواعد. ففي صحبتي، سيكون عليكِ في كثير من الأحيان أن تتحلّي بقدرٍ كبير من الصبر والجلَد، وسيكون من قلة اللباقة من جانبي أن أَفرضَ عليكِ أمراً كهذا.

ولِمَ لا تريدين أن تظلي تلك المرأة الصغيرة الطيبة التي أنتِ عليها بِكُلِّ لِيفَةٍ مِنْ أَلْيافِ كِيَانِكِ، ولِمَ تريدين أن تتوثقي صلتكِ أكثر برجلٍ سبق له أن عاش في غرفٍ كانت تتدلّى على جدرانها، ربما، صورةٌ ملوّنة رخيصة، يجثو فيها شخصٌ مأخوذ بالنشوة أمام آخر ساكنٍ، شفافٍ، إن جاز التعبير؛ رجلٍ يصنع لنفسه الأعداء في كل مكان، ثم لا يلبث أن يعود فجأة صديقًا لهم، وهو مشهدٌ من شأنه أن يثير أعصابكِ أكثر مما ينبغي.

يبدو أنني، في نظركِ، شيءٌ من قبيل القوي الذي يمارس جاذبيةً على امرأةٍ واهنة مثلكِ! ومع ذلك، يبدو أنكِ لا تعرفين الحياة حقًا؛ فما زلتِ، حتى الآن، لا تنظرين إلى هذا العالم إلا من مسافةٍ آمنة، في حين أن وجوهه اليومية مألوفةٌ لديّ، وأتخذ منها مجالًا للعب. أمَّا بالنسبة إليكِ، فلن يكون الأمر على هذا النحو. أحقًّا إن زوجكِ ذلك الشخص الذي لا يُطاق إلى هذا الحد، بحيث يمكن الاطمئنان إلى أن امرأةً غير متزوجة لن تلتفت إليه؟ فالغالب أنه لن يثير نفور سيدةٍ عزباء، إذا ما أُخذ كلُّ شيءٍ بعين الاعتبار.

فهل لي أن ألتمس منكِ أن تضعي في حسبانكِ أن لي مهمتي الخاصة جدًا، المخصوصة بي، الجميلة والقبيحة، اللطيفة والخشنة، وأنني، فوق كل شيء، أحب أن أبقى وفيًّا لنفسي؟ لقد أسرفتِ في إزعاجي، وأما فيما يتعلق بحياتكِ الزوجية، فاعلمي أنني أكون، مرةً واحدة على الأقل في الأسبوع، طرفًا فاعلًا أو منفعلًا في قضية غيرة. ولذلك فإن كل هذا لا يمثل بالنسبة إليَّ شيئًا جديدًا. أرجوكِ، ابقي بالنسبة إليَّ ذلك اللغز الدائم العصيَّ على الحل، الجدير بالاحترام، البرجوازي، وذريعةً متقطعةً للتفكير فحسب. إنكِ تمنحينني انطباع امرأةٍ تُضفي على نفسها من الأهمية أكثر مما يبدو أنه مشروع. ألا يجدر بكِ أن تتركي كاتب هذه السطور ينصرف بانجذابه إلى نساءٍ يتميزن بخصالٍ حقيقية لافتة، بدل أن تبذلي جهدكِ في التظاهر بالتميّز؟ الحقُّ أنَّ هذه رسالةٌ شجاعة، لأنها ليست لطيفةً للغاية.

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع