د. وليد غالي: الواحة مكانٌ خصب لتفجير الإبداع

وليد غالي

حاوره: صبري الموجي

لم تُنسه بلادُ الغرب مجتمع الواحة بفطرته وعفويته وتلقائيته، التي وشَّجت العلاقة بين أفراده، فانصهر الكلُّ في بوتقة سياجُها الحب والأخوة والتعاون. على خشبة مسرح أحداث المجتمع الواحاتي، لعبت المرأة دور البطل، فوقفت مع الرجل يدا بيد في تحمل أعباء المعيشة. تفتحت عينُه في ذلك المجتمع شديد الخصوصية والتفرد على قيم ظلّت له معالم طريق، وتغلب بها على برودة المشاعر والأحاسيس في بلاد الغرب، التي اشتد فيها حنينه لعالم الواحة بجوه الصحو، وشمسه الصافية، ودفئه الأسري، فصاغ يراعُه أعمالا تكشف خصوصية هذا العالم وطقوسه، فكانت روايتُه «شفرة الدرويش»، ومجموعاته القصصية «حارس البئر» و «الهنداو»، و«الواحات – مصر» أهم مفاتيح الدخول إلى هذا العالم الساحر.

يرى أنّ المكان «مفرخة» الإبداع، وأن الإبداع في الواحة يتجاوز الطبيعة إلى البشر، خاصة المرأة الواحاتية. يؤكد أنّ كتابته عن الواحة نوعٌ من ردِّ الجميل، ويُفرّق بين الحكاية والأسطورة. يحتفي كثيرا بالتراث، ويرى أن من لا يرعى تراثه وماضيه، يفقد حاضره ومستقبله. يقول إن التصوف الحقيقي لا يتعارض مع مقاصد الشرع، ولديه مشروع عن المجدد محمد عبده، سيكشف فيه كثيرا من عالمه المجهول .. مع المبدع الأكاديمي د. وليد غالي أستاذ الدراسات العربية الإسلامية بالمملكة المتحدة، يدور الحوار التالي.

يزخر مجتمعُ الواحة بموروث شعبي قادر على استنطاق المبدعين .. حدثنا عن هذا الموروث وأنواعه؟

الواحات مثلُ أىِّ مكان في العالم وفي مصر لها موروثها الشعبي المتمثل في عادات وتقاليد وفلكلور وغيره. خصوصية المكان في الواحات متمثلة في نسيجها البشري. عائلات وقبائل انصهرت في بعضها من آلاف السنين، وكوَّنوا حالة بشرية منسجمة، لا صعايدة ولا بحراوية ولا نوبة ولا سواحلية، تستطيع أن تقول “واحاتية”.

النشأة في وسط هذا الجمال المكاني والبشري طبعا محفز للإبداع. رأيت الإبداع في كل شيء في الواحات، ليس الطبيعة وحسب، بل كل إنسان: جدتي التي تغني لنا كل يوم أغاني تراثية لم نكن نفهمها، الفلاحون في الحقول وهم يرصُّون النخيل، ويقلموا النخلة وينظفوا القنيان، كلهم مبدعون مخلصون في عملهم، المدرس في المدرسة وهو يتفنن في التدريس، وتوصيل المعلومات، لم يكن يهتم وقتها للتفتيش أو تعبئة كشكول التحضير، بل كان يستمتع بعملية التدريس وكانت عيناه تلمعان عندما يتفوق أحد تلاميذه عليه. كلُّ هذا إبداع يحفز عندك التفكير والخيال والكتابة والقراءة، فأنا فعلا مدينٌ للواحات.

من أهم عوامل تفجير الإبداع (المكان) .. نودُّ معرفة دور المكان وأثره في تجربتك الإبداعية؟

المكان مكونٌ أساسي في وجدان وهوية أىِّ إنسان، لو أنت محظوظ يكون المكان محفزا إيجابيا لك. الواحات فعلا جزء من تكويني الثقافي والإبداعي، لم أتعرف على هذا الجانب إلا بعد أن سافرتُ إلى المملكة المتحدة للعمل كأستاذ للدراسات العربية والإسلامية. هناك وربما بسبب برودة الحياة، تفجَّرت الواحات مرة أخرى داخلي لتبعث حنينا صوَّرتُه في مجموعات قصصية اسمها «طرف من سيرة الصحراء». وشعرت وقتها بأن هناك واجبا أحببت أن أؤديه تجاه الواحات ولأهلها . وبسبب لقائي مع أشخاص من جنسيات أخرى خلال أسفاري، عرفتُ أن الواحات كنز ثقافي . نحن لا نختلف عن الآخرين، بل لدينا ما نفخر به، ومن ثم تركيزي على الواحات سواء في الأعمال الأدبية أو الأكاديمية.

تكثر بالواحات مقامات وأضرحة الأولياء الذين حيكت حولهم أساطير توافقت مع الحياة البدائية القديمة .. فهل مازال لتلك الأساطير رونقها في ظلِّ المدنية الحديثة؟

نعم ما زال لتلك الحكايات، ولا أقول أساطير، وقعٌ في نفوس الناس لاسيما الجيل القديم، والفرق بين الحكاية والأساطير كبير، فتعريف الأسطورة بوصفها بنيةً سردية رمزية تنشأ داخل جماعة بشرية لتفسير أصول الكون والإنسان والنظام الاجتماعي، لكنها وفق التحليل البنيوي عند «كلود ليفي- ستروس» ليست مجرد حكاية ذات مضمون ميتافيزيقي، بل هي نظامٌ دلالي يعمل وفق بنية داخلية من العلاقات، والتقابلات الثنائية (كالطبيعة، الثقافة، الحياة، الموت). فالمعنى في الأسطورة لا يكمن في عناصرها المفردة، بل في شبكة العلاقات التي تربط هذه العناصر ببعضها داخل نسق سردي متكرر عبر ثقافات مختلفة. ومن ثمّ، فإن وظيفة الأسطورة لا تقتصر على تفسير الظواهر، بل تتمثل في معالجة التناقضات البنيوية الكامنة في التفكير الإنساني، وإعادة تنظيمها ضمن صيغة رمزية قابلة للفهم الجمعي. بهذا المعنى، تصبح الأسطورة شكلًا من أشكال التفكير المنظم، لا أدنى من التفكير العلمي، بل مختلف عنه في أدواته وبنيته.

أمَّا الحكاية فهي امتزاج جزء من الواقع مع الماضي، ثم يلعب الخيالُ دوره في نسج شخصياتها وأحداثها . في إحدى زياراتي الميدانية، قال لي أحدهم: «ما سأقصه عليك رأيته بعيني لا سمعته بأذني»، ثم بدأ يسرد حكايات عن رجال صالحين أطهار من قريته وبعض من كراماتهم . ليس لي إلا أن أصدقه ولا أنكر عليه ما يقوله، فالحياة مملوءة بالصالحين والقديسين وأهل الله.

الأضرحة في الواحات ليست شواهد قبور، ولا مقامات عادية، إنما مكان مملوء بالذكريات والحياة اليومية . فالنَّاس يفرُّون من قيظ الصيف إلى تلك الأضرحة ليستريحوا، ويشربوا من الأسبلة الملحقة بها . الجدود يتذكرون ليالي الذكر التي كانوا يقيمونها في هذه الأضرحة، وليالي الدعاء والتضرع إلى الله، ومشاركة الطعام والأفراح والأتراح.

نعم تغير الوضع الآن مع الحياة السريعة، وانقطاع الوصل بين القديم والحديث، والتفاعل بين الأجيال؛ لذا أعمل الآن على دراسة أكاديمية لتحليل هذه الظواهر الاجتماعية كمحاولة للحفاظ على التراث الشفهي.

يتضح في الواحات دور المرأة في تسيير سفينة الحياة مع الرجل .. حدثنا عن صور هذه المشاركة .. ورأيك في الصوت النسائي المُطالِب مؤخرا بزيادة سقف حرية المرأة؟

لا أعرف عن أىِّ حرية يتحدثون أو يطالبون، على الأقل أنا نشأت في بيئة المرأة تتحرك بحرية، وتعمل جنبا إلى جنب مع زوجها أو أخيها في الغيط أو في وظيفة حكومية . كانت جدَّتي تفكر كثيرا في تطوير حياتنا، وتقترح على والدي وعمي فينفذان . أمي لها شخصية مستقلة منذ وطئت قدمُها الواحات، فقد ساعدت كثيرا من النساء أن يتغيرن للأحسن . على مدى خمسين سنة، تحولت أمي من سيدة قاهرية إلى سيدة واحاتيَّة، أسهمت في تطوير بيوت كثيرة في القرية، فعلَّمت نساءها أشياء جديدة، وساعدتهن على تطوير أنفسهن وبيوتهن . لم يزل الناسُ حتى اليوم رجالا ونساء يمتنون لما صنَعته، ولم يتهمها أحد بالتحرر، ولم يقمع حريتها أحد.

قد يبدو هذا الكلام عاما ومثاليا، فأقول إنّ لكل قاعدة شواذ، وقد شهدتُ بعض الحالات، التي تجرَّدت فيها المرأة من حق في الميراث أو في اختيار مسار التعليم، ولكنها كانت حالات قليلة جدا . وما أعرفه أنَّ اللواتي تعرضن لهذا وقفن سنداً لبناتهن ليتعلمن ويخترن حياتهن بأنفسهن، وأصبح عندنا جيلٌ الآن من السيدات في مناصب القيادة السياسية والعلمية، وعلى رأسهن محافظ الوادي الجديد.

وأنا في الأصل مدينٌ لكل امرأة واحاتية، بل أفتقدهن كثيراً كأمهات وعمات وخالات وصديقات، ومن ثم تجدهن في قلب كل كتاباتي، ففي المجموعة القصصية «حارس البئر» تحدثت عنهن، ومنذ ذلك الوقت، بدأت تشكل هذه المجموعة من النساء جزءا أصيلا من وجدان هذا الحارس ومشاعره، التي تفيض بالامتنان، فقد تعلم منهن مقدار ما تعلَّم من الكتب، فاستحققن لقب أساتذة مدرسة الحياة عن جدارة. تعلم منهن أن الظلام الدامس، الذي ظل يلعنه طيلة السنين، لم يتمكن أن يوقف النور والحرية في داخلهن، وبالرغم من أنَّ المظهر العام يُوحي بخضوعهن، إلا أن نساء الواحات هن من صنعن رجالها، وشكَّلن بأيديهن البيت والحقل والجامع والكنيسة.

بحكم تخصصك نود معرفة معنى التراث وهل يمكن تأطيره زمنيا؟

التراث في اللغة يعني الإرث «ما تركه السلف للخلف» ومن لا يرعى تراثه وماضيه، يفقد حاضره ومستقبله. هكذا تعلمنا في الواحة. كلُّ شيء حولنا إرث طبيعي، ودورنا هو الحفاظ عليه.

والتراث متعدد: مادي، وطبيعي، وشفاهي، وهو ليس مجرد ماضٍ بعيد، بل هو ماضٍ أُعيد تشكيله في الحاضر. لذلك لا يمكن حصره زمنيا بشكل نهائي، ولكن يمكن تأطيره إداريًا أو تصنيفيّا بحسب السياق القانوني أو البحثي، كأن نقول مثلا تراث فرعوني أو إسلامي أو قبطي ..الخ.

وفي الدراسات الاجتماعية والتاريخية الحديثة، التراث عملية مستمرة حيث يختار المجتمع في كل فترة من حياته ما سيعتبره تراثا.

نعود إلى الواحات، فالإرث الذي تركه الصحراويون كبيرٌ، وضارب بجذوره إلى آلاف السنين، حين كانت الجزر الخضراء في الصحراء مأهولة أكثر من الآن. تلك الجزر التي أطلق عليها هيرودوت «الجزر المباركة أو جزر البركة».

في رأيي أن ذلك الإرث الحضاري والثقافي لم يلق الاهتمام الكافي، ومعظم الدراسات الأكاديمية منصبّة حول النصب والمعابد والمقابر والآثار بوجه عام، وهي أمور مهمة، لكنْ هناك إرثٌ آخر شفوي ولغوي وشعبي، ناهيك عن تشابك العائلات في الواحات وعلاقاتهم بالقبائل العربية وقبائل البربر والمغرب العربي.

الأساطير التي نُسجت حول الواحات حقيقة أم خرافة؟

الأساطير حول الواحات ليست أخبارًا تاريخية دقيقة، لكنها أيضًا ليست أوهامًا فارغة؛ إنها طريقة المجتمع في تفسير بيئة معقّدة، معزولة وبعيدة عن المركزية، ولذلك فهي تمثّل حقيقة ثقافية، حتى لو لم تكن حقيقة مادية حرفيًا. فالمدن المندرسة المدفونة تحت الرمال حقيقة علمية، فهناك قرى كاملة، لم تعد على الخريطة، دفنتها الرمال، وهناك مقامات وأضرحة بقيت صامدة، وإن كان ذلك يبدو خرافة فللعلم رأي آخر، فالأضرحة مثلها مثل معظم قرى الواحة بنيت على تلال عالية، فلا تطولها الرمال، وهي باقية حتى الآن مكانها، حتى مع زوال وخراب مدن كاملة.

أمَّا عن عيون المياه المسحورة والجبال المسكونة بالعفاريت، فلها عندي تفسير، وإن لم يكن علميا، فالواحات لطالما كانت ممرا آمنا لقوافل التجارة والحج، ومع انقطاع الناس في الصحراء لشهور وعندما يتملكهم التعب أو الخوف، فهم يجدون في عيون المياه كرامة ميتافيزيقية، فبدونها يهلكون وتهلك إبلهم. ويجدون في المغارات والكهوف المملوءة بالكتابات المختلفة مأوى يستترون فيه من العواصف، وتلك أجواء لا محالة تُحفز خيالهم وتجعلهم ينسجون قصصا وحكايات يتغلبون بها على خوفهم.

مجموعتك القصصية «حارس البئر» وروايتك «شفرة الدرويش» هما سيرة ذاتية للمكان .. فهل إصدارهما استجابة لنزعة الحكي أم لغرض تقصده؟

يمكنك أن تقول بين هذا وذاك! فأنا أحبُّ الكتابة، ولكنني لم أكن أحلم بأن يقرأ أحد ما أكتبه، فدافع الكتابة والحكي نفسه لم يكن يكفي أن أخوض التجربة، وأضع ما أكتب بين يدي الناس، حتى جاء دافع أقوى، وهو حبي للواحات وافتقادي للحياة القديمة، وانكماش القيم الواحاتية يوما بعد يوم، فأحببت أن أُسجل من ذاكرتي وذاكرة من سبقوني ما أعرفه عن الواحات؛ لعل ذلك يجد صدى في نفوس الناس، وفي عقول المتخصصين. أشعر بأن هناك اهتماما ما ظهر في السنتين الأخريين بعد صدور رواية «حارس البئر» ، و المجموعة القصصيَّة «الهنداو» واستمرت أصواتٌ تناديني بأن أستمرَّ في المشروع، فشجعني ذلك على الاستمرار، وأصدرت «شفرة الدرويش»، وأتمنى أن يستمر المشروع، وتتبناه الدولة والمحافظ ، فتفاصيل المشروع كلها جاهزة ومتوقفة على التنفيذ والتمويل.

أمَّا المجموعة القصصية الثانية بعنوان «الهنداو»، فتستكمل سيرة المكان، وفيها يصبح المكان هو البطل وليس الراوي. والمكان في المجموعة متعدد، يبدأ من البيت الواحي، ثم المدرسة، والحقل، والوديان والسهول. رصدت أيضا في المجموعة العلاقة بين الإنسان والواحة بوجه العموم، ثم تأتي المجموعة الثالثة «الواحات ـ مصر» لتلقي الضوء على علاقة الواحة بالآخر.. علاقة الواحة بالمركزية القاهرية.. وتردد الراوي بين العالمين. 

التقوقع في حيز المكان والزمان والبعد عن المعاصرة أهم تقاليد سكان الواحات.. برأيك هل هذه ظاهرة إيجابية أم سلبية؟

كنت أرى حتى وقت قريب أن التقوقع في حيز المكان والزمان شيء سلبي، أما الآن، وقد تغير المجتمع الواحي كثيراً بسبب التغيرات الديموغرافية والاقتصادية، واختفى كثير من العادات التقاليد، ولم يعد للمجتمع خصوصية، كما كان في سالف الزمان، وهنا افتقد المجتمع الواحي أهم ما كان يميزه.

إذن العيب ليس في التقوقع أو الانفتاح على الآخر، العيب هو غياب الوعي، الذي يوازن بين القديم والحديث، ولعل مؤسسات المجتمع المدني والمحلي في الواحات عليها مسئولية كبيرة لإعادة هذا التوازن، وأتمني أن أعمل مع جامعة الوادي الجديد، وبعض المؤسسات في المستقبل القريب على مشروع يهدف إلى رفع درجة الوعي بخصوصية المجتمع الواحي وتراثه.

ترصد أعمالك التراث الصوفي والخوارق التي تتنافى مع العقل أحد مقاصد الشريعة الكبرى .. كيف نجحت في الموازنة من خلال كتاباتك؟

على حسب فأعمالي الأكاديمية، تحاول التركيز على التصوف العلمي والفكري، فكتبت عن الشعر الصوفي، والمقامات والأضرحة من الناحية الاجتماعية، وكذلك أدرِّس مادة التصوف لطلبة الدراسات العليا في لندن. أمَّا الأعمال الأدبية، فتعطيني مساحة أن أتحرر من المنهجية الأكاديمية، من ثم رصد التصوف الشعبي وما يتناقله الناس. ففي رواية «شفرة الدرويش» مثلا حاولت أن أقدم لوحات صوفية لم ألتزم فيها بإطار ديني، فالبحث عن الحقيقة والتقرب إلي الله موجود في كل الديانات والمجتمعات. أما في المجموعات القصصية الثلاث «طرف من سيرة الصحراء» فرصدتُ فيها تفاعل أهل الواحات مع التصوف والأضرحة والمقامات. ونحن هنا بصدد اختلاط الخيال بالواقع، فلا أدعي أنَّ كل الحكايات من وحي الخيال، وليست حقيقية أيضا، إنما هو مزجٌ أدبي لممارسات أهل الواحات. 

والتصوف الحقيقي – كما تعرف – لا يتنافى مع مقاصد الشريعة، ففيه العقل والروح معاً. انظر في التراث الصوفي كم من المؤلفات العظمية مثل «إحياء علوم الدين، وفوايد العقايد» للغزالي والأخير كتاب في العقيدة والتوحيد، وانظر في «الرسالة القشيرية» للقشيري، و”اللمع” للسراج، و«الحكم العطائية» للسكندري وغيرها من التراث الفكري في المكتبة الصوفية.

أحاول إذن أن أخلق نوعا من التوازن الذي لا يتجاهل حياة الناس ويتحدث عن التصوف من منظور أكاديمي، مع قصص خيالية من وحي الواقع. ولا أنكر أنني تعلمت من أهل الذكر والطريق في الواحات ما لم أتعلمه في مدارس وأسفار ومكتبات

تعمل أكاديميا في ميدان الحضارة الإسلامية وفي مجتمع غربي .. نود معرفة طبيعة العلاقة بين الشرق والغرب وهل هي صراع أم حوار .. وما هي جهودكم في التعاضد والتآلف ؟

لا أحب كلمة صراع الحضارات فكفانا صراعات، أظن الشيخ محمد عبده كان يسمي العلاقة بين الشرق والغرب بـ«صراع الجهل»، فالجهل في الناحيتين يتصارع، الغرب يرى الشرق متخلفاً وهذا جهل، والشرق يرى الغرب إما كافراً أو أكثر حضارية، وهذا أيضا جهل، الثقافات تتعاضد وتتحاور لا تتضارب وتتعارك.

فمثلاً أنشيء معهد دراسات حول حضارات المسلمين في لندن عام ٢٠٠٢م للإجابة عن مثل هذه الأطروحات، ما لدينا في التراث الإسلامي والعربي، كلُّها ذخائر ثقافية وحضارية.. العمارة والفنون، الآداب والشعر، حركة الترجمة، المكتبات، الموسيقى، الطب، الفيزياء والكيمياء. ألا يكفي مشاركة المسلمين في كل هذه الفنون؟! نقلت هذه الفنون والعلوم إلى اللاتينية، ثم تفاعلت مع مجتمعاتها وأنتجت مظاهر حضارية أخري. إذن الثقافات تتفاعل وتتحاور لا تتصارع، إنما يتصارع البشر بسبب الجهل وعدم تقدير الآخر.

دراستك بقسم المكتبات أكسبتك معارف جمة عن الكتاب المطبوع .. فبرأيك هل مازال يحتفظ بمكانته في ظل ثورة الميديا .. وكيف نحافظ على بقاء البساط تحت قدميه؟

دراستي في قسم المكتبات، جامعة القاهرة كان لها عظيمُ الأثر في حياتي العلمية والعملية. فأنا أحب الكتب من صغري، وأحب المخطوطات والوثائق، وكنت من أشد المعجبين قديما ببرنامج «كتاب عربي علم العالم» تقديم الرائد الإذاعي أمين بسيوني، الذي كانت تبثه الإذاعة المصرية في سالف الزمان، وعرفت من خلاله عناوين كثيرة من مصادر التراث العربي الأصيلة، علاوة على كتب المستشرقين مثل «كارل بروكلمان، زيجرد هونكه، وجوته وبرجستاسر». ثم يقودني القدر إلى قسم المكتبات، فأدرس تاريخ الكتب والمكتبات وأدرس بالتفصيل كتب التراث العربي وحركة المعاجم والترجمة وظهور التكنولوجيا والمواد «السمعبصرية». علاوة على دروس مفصلة في النقد الأدبي والشعر الجاهلي وعلم النفس العام وعلم الاجتماع، حتى تصنيف النباتات درسناها في هذا القسم بالتفصيل، ولعلي أنتهز هذه الفرصة لدعوة القائمين على هذا التخصص في إعادة النطر في مقرراته وطريقة تدريسه والرسائل الجامعية التي تصدر عنه.

وبالنسبة لسؤالك حول الكتاب المطبوع، لعل آخر الإحصاءات والمؤشرات حول سوق النشر والطباعة لا تشير إلى تراجع الكتاب المطبوع، رغم وجود منصات للقراءة والسماع للكتب. هناك علاقة نفسية بين الإنسان والكتاب الورقي، تماما مثل علاقته بالطبيعة.

أنت بصدد إنجاز مشروع بحثي عن المجدد الشيخ محمد عبده وقد سبقتك جهود منها ما صاغه المفكر د. محمد عمارة .. فهل نسجت على منواله أم أنك ستقدم جديدا؟

الدكتور عمارة له فضل كبير في جمع وتحقيق ما كان متاحا له من تراث الشيخ محمد عبده، بل إنه من القلائل الذين أنصفوا الشيخ. ومقدمة الأعمال الكاملة، التي نشرت في الشروق، ما هي إلا دراسة أصيلة، وضع فيها الدكتور عمارة طريقته ومنهجه في تحقيق تراث الشيخ محمد عبده.

أما مشروعي الحالي عن الشيخ المجدد محمد عبده، فهو في ضوء ظهور وثائق جديدة عثرتُ عليها في لندن، وفيها بعض الإشارات إلي جهود محمد عبده في مقاومة الاحتلال الإنجليزي رغم المنفى، وجهوده في الترجمة، ونقل العلوم والفنون من الفرنسية إلى العربية، وأيضا بعض الإشارات إلى طريقته في إصلاح اللغة العربية، وتطوير استخدامها في الصحافة، والمفاجأة هي اطلاع الشيخ عبده علي أفلاطون ومحاولاته للتقريب بين أفكاره، وأفكار الفيلسوف المؤرخ ابن خلدون. إذن نحن أمام تحقق نبوءة الدكتور علي شلش في كتابه الأعمال المجهولة للإمام محمد عبده، الذي أكد أن هناك مخطوطات ووثائق مجهولة للشيخ عبده، وأنها ستغير كثيرا مما نعلمه عن عبده عند اكتشافها.

وكان عقدُ مؤتمر في لندن حول الشيخ محمد عبده فرصة لطرح هذه المجموعة الجديدة أمام متخصصين في فكر الإمام، وفي حركة التجديد. وأستطيع أن أجزم بأن الأوراق، التي قدمت في هذا المؤتمر وهي قيد النشر بالإنجليزية والعربية الآن، ستقدم أفكارا جديدة حول أحداث مهمة في حياة الشيخ محمد عبده، مثل رحلته للجزائر وتأثره بالثوار في السودان، وحبه للتصوف، وعمله في الترجمة ونقل المعرفة.

«شفرة الدرويش» تكثر بها الأساطير فهل هي حقائق أم أنها من نسج الكهان .. ونود منك إلقاء ضوء على هذا العمل الروائي؟

في رأيي يصعب تصنيف «شفرة الدرويش» من حيث اللون الأدبي، قد يراها البعض رواية، أو «نوفيلا»، أو متوالية قصصية. أما أنا فأحب أن اسميها لوحات صوفية، ففي كل فصل أو قصة، حاولت أن أرسم صورة لفكرة من أفكار التصوف، غير الملتزمة بديانة. فتجد مثلا في قصة «كلوديت» تلك المرأة الإفريقية، التي تعيش في حالة روحانية مستمرة بين ذكريات طفولتها البريئة وعلاقتها بالكنيسة وذكرى زوجها، الذي تنازل عن روحه للاكتئاب، وألقى نفسه من فوق البناية.

وبرغم خيالية القصة، لكن يمكنك أن تقول إن الإنسان دائما في حالة بحث عن الحقيقة، عن علاقته بالإله والملائكة والعالم الغيبي. كل هذا من خلال صلوات وأعمال وذكر، فمهمَّة الأعمال أنها مطهرة لأواني القلوب كما قالوا.

صبري الموجي

37 مقال
كاتب وصحافي مصري

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع