مصطفى النفيسي
صدرت للروائية والناقدة المصرية منال رضوان هذه السنة رواية تحت عنوان “سماء مغادرة”، وذلك عن دار الآن ناشرون بالأردن. وإذا كان العنوان هو عتبة للدخول إلى عالم النص فإننا نجد تلك الإحالة على التغير والحركة والالتباس. فكيف يمكن للسماء أن تغادر مكانها؟ هل هي إحدى المفارقات التي تريد الكاتبة أن تصدم بها القارئ منذ البداية أم هي مساحة للتأمل وأخذ الحذر؟! هل يمكن اعتبار هذا العنوان بمثابة نشرة مستعجلة ومختصرة عن النص الروائي الذي لن يقل مفارقة والتباسا عنه؟!
إن القراءة الأولى للرواية تمنحنا القدرة على الاكتشاف بأنها تمتلئ بالارتحالات بين الأمكنة؛ فمن كزان إلى هراة، ومن هراة إلى القاهرة، ومن القاهرة إلى السليمانية، ومن السليمانية إلى طهران، ومن طهران إلى موسكو. إنه الترحال الذي يصبح تيها. في الصفحة 9 من الرواية نجدها تقول: “في الحروب لا تمطر السماء جمارها، لكن القلوب تفعل أيضا”. ولذلك فإن السماء التي ترمز عادة للخصوبة والسعادة من خلال الشمس والمطر تصبح رمزا للألم والتشظي الإنساني. ولكن هل يمكن أن تتيه السماء؟ وإلى أين ستذهب؟ هل يمكن للكون أن يكون بدون سقف؟ هل يعني ذلك أن البشرية ستفقد الغطاء الذي سيجعلها تصبح لقمة سائغة بين فكي القلق والخذلان؟ هل تلك علامة بأن الوجود الإنساني سيفقد أحد ثوابته التقليدية: السماء كمبدأ من مبادئ الوجود؟ هل يعني ذلك أيضا اختلاط الحابل بالنابل والارتكان للفوضى بما أن السماء هي بشكل ما ذلك الفاصل بين عالمين: عالم ما فوق القمر وعالم ما تحت القمر. الأول ثابت والثاني متغير: الأرض؛ الأول سرمدي يتكون من عنصر الأثير وكامل والثاني ناقص. وبالاستناد إلى التقسيم السابق فالأرض متغيرة والسماء ثابتة. هل يتعلق الأمر إذن بمفارقة ما تحتويها الرواية؟!
إذا أردنا تفكيك العنوان أكثر سنجد صدى له في متن الرواية: “فظهرت رسالة مؤرخة من عامين عنوانها: حين يغادر الحب سماءه الأولى(ص19)، وتضيف الكاتبة قائلة في نفس الصفحة:” السماء فوق المدينة القديمة رمادية، ترى أتفكر في الرحيل هي الأخرى؟”.
أليست الرواية بشكل عام هي حكاية بشكل ما؟
لكن الحكايات في كل مكان. في قلب كل منزل نجد ألف حكاية تحكيها الجدات ومعهن العمات والخالات. فالسرد كان رفيقا للإنسان. كان مؤنسا له. لقد سرد الإنسان الحكايات ليقلل من قسوة الطبيعة ومن اغترابه في الزمان والمكان. كان السرد إذن من أجل تضليل الطبيعة والزمان معا، كما كان من أجل الفهم أيضا؛ فهم الطبيعة وفهم مآل الإنسان. ولكن هل رواية “سماء مغادرة” هي مجرد حكاية؟!
إنها ليست حكاية بالمعنى التقليدي. وحتى إذا أصررنا على اعتبارها كذلك فهي ستكون بمثابة الحكاية – المتاهة. وهنا نستحضر مقولة ميلان كونديرا معرفا الرواية بشكل عام بأنها:”الشكل النثري العظيم الذي فيه المؤلف يستكشف على نحو شامل، بواسطة ذوات (شخصيات) تجريبية، بعض تيمات الوجود العظيمة”. ويضيف قائلا في كتابه ” فن الرواية: “الرواية هي تأمل في الوجود كما يُرى من خلال وسط الشخصيات المتخيلة”.
إن هذا ما نجده عند شوبنهاور، والذي اعتبر أن الإنسان كائن ميتافيزيقي لأنه يفكر في ماوارء واقعه؛ وهو مت يعني أنه يفكر في مآل وجوده. أليس هذا ماقصده جان بول سارتر في كتابه “ما الأدب؟” حينما قال:”أحد الدواعي الأساسية للخلق الفني يتمثل حقا في حاجتنا إلى الشعور بأننا ضروريون بالإضافة إلى العالم”. العالم الواحد لا يكفي. إنه بدون قيمة إذا لم نضف إليه الكثير من الكلمات والمعاني. سيبدو العالم نحيفا وبدون تفاصيل إذا لم نضف إليه زخما من المعاني. هذا يعني أن نخلق عالما موازيا له هو “العالم المكتوب” على حد تعبير الحاذق إيتالو كالفينو الذي قسم العالم إلى قسمين: عالم مكتوب وعالم غيرمكتوب؛ عالم مكتوب تجسده الكلمات وعالم غير مكتوب تجده الأشياء المحيطة بالإنسان؛ وهو ما أشار إليه في محاضرته الشهيرة “عالم مكتوب وعالم غير مكتوب”، والتي ألقاها سنة 1983.
نكتب كي نقضي على الصمت. نكتب كي نجد الحقيقة. نكتب كي ننقل الحقيقة من شكلها الخام والغامض إلى شكل مفهوم. يتم ذلك طبعا من خلال الكلمات التي تحارب البياضات و الالتباسات التي ينطوي عليها الواقع.
إن أهم خلاصة نخرج بها من قراءة رواية :”سماء مغادرة” للروائية والناقدة المصرية منال رضوان هي أنها تبحث عن حقيقة ما. تبحث عن معنى ما؛ ذلك المعنى الذي يختصر الفقد و لوعة الحب والصبر والتفاني والإخلاص ثم الفضيلة. كيف تصنع الفضيلة؟ كيف يتم لنا أن نصبح فضلاء أو على الأصح كيف نضيع الطريق إلى الفضيلة؟!
لكن كيف سنقرأ رواية “سماء مغادرة” للروائية المصرية منال رضوان؟
يجب أن نستعين في نظري بالتمييز الذي أقامه أمبرتو إيكو بين القارئ النموذجي والمؤلف النموذجي في كتابه ” ست نزهات في غابة السرد” بحيث يكون القارئ النموذجي ذلك الذي يمتلك طرقا مختلفة للتأويل: “فهذا القارئ قد يقرأ بطرق مختلفة، فلا وجود لقانون معين يفرض عليه طريقة معينة في القراءة، وعادة ما يتخذ النثر وعاء لأصواته الخاصة”. وهذا ما يجده القارئ أمامه حينما يقرأ هاته الرواية التي تشبه متاهة سردية، بحيث تختصر عبارة أمبرتو إيكو: “غابة السرد”. إنها مليئة بذلك التكثيف الذي يوقع القارئ في مأزق تأليف جديد ربما سيسفر عن روايته الشخصية التي لا يعتبر المؤلف مسؤولا عنها مثلما يؤكد على ذلك أمبرتو إيكو.أما المؤلف النموذجي فهو الذي يمنح لقارئه توجيهات هي عبارة عن إشارات ملتبسة نحتمل أكثر من تأويل.
يطرح أمبرتو إيكو في كتابه سابق الذكر سؤالا عميقا:”هل بإمكاننا تصور المؤلف باعتباره شخصية فعلية تكتب قصته؟”. إن القراءة الأولى لا تكفي القارئ النموذجي. لذلك يجب أن تكون هناك قراءات متتالية ومحببة لدى إيكو حتى نكتشف الفخ السردي الذي سيقع فيه القارئ لهاته الرواية العميقة التي تخترق ثلاثة أزمنة: زمان النبي يوسف رفقة زليخة؛ زمان المتصوف الإيراني الشهير عبد الرحمن جامي، وزمان البطلة ( بحثت طيلة قراءاتي المتعددة للرواية عن اسم البطلة، فلم أجد له أي أثر) رفقة يوسف ونبيل وكريم حسان، بحيث يحدث ذلك وفق تنويعة تنساب بشكل سلس، وأحيانا بشكل مربك يقتضي الكثير من الاحتياط وأخذ الحذر حتى لا يتم الوقوع في هاوية سوء الفهم، وإن كان الالتباس هو عنوان الرواية الذي يصنع سحرها الذي يفتح باب التأويل، والذي لا يغلق أبدا طيلة فصولها.
جدير بالذكر أن الكاتبة أمل رضوان تدبج ثلاث قصص من أزمنة مختلفة من خلال تقنية السرد الموازي: قصة البطلة مع نبيل، يوسف، وكريم حسان، و قصة النبي يوسف وزليخة التي راودته عن نفسه و قصة عبد الرحمن جامي المتصوف الإيراني الشهير مؤلف كتاب:”يوسف وزليخة رؤية فلسفية صوفية”. ففي الصفحة 15 تسترسل الكاتبة في الحديث عن عبد الرحمن جامي ذاكرة سيرته وكتبه التي ألفها وأشعاره التي كتبها، كما تقول في الصفحة27:”افترش جامي الأرض وحيدا عقب انصراف ولده”، وتضيف قائلة:” في تلك الليلة كان يكتب سطورا متقطعة على رق قديم”. وفي الصفحة 18 تسترسل في الحديث عن نبيل المغترب في موسكو، وفي الصفحة57 نجدها تقول عن يوسف:”هي تعرف أن يوسف أصغر منها بثلاث
عشرة سنة… لكنه كان يراها في عينيه أمنيته”، لتصل إلى قصة عشقها لكريم حسان في الصفحة97 قائلة: “تحاول أن ترسم الآن ملامحه في ذهنها…كان كريم حسان زميلها الجامعي رجلا شديد الوسامة”.
وفي الصفحة43 يتغير زمان الحكي ليتحول مسار السرد إلى النبي يوسف، إذ تقول:” لم تكن الليلة الأولى لسجن يوسف ليلة عادية في قصر العزيز”. لذلك هناك ذلك التداخل الذي يجعل الرواية تتمدد وتشمل حقب زمنية مختلفة. فبخصوص حب زليخة للنبي يوسف نجدها تقول على لسان زليخة:” اكتبيني كما رأيتني وكما أخبرك جامي”. هل هي حكاية تقليدية إذن؟ وهل هي حكاية زليخة مع النبي يوسف المذكورة في القرآن الكريم؟ أم هي حكاية عشق عبد الرحمن جامي لزليخة؟!
إن الجواب يكمن في طبيعة الرواية نفسها التي لا يمكن تصنيفها ضمن الروايات الكلاسيكية بل هي رواية تقع ضمن ما يعرف بالرواية الجديدة التي تبدأ مع مارسيل بروست و صمويل بيكيت فيما بعد. ولكنها ظهرت بشكل أساسي مع كلود سيمون وألان روب غرييه ونتالي ساروت وميشيل بوتور؛ تلك الرواية التي لا تبتغي إعادة إنتاج العالم بل تريد تكسير شكل الحكاية الخطية التقليدية وخلخلة الوجود وخلق علاقات جديدة إضافة إلى الوقوف على الجوانب الخفية للواقع. وهذا ما فعلته الروائية المصرية منال رضوان من خلال ما يسمى بالسرد الموازي موظفة أكثر من حكاية، بحيث هناك أكثرمن قصة عشق، والتي تتم في أزمنة مختلفة. فالبطلة نفسها تبدو موزعة بين ثلات علاقات مبطنة بالعشق المضمر أو الظاهر. وهنا يمكن أن نشير الى أن الكتابة السردية في الرواية الجديدة هي بحث دائب عن أدوات تمكن الأديب وتزيد من قدراته على التعبير عن علاقة الإنسان بواقعه المتغير المستجد. وبهذا المعنى فإن التجديد في الأدب هو حيازة جمالية للعالم أو البحث عن عالم أفضل.
وفي هذا الصدد نجد رولان بارت يمبز بين نوعين من النصوص : النص المقروء والنص المكتوب. فإذا كان النص الأول موجه نحو القارئ السلبي الذي يتتبع المسار التقليدي للحكاية التي تنطوي على رسالة محددة، بحيث يقوم المؤلف بتقديم الواقع كما هو، فإن النص المكتوب هو النص الذي ينفتح على أكثر من تأويل. وكل تأويل هو مجرد فهم قابل للتغيىر والتغير، حيث يشارك القارئ في إنتاج النص ويتحول من قارئ سلبي إلى قارئ إيجابي فاعل داخل النص. و أعتقد أن رواية “سماء مغادرة” للروائية المصرية منال رضوان يمكن تصنيفها في خانة النص المكتوب المفتوح على كل الاحتمالات، بحيث كل قارئ سيكتب نصه الشخصي في مخيلته خالقا عوالم جديدة تخصه وتجعله يفكك الواقع مثلما يفكك النص إلى كلمات أخرى ومعاني أخرى.
يجب أن نضيف أن الروائية منال رضوان قد اعتمدت في روايتها على تقنية النص الموازي. ذلك أنها وضعت لكل فصل من فصول الرواية الستة عشر مفتتحا أو عتبة هي عبارة عن مقتطف من عدة كتب هي على التوالي: (710 مثنوي يوسف وزليخة – عبد الرحمن جامي، ترجمة عبد العزيز بقوش – م.ق.ت// مثنوي سلسلة الذهب // شعر العجم: شبلي النعماني الهندي، ترجمة جلال السعيد الحفناوي.م.ق.ت// سعدي الشيرازي: شعر العجم من جمال إسماعيل حتى جامي// ديوان شمس، جلال الدين الرومي، د. إبراهيم الدسوقي شتا.ط 4.م.ق.ت. أما الفصل الثامن (ص52) فجاء مفتتحه عبارة عن مقتطف من خاطرة من خواطر المؤلفة الذي تقول فيه:” بين ذراعي المعشوق، إن تبين العاشق طمعا للسعادة أو الألم، فإنه لم يعشق بعد”. وتلعب هاته المفتتحات دورا أساسيا في تقوية النص وإغنائه. وإذا أردنا أن نفهم معنى النص الموازي paratexte، فنحن نجد أن كلمة para تشير إلى المماثلة والمساواة والملاءمة في حين كلمة texte تشير إلى النص. هذا يعني أن النص الموازي لا يقل قيمة عن محتوى الفصل الذي استهل به. وهذا ما يقول به جيرار جنيت ، والذي يعرفه قائلا بأنه ” ما يحيط بالكتاب من سياج أولي وعتبات بصرية ولغوية”. وهو عند الناقد والروائي المغربي محمد برادة: ” تلك العناصر الموجودة على حدود النص، داخله وخارجه في آن. تتداخل معه إلى درجة تعيين استقلاليته”. كما أن هاته النصوص الموازية، وبما أنها عتبات للقراءة فهي تصبح بمثابة شروط، إذ مثلما لا يمكن أن أن ندخل إلى المنزل دون المرور بعتبته أي بابه، فلا يمكن الولوج إلى النص الروائي دون قراءة متأنية لهاته المفتتحات. يضيف جيرار جينيت في هذا الصدد موطدا معنى النص الموازي قائلا: “هو ما يجعل من النص كتابا يقترح نفسه على قرائه أو بصفة عامة على الجمهور، فهو أكثر من جدار ذو حدود متماسكة، نقصد به هنا تلك العتبة، بتعبير بورخيس البهو الذي يسمح لكل منا دخوله أو الرجوع منه”. لذلك نجد كل مفتتح هو نص بحد ذاته في رواية “سماء مغادرة”.
وماذا عن اللغة؟ماذا عن جسد الرواية تحديدا؟
لقد اعتبرت نتالي ساروت في كتابها الشهير “عصر الشك” اللغة مسألة أساسية في الرواية الجديدة. فليس كل حكاية مبتذلة ستعتبر عملا أدبيا. لذلك نجد الروائية المصرية منال رضوان تعتمد لغة شفافة وطازجة كفاكهة لذيذة وندية في عز الصيف، فهي تقول مثلا في الصفحة 11:” توقفت اللحظة كنبوءة تأخرت كثيرا عن موعدها”، مثلما تقول في نفس الصفحة:” السماء تسدل رمادها، والوجوه تتبدد تشبه أطيافا تفر من كابوس غاضب”، وأيضا في الصفحة 18:” السماء تئن بين محاق مبتسر ومطر معلق!! لكن مطرا داخليا كان يتساقط على روحي من دون توقف”. كما نجدها تقول في الصفحة109:” في مكان آخر يقترب إلى هنا، في وقت لا انتماء له”. وتقسم نتالي ساروت الرواية إلى قسمين: الرواية السيكولوجية التي يمثلها ديستوفسكي ورواية الموقف التي يجسدها كافكا. ومثلما استفادت ساروت من التوجهين، فقد سارت الروائية منال رضوان على نفس النهج. فرواية ” سماء مغادرة” لا تخلو من تلك الانفعالات التي تسبق المواقف. وإذا أردنا أن نكون أكثر دقة فنتالي ساروت تبنت خط الرواية الميكروسكوبية، وهي تلك التي تمسك بتلابيب الحركات الفاعلة السابقة عن الانفعالات . وعلى غرار ساروت مرة أخرى نجد صعوبة في الإقرار بوجود البطل الواحد في رواية “سماء مغادرة”: هل هو البطلة أم نبيل أم يوسف أم كريم حسان أم النبي يوسف وزليخة أم هو عبد الرحمن جامي المتصوف الإيراني الشهير؟!
وماذا عن الحدث الرئيسي في رواية “سماء مغادرة”؟ إن الحدث الرئيسي الذي هو العشق سواء بمعناه الصوفي أو معناه الواقعي يصبح بمثابة مطية للذهاب إلى أماكن قاصية ودانية(طهران، القاهرة،موسكو، الإسكندرية، كزان، السليمانية، هراة). وهذا هو عمق الرواية عند الفرنسي كلود سيمون مثلما هو الأمر في روايته ” ظل الريح” أو “حديقة النباتات”، وأيضا” طريق فلاندرا”، حيث يكون ذلك الإمتداد الأخطبوطي المربك والملتبس الذي يذهب إلى تيمات ثانوية والاستعانة ببيئات وأزمنة مختلفة (زمان البطلة رفقة نبيل ويوسف وكريم حسان و زمان عبد الرحمن جامي المؤلف ليوسف وزليخة رؤية صوفية ثم زمان زليخة التي هامت عشقا بالنبي يوسف ). وهي تداعيات تحول كما قلنا القارئ من مستقبل سلبي إلى فاعل إيجابي. وإذا كان كلود سيمون شاهدا على فوضى العالم من خلال مشاركته في الحرب العالم الثانية ومعاينته لها فإن الروائية منال رضوان هي الأخرى شاهدة على فوضى أخرى ذات طابع معاصر تجعل من الواقع ملتبسا تكتنفه الحروب والصعود والنزول للقيم الأخلاقية، إذ تقول في الصفحة 10:” سرعان ما شقت الأبواق سكون المدينة، صفارات الإنذار تملأ المقاهي التي تبث الضربات الإسرائيلية منذ فجر اليوم”. فالرواية بشكل عام هي امتحان غامض ومقلق للقارئ في درس الأخلاق مثلما تم تحديد مبادئه مع النبي يوسف في قصته مع زليخة، ومن خلال عبد الرحمن جامي في تصوفه، وهذا ما تم إعلانه على لسان البطلة في الصفحة15:” أطروحتي كانت حول الصبر في المفهوم الصوفي: يوسف وزليخة لجامي نموذجا”، ثم من خلال علاقات البطلة المتعددة وغير الثابتة والتي تشير إلى التشظي الذي يعيشه الإنسان المعاصر والفوضى التي تكتنف حياته انطلاقا من وسائل التواصل المتاحة ووصولا إلى انعدام المعنى والإحساس بالقلق والخذلان. وهذا ما ظهر بشكل مستمر طيلة فصول الرواية حيث تبدو البطلة مضطربة وغير قادرة على تحديد مصيرها أو ماذا تريده تحديدا نتيجة الضغوط التي تعيشها، والتي هي جزء مما يعانيه الإنسان المعاصر. كما أن الواقع أصبح ملتبسا وحربائيا، هي نفس الضغوطات التي عبرت عنها الكاتبة الإيرانية آذر نفيسي في روايتها الشهيرة ” أن تقرأ لوليتا في طهران”. وإذا عدنا إلى كلود سيمون سنجد أنه قلق جدا بخصوص القالب الذي يجب أن نضع فيه الرواية الجديدة، وهل يمكن أولا ان يكون لها قالب؟
إن الرواية عند كلود سيمون تتأثر ببروست وفوكنر مثلما بدت أيضا بشكل واضح في رواية ” سماء مغادرة”، إذ هي عبارة عن نسيج متحرك ومحبوك تتخلله فراغات ويتسع للخواطروالمونولوجات.
وإذا كنا سنكون أكثر احتراسا في تشريح الرواية، فيجب أن نستحضر تعريف الكتابة عند جاك دريدا رائد المدرسة التفكيكية، و الذي يرى أن الأسبقية تكون للكتابة على اللفظ. والكتابة عند دريدا لا تعني الكتابة بمفهومها المألوف الذي يرى فيها مجرد تصوير وتمثيل للأصوات المنطوقة.
ونختم هذا المقترب بالإشارة إلى أحد المجددين الأساسيين لبنية الرواية و أغراضها وهو الروائي ميلان كونديرا الذي قال في يوم من الأيام ممتعضا من الروايات التقليدية التي يعتبرها مجرد رويات سطحية:”أشعر بالأسى لأن أغلب الروايات المكتوبة هي ممتثلة أكثر، مما ينبغي لقوانين وحدة الحدث. ما أعني أن أقوله هو أن في لبّ رواياتهم ثمة سلسلة واحدة من الفعل والأحداث المتصلة على نحو سببي. هذه الروايات أشبه بشارع ضيق فيه شخص يسوق شخصياته بالسوط. التوتر الدرامي هو اللعنة الحقيقية التي تصيب الرواية، لأنه يحوّل كل شيء، حتى الصفحات الأكثر جمالاً، حتى المشاهد والملاحظات الأكثر إدهاشاً، إلى مجرد خطوات تفضي إلى الموطن النهائي لانحلال العقدة (..) لا ينبغي للرواية أن تكون سباقاً بالدراجات بل عيداً ذا مسالك عديدة». وهذا ماتجنبت الوقوع فيه الروائية منال رضوان بحيث تمنحنا قراءة روايتها “سماء مغادرة” مساحة للتأمل وإعادة فهم للذات الإنسانية والمسارب والكواليس التي تكتنفها بحيث طرحت الأسئلة الوجودية والأخلاقية القديمة مانحة إياها قالبا جديدا مبتعدة أشد الابتعاد عن تتبع مسار واحد لتبين فك عقدة النص أو رسم صورة نمطية للواقع مستحضرة الصور النموذجية التي كانت عليها العلاقات والأنفس الإنسانية في أزمنة وأمكنة متعددة. ونختم بمقولة أخرى لميلان كونديرا معرفا فيها روح الرواية:”روح الرواية هي روح التعقيد.. روح الرواية هي روح الترابط.. شيء تحقّق ليدوم، ليربط الماضي بالحاضر».
وتبقى الأسئلة المطروحة هي: هل البطلة هي زليخة؟ وهل تزوج يوسف زليخة حينما شاخت معيدا لها شبابها؟ وهل هام عبد الرحمن جامي هو الآخر بزليخة؟!وهل هاته الرواية هي محاولة لترميم تشظي ذات البطلة أم هي مجرد اعتراف به كعلامة على استكانة الإنسان المعاصر لواقعه الملتبس والغامض؟!
……………….
* كاتب مغربي



















