ديوان جدرانٌ عازلةٌ للحزنِ: حين يرمّم الشعر انكسارات الوجود

hend zaytouny

أفين حمو

بين دفّتي ديوانها الجديد، الصادر عن دار العرّاب بدمشق عام 2025، تفتح الشاعرة السورية هند زيتوني نوافذ الروح على مشهد شعري مشحون بالتناقضات الوجدانية؛ حيث يتماهى الفردي مع الجمعي، ويتصادم الحلم بمرارة الواقع، ويغدو الحزن مادة خامًا لإعادة تشكيل الذات.

منذ الإهداء، تضعنا هند زيتوني  أمام اعتراف وجودي حاد، حين تقول:

“أحاولُ أن أخونك الآن (أيها الحزن)، أحاولُ أن أكتبَ عنك، لأنساك.”

هنا يتأسس المشروع الشعري على مفارقة لافتة الكتابة هو محاولة لمغادرة الحزن  عبر مواجهته.

وتنطلق  من إيمان عميق بقدرة الكلمة على الوقوف في وجه الفناء.

في مقدمته للديوان، يصف الشاعر جميل داري الشاعرة بأنها “كائن شعري من بنفسج مضيء، يبهج وهو حزين”، وهو توصيف يختصر التوتر الجمالي الذي تقوم عليه تجربتها الشعرية: التزاوج بين الضوء والندبة.

هذا المنحى يتعزّز في كلمة الغلاف التي كتبها الشاعر وديع سعادة، حيث يرى أن الشاعرة تحاول عبر الشعر “إعادة صياغة العالم، وتدمير كلّ الأشياء لتعيد خلقها من جديد”. وهنا يتبدّى الشعر عند زيتوني باعتباره فعل خلقٍ بديل، لا مجرد تعبير عن الواقع.

ويتجلّى هذا الوعي الفلسفي في القسم الأول من الديوان، حيث تستحضر الشاعرة رموزًا ميثولوجية مثل ميدوزا وشيفا لتجسيد مأساة مدينتها، فتقول:

“مدينتي تحوَّلت إلى رأسِ ميدوزا.. كلَّما نظرَتْ إلى حبيبِها تحوَّلَ إلى حجرٍ!”

في هذه الصورة تتداخل الأسطورة بالواقع، ويتحوّل الخراب الشخصي إلى استعارة لانهيار جماعي.

ويتحوّل الحزن داخل الديوان إلى شخصية مرافقة للذات، يتخذ هيئة صديق ثقيل يفرض حضوره في تفاصيل اليوم. العلاقة معه تتسم بالتناقض؛ إذ يظهر أحيانًا كخصم مخيف، ثم يتحول إلى رفيق يحتاج إلى الرعاية، فتقول:

“أقتربُ منه / أُمسِّدُ فراءَهُ الأبيضَ بلطفٍ / وأخلعُ فرحي من قلبي لأجلِه”

هذا التماهي مع الألم يعكس ما يمكن تسميته بالمصالحة القاسية مع الكآبة، حيث لا تسعى الشاعرة إلى التخلص من الحزن بقدر ما تحاول إعادة تعريفه كجزء من تكوينها النفسي. تتجلى هذه الفكرة في صور “أشجار الحزن” التي تتبعها مثل ظل لا ينفصل عن الجسد، وفي مشهد عصافير السعادة التي تنتحر لعجزها عن العثور على تربة تصلح للدفن، في تصوير يختصر شعور الإنسان المعاصر بالعجز عن الاحتفاظ بالفرح.

تتسم لغة الديوان بكثافة عالية تقوم على الاختزال والإيحاء، حيث تتحول العبارة إلى مساحة مشحونة بالمعنى.

وتستحضر الشاعرة مقولة النفري حول ضيق العبارة أمام اتساع الفكرة، فتجعل اللغة نفسها ساحة للصراع بين الحقيقة والزيف.

في نصوص الاعتراف العاطفي، تكشف هند زيتوني عن حالة التناقض بين ما يُقال وما يُخفى، حيث يظهر الكذب كوسيلة دفاع ضد العاطفة الجارفة. فتقول في سياق فضح الأقنعة الاجتماعية:

“نحن في الظاهر / أقنعةٌ وهميَّة / وفي الحقيقة / لسنا سوى غطاءٍ لطاولةٍ محطَّمة”.

بهذه الصورة تتحول اللغة إلى كائن جريح فقد قدرته على التعبير الصادق، وتغدو الكلمات أدوات تخفي هشاشة الإنسان بدل أن تكشفها، في إشارة إلى أزمة التواصل داخل المجتمع المعاصر.

يحضر الموت في “جدران عازلة للحزن”باعتباره حقيقة يومية لا يمكن إنكارها، حيث تتعامل معه برؤية فلسفية تتجاوز الرثاء التقليدي.

في نصوص عديدة، يظهر المجتمع ككيان اعتاد الألم حتى أصبح جزءًا من روتينه، فتشير إلى فشل الإنسان في صناعة الفرح، مع نجاحه في إنتاج الجراح. تقول بلسان تجربة جماعية مريرة:

“فشلْنا / في الرَّقصِ على حبلِ الفرح / ونجحْنا في القفزِ على الجراح / لم نصنعْ بيوتاً / لها جدرانٌ عازلةٌ للحزن”

داخل هذا السياق، يظهر الشعر كقوة مضادة للفناء، حيث تستحضر أسماء شعراء رحلوا تاركين أثرًا يتجاوز الزمن، مؤكدة أن الفن يمتلك القدرة على إعادة صياغة الوجود دون الحاجة إلى العنف.

“الشعرُ هو البطلُ الوحيدُ / القادرُ على إعادةِ صياغةِ الوجودِ بلا دماء”

هذه الرؤية تمنح القصيدة وظيفة خلاصية تجعلها وسيلة لمقاومة العدم عبر الجمال.

يشكل الصراع بين الذاكرة والنسيان محورًا أساسيًا في التجربة الشعرية، حيث يظهر النسيان كطريق صعب يقود إلى التحرر من أثقال الماضي. تسعى هند إلى لحظة انفصال عن الذكريات المؤلمة التي تشبه شوكًا يغرس نفسه في الروح. النسيان في الديوان ليس فعل إنكار، إنما هو محاولة لإعادة بناء الذات بعد انهيارها، حيث يتحول إلى عملية تطهير داخلي تتيح للإنسان مواصلة العيش رغم الخسارات المتراكمة.

أما الانثى فتقدمها بوصفها كيانًا لا يقبل المحو، حيث تتحول إلى أثر دائم في ذاكرة الحب والزمن. في نص “أنثى لا تصلح للنسيان”، تصوغ حضور المرأة كعلامة باقية في جسد التجربة العاطفية، فتقول:

“ستحتاجُ أن تكنسَ عطري / من دهاليزِ خيالِك / كلُّ امرأةٍ ستحبُّك بعدي / ستكتشفُ ياسمينةً نائمةً على جسدِك / وتأكلُ الغيرةُ قلبَها”

هنا تتجلى النرجسية الشعرية كوسيلة دفاع ضد الفقد، حيث تتحول الأنثى إلى خريطة محفورة في الذاكرة العاطفية لا يمكن طمسها بسهولة.

يتجلى النضج الفلسفي في الديوان حين تربط الشاعرة بين الموت والرقص، وبين الحقيقة والوهم. في قصيدة “رقصة على مسرح البانتومايم”، تقدم توصيفاً مدهشاً للعالم المعاصر:

“الآنَ نراقبُ هذا الحاضرَ المهترئَ / الذي يشبهُ رجلاً مصاباً بسرطانِ الفقدِ / تندلقُ أحشاؤه فجأةً / نصابُ بلوثةِ الخوفِ”.

وتستمر هذه النبرة الوجودية في نقد الكلام المعلب والسير الذاتية المزيفة حيث ترى أننا نعيش في “بار الحياة” نحتسي أيامنا في “زجاجة فودكا منتهية الصلاحية”.

في واحدة من أجرأ نصوصها، تختصر هند مأساة المرأة الشرقية في محطات زمنية (من اليوم الأول إلى السادس). هي رحلة من “الوشم بالاسم” إلى “الجنازير الصدئة”:

“في اليومِ الثالث / نضجتْ فاكهةُ شجرتي / وكانتْ ممنوعةً من الحبِّ والرَّقصِ والسَّهرِ / تساقطتْ ثماري على الأرضِ، وجفَّتْ”.

هذا النص ليس مجرد شعر،  هو وثيقة اجتماعية تدين “قبيلة اللحى والأعراف” التي تحيل الرحم إلى “كومة ألغام.

جدران عازلة للحزن يتجاوز حدود التجربة الفردية ليصل إلى الهم الإنساني العام، حيث تستحضر هند زيتوني الوجع الفلسطيني من خلال خطاب شعري موجّه إلى رمز ثقافي يمثل الضمير الجمعي.

في هذه النصوص تتحول الاستعارة إلى أداة لإدانة العنف الذي يطال الأطفال والأبرياء.

“صباحُ الخير يا محمودُ / أحاولُ الاتصالَ بك / لأخبرَك أنَّ الأطفالَ في غزَّةَ / كبَّروا، ونالوا الشهادةَ / أخذَهم الإلهُ لقضاءِ إجازةِ الصيف”

هنا  تخلق  توازناً بين الحس الإنساني واللغة الرمزية التي تمنح الألم بعدًا كونيًا.وتصبح الاستعارة وسيلة لإدانة وحش العالم الثمل الذي ينهش أكباد الضحايا،بينما يكتفي التاريخ بتسجيل الآلام بلا حراك

تختتم الشاعرة رحلتها على أن السيناريو الوحيد المتبقي هو  الرحيل لكنه رحيل بوعي. وتتعامل مع النهاية بوصفها بداية أخرى للغة. حيث نرى أن الشعر يواصل حياته حتى بعد انطفاء صاحبه، فتقول:

“سيمضي الشِّعرُ وحيداً / مثلَ ناسكٍ بلحيةٍ بيضاء / شاختْ مشاعرُه / وربَّما يُخلقُ من جديد / من رحمِ الاستعارة / أو من وردةِ المجاز”.

هنا يصبح الشعر كائنًا مستقلًا يمتلك قدرته على الاستمرار خارج حدود الزمن الشخصي للشاعرة.

ديوان “جدران عازلة للحزن “يشكّل  تجربة شعرية تقوم على تفكيك الألم وتحويله إلى بنية جمالية قادرة على منح الإنسان قدرة جديدة على الصمود.

تبني هند زيتوني عبر نصوصها فضاءً لغويًا تتقاطع فيه الفلسفة مع الحس الإنساني، حيث تتحول القصيدة إلى نافذة مفتوحة على أمل خافت يتحدى العدم. داخل هذا العالم الشعري تظهر الكلمات كحصون روحية تحمي الذاكرة من الانهيار، وتمنح الإنسان فرصة لإعادة اكتشاف ذاته وسط عالم يمتلئ بالأسئلة المفتوحة.

“جدران عازلة للحزن” هو نص تشريحي بامتياز؛ تشريح للحب، وللمجتمع، وللموت. هند زيتوني لم تكتب قصائد عادية،لكنها حفرت أنفاقاً في جدران العزلة، لعلنا نجد في نهايتها ذلك الحبر النظيف الذي وعدت به.

هي شاعرة تعرف أن الاستمرار في الحياة عمل شاق، لذا اختارت أن تخفف هذا الشقاء بتحويله إلى أيقونة من الكلمات.

 

آفين حمو

45 مقال
شاعرة وكاتبة كردية سورية. صدر لها: عن الذئب الذي في قلبي    

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع