حميد عقبي
خوليا دي بورغوس شاعرة بورتوريكية أمريكية مهمة من الرموز النضالية المنسية، فقد كتبت في الفترة الممتدة من بدايات إلى منتصف القرن العشرين. وتبقى الكثير من أعمالها حاضرة حتى اليوم رغم التهميش من مؤسسات وهيئات أدبية وبحثية أمريكية، وهذا ما يحدث مع كبار رموز النضال الذين قضوا حياتهم وكرّسوا إبداعهم للتفاعل مع قضايا العدالة الاجتماعية والنسوية للملونين الأمريكيين. كما تميّزت خوليا دي بورغوس بنضالها لتطوير التجربة البورتوريكية.
تمتاز قصائد دي بورغوس بأسلوب عاطفي يبتعد عن المباشرة المفرطة، وقد وظّفت صورها الشعرية لتكون جريئة وذات نبرة حوارية، وخلقت مقاربات حول موضوعات الحب والقمع والحرية والجسد.
غالبًا ما تناولت دي بورغوس في كتابتها العلاقة المعقدة بين هويتها كامرأة وبين إرثها البورتوريكي (الانتماء إلى جزيرة بورتو ريكو والكتابة بالإسبانية والإنجليزية).
تحدّت الأدوار الجندرية التقليدية والتوقعات الاجتماعية، ودافعت عن حقوق المرأة واستقلاليتها. والدارس لنصوصها سيلمس أهمية هذه الكتابات ودورها في تمهيد الطريق أمام استكشافات أعمق لهذه القضايا، وإنارة الدرب لأجيال لاحقة من الكتّاب اللاتينيين والنسويين في الأدب.
تأثرت دي بورغوس بحركة النيوريكان الأدبية، وهي جماعة من الكتّاب البورتوريكيين في مدينة نيويورك تناولوا في أعمالهم قضايا الاقتلاع والهجرة والهوية والازدواجية واللّاعدالة الثقافية. كما تناولت بشجاعة قضايا اللامساواة العرقية والعدالة الاجتماعية في كتاباتها. ومن بين مجايليها نجد لانغستون هيوز، وغابرييلا ميسترال، وبابلو نيرودا، وآخرين كتبوا بروحٍ شعرية مشابهة في وعيها الاجتماعي وتعبيرها العاطفي القوي ضد التيارات العنصرية الأمريكية.
سمات شعر خوليا دي بورغوس
تأسس شعر خوليا دي بورغوس على توازنٍ دقيقٍ بين الغنائية والاحتجاج، حيث تتجاور العاطفة الشخصية بما تمتلكه من وعيٍ اجتماعيٍّ وسياسيٍّ. نبعت تجربتها من حسٍّ إنسانيٍّ عميق جعل قصائدها اعترافاتٍ داخلية وصرخةً جماعية في آنٍ واحد. والقارئ لكتاباتها سيجد أن لغتها تميزت بالدفء والصدق، وقامت على الإيقاع المتدفق والنَفَس الطويل، مما يمنح قصيدتها نغمةً إنشادية قريبةً من التلاوة أو النشيد، ما تزال حاضرة إلى اليوم.
أما صورها الشعرية فهي مكثفة ومشرّبة بالعاطفة، تستمد طاقتها من طبيعة الأرض والإنسان، لا من البلاغة التقليدية؛ فالماء والنهر والبحر والجبل والريح جميعها تظهر في أشكال رمزية تعبّر عن الحرية والانطلاق والتطهر. كما أن الطبيعة عندها تبتعد عن الديكور المصطنع لتغدو مرآةً للروح وامتدادًا للذات.
ونجد أيضًا حضور الذات في شعرها بوصفها محور الخطاب؛ فهي تبتعد عن الذات المغلقة أو الفردية، كون «الأنا» شاهدةً تتكلم باسم المرأة والوطن والجسد والمنفى. ومن هنا تتولد ثيماتها الكبرى:
أولها تحرر المرأة من الأدوار الجندرية والوصاية الاجتماعية، ورفض تشييئها، واستعادة الجسد كهوية لا كعار. فالمرأة في شعرها فاعلة، مفكرة، محبّة، قادرة على بناء مصيرها بحرية.
وثانيها الهوية والانتماء؛ فهويتها ثلاثية الأبعاد: امرأة، بورتوريكية، ومنفية. لذلك تبدو القصيدة محاولةً واجتهادًا متواصلًا لترميم الذات الممزقة بين وطنٍ واقعيٍّ ضائع ووطنٍ رمزيٍّ تولده اللغة.
أما ثالثها فهو الاستقلال البورتوريكي والمقاومة؛ إذ ترى أن الاستعمار لا يحتل الأرض فقط، بل الذاكرة واللغة وصورة الذات. فتصبح القصيدة عندها فعلَ سيادةٍ رمزيةٍ حين تُسلب السيادة السياسية.
نقطةٌ مهمةٌ أخرى نلمسها في قراءة خوليا دي بورغوس هي تقاطع حرية المرأة مع حرية الوطن؛ فقد كانت ترى أنه لا يمكن لوطنٍ مستعمَر أن يمنح الحرية للمرأة، ولا يمكن لامرأةٍ مقهورةٍ ومستعبدة أن تُسهم في بناء وطنٍ حر. لذلك تلتقي في شعرها ثلاث كلماتٍ في جذرٍ واحدٍ وأصيل لم يهتزّ أو يذبل: المرأة – الحرية – الوطن.
ومن كل هذا نستنتج أن خوليا جعلت من الشعر مساحةً وفضاءً رحبًا للهوية والمقاومة، وجسرًا بين الحلم الفردي والتحرر الجمعي، كما أنه صوتٌ نسويٌّ رائدٌ في الأدب الكاريبي واللاتيني الحديث.
بورتو ريكو
تمثل جزيرة بورتو ريكو في الوجدان الشعري والسياسي لأبنائها رمزًا للهوية والمقاومة والكرامة. وقد شكّلت هذه الجزيرة، الواقعة بين الكاريبي والأطلسي، ساحةً تاريخيةً لصراعاتٍ طويلةٍ ضد الاستعمارين الإسباني ثم الأمريكي، مما جعلها منبعًا مهمًا لحركات فكرية وأدبية رافضةٍ للعبودية والتبعية والتهميش.
نشأت منها، في القرن العشرين، الحركة البورتوريكية التحريرية التي لم تكتفِ بالمطالبة بالاستقلال السياسي، بل دعت إلى تحرير الوعي الثقافي واللغوي من الهيمنة الأمريكية والتمييز العنصري القبيح اللاإنساني.
امتدت جذور هذه الحركة من الكفاح ضد الرقّ والعنصرية إلى الدفاع عن الهوية اللاتينية السوداء، وألهمت العديد من الأدباء والمفكرين، وفي مقدمتهم خوليا دي بورغوس، التي رأت في الجزيرة كيانًا أنثويًا منفيًا يحتاج إلى استعادة صوته. فصارت بورتو ريكو في الشعر رمزًا مزدوجًا: فهي الوطن المسلوب والذات الأنثوية التي تبحث عن الحرية.
ومن رحم هذه النضالات الثقافية انبثقت حركاتٌ لاحقة مثل النيوريكان في نيويورك، التي جعلت من اللغة والفن أداةً للتحرر الاجتماعي ووسيلةً لاستعادة تراث الجزيرة كصرخةٍ ضد الاستعمار والتمييز. وهكذا تحوّلت بورتو ريكو إلى أيقونةٍ شعريةٍ وسياسية عبّرت عن وحدة المصير بين الحرية الشخصية والتحرر الوطني.
قصيدة: كنتُ الأهدأ
كنتُ الأهدأَ
بين أولئك الذين أبحروا نحو مرافئك.
لم تُعلنني حفلاتٌ صاخبة خالية من الحياء،
ولا أجراسٌ خافتة من ميراثٍ قديم.
كان دربي موسيقى الطيور الجامحة،
تسهو في الفضاء، وتطلق رقتي… رفرفـةً في الريح.
لم تحملني سفنٌ مثقلة بالثراء،
ولا بُسِطٌ شرقية احتضنت جسدي؛
فوق السفن وحدهُ وجهي ظهرَ
صافراً في بساطةِ الريح التائهة.
لم أقِس تناغم الأطماع الصغيرة
التي قدّمتها لي يدُك المليئة بالوعود.
كنتُ أرى فقط، في أعماق روحي الهشّة،
الهجرانَ المأساويَّ المختبئ في إشارتك.
ازدواجُك الدائمُ وُسِمَ بعطشي الكبير.
كنتِ مثل البحر، جهوريّةً وكَتُومَة.
على ظهرك أضعتُ ساعتي المهدورة،
وفوقك حللتِ كشمسٍ على أوراق زهر.
وسرتُ في نسيم كآبتك الساقطة،
في حزنٍ ساذجٍ يعرف الحقيقة:
أن حياتك صراعٌ عميق من ينابيع لا تهدأ،
ونهرٌ أبيض هائلٌ يهوي نحو الصحراء.
وفي يومٍ، عند ضِفّة الصفر المرتجف جنوناً،
تبعَك كثيرون بوجوه طامعةٍ مستترة؛
ومن بين دموعك المنتزعة من أذرعِ الكون
اقتحمتك أصواتٌ أخرى دون أن تَفكَّ سرك.
كنتُ أنا الأهدأ.
صوتي، بالكاد صدى،
ضميري منتشرٌ في نبرةِ وجع،
منثورٌ وعذب، في كلِّ صمت.
كنتُ الأهدأ.
خرجتُ من الأرض بلا سلاح
إلا بيتَ شعر.
وها أنا أقف أمامكم… يا نجوم،
أعزلَ، وديعاً، وحبُّه في صدري!
شعرية الهدوء المتمرّد في قصيدة “كنتُ الأهدأ”
تُجسِّد قصيدة «كنتُ الأهدأ» نموذجًا من النماذج الشعرية المميزة، حيث يتدفق الشعر الذي يجمع بين السكينة والتمرد، إذ تتخذ الشاعرة من “الهدوء” قناعًا لرفضٍ عميقٍ للواقع الاجتماعي والسياسي العنصري، وللكون نفسه بوصفه مساحةً للخذلان الإلهي والإنساني.
فالقصيدة، في ظاهرها، صوتٌ وديعٌ يتأمل ذاته والآخر، لكنها في جوهرها صرخة روحٍ متمرّدة على نظامٍ عنصريٍّ قبيحٍ يطحن الهشاشة الإنسانية باسم القيم الزائفة. كثيرًا ما وظّف هذا النظام الربَّ والدينَ والكتابَ المقدس لتبرير التهميش والفقر والمرض والرق، باعتبارها أقدارًا سماوية لا يجب التمرد عليها.
لا يجب أن نرى الهدوء في هذا النص نوعًا من الاستسلام، بل موقفًا وجوديًا؛ فالشاعرة تُعلن أن الهدوء هو شكل آخر من الصراع. إنها ترفض أن تصرخ كما يصرخ المهرّجون، لأن الصرخة تفقد معناها في عالمٍ فقد إيمانه بالربّ والعدالة. الربّ في النص غائب، صامت، متواطئ مع قسوة الإنسان، ولذلك يتحول الشعر إلى بديلٍ عن الإله، وفعلِ خلقٍ جديدٍ يعيد — ولو قليلًا — شيئًا من المعنى إلى الحياة.
تقولها الشاعرة ضمنًا: إذا خذلنا الربّ، فعلى الشاعر أن يخلق الإنسان من لغته، وأن يبتكر الحبّ من رماد الخوف.
المتأمل بدقة في هذا النص يلمس توترًا ونزعةً وجودية بين الرقة والعنف، ثم بين الانكسار والإيمان بالكتابة. وفي أغلب نصوصها تتجلّى الذات الأنثوية ككائنٍ مرهقٍ يحاول البعض إخضاعه وإغراقه في بحرٍ من الوعود الكاذبة، لكنها تفيق وتمتلك شجاعة الكشف عن ضعفها ثم تعيد بناء ذاتها وتسعى إلى الثورة.
ومن الملاحظ حضور الطبيعة كعنصرٍ جوهري في شعر دي بورغوس؛ فهي تتحول إلى مسرحٍ للانفعال الداخلي: الطيور، الريح، البحر، النهر، الصحراء — جميعها رموز تُفصح عن مجاز الحرية المستحيلة.
في المقطع الختامي، تتوحد الشاعرة مع الكون؛ فهي كائنٌ أعزل أمام النجوم، لا تحمل إلا بيتًا من الشعر، لكنها بهذا البيت تواجه الفراغ الإلهي وتخلق معنى جديدًا للوجود.
فـ«كنتُ الأهدأ» قصيدةٌ عن الاحتجاج الهادئ الذي يبدأ بصمتٍ عميق ثم ينمو ليخلق إيمانه وقدره من الشعر ذاته.
حياةً نضاليةً قاسية
إنّ قراءة شعر خوليا دي بورغوس اليوم بمثابة ضرورة إنسانية وفكرية في زمنٍ تتصاعد فيه التيارات العنصرية والفاشية والنازية الجديدة، التي تحاول إعادة إنتاج أشكالٍ حديثة من الرقّ والعبودية، وتدّعي زورًا أن الربّ اختارها وميّزها عن غيرها. في مواجهة هذا الخطاب الإقصائي، تمنحنا خوليا صوتًا مناقضًا تمامًا، فهي تمنحنا صوت الإيمان بالإنسان، بالحرية، وبقدرة الكلمة على فضح الزيف وإحياء الكرامة.
لقد عاشت الشاعرة حياةً نضاليةً قاسية، بين الفقر والمنفى والعزلة، ودفعت ثمن مواقفها وميلها إلى التمرد على القيم الزائفة. ماتت وحيدة في شوارع نيويورك عام 1953، لكن موتها لم يكن نهايةً لصوتها، بل بدايةً لخلودها الشعري. فكل قصيدة كتبتها هي صرخة ضد العبودية الجديدة وإعلانٌ بأن الحرية لا تموت. خوليا دي بورغوس ستظلّ، رغم مأساتها، رمزًا للتحرر الإنساني، وشاعرةً حملت في قلبها ما لم تحمله جيوشٌ من الخطباء: الإيمان بالشعر كقوة خلاصٍ وعدالةٍ وجمال.
في بورتو ريكو، تشكّلت لجنة للمطالبة بإعادة جثمانها إلى الجزيرة. وفي أيلول/سبتمبر 1953 دُفنت في مقبرة كارولاينا البلدية كبطلة وطنية، وأُقيم لها نصب تذكاري.













