خمسة فخاخ منصوبة للتربية

فن تشكيلي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

ترجمة وتقديم : عثمان بن شقرون

تـقـديـم: إذا كانت العولمة قد أحكمت قبضتها على كل مجالات الإنتاج والخدمات، وخلخلت كل الهياكل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فإن التعليم والتربية من أهم المجالات التي تراهن عليهما لإتمام الاكتساح الشامل. فبعد الترويج لخطابات النهاية: نهاية التاريخ ونهاية الجغرافيا ونهاية الدولة، يأتي دور نهاية المدرسة الوطنية والتعليم العمومي. من منطلق هذا الخطاب الخادع تعمل العولمة على فرض وصايتها على قطاع التربية والتعليم باختراق نظامه عبر قنواتها المتعددة، من أجل اكتساح الثقافة المقاولتية  للمحيط المدرسي . والهدف بطبيعة الحال هو اندماج حقلي التربية والتعليم في حقول التجارة والاستثمارات المباشرة وغير المباشرة واستغلال الموارد “البشرية” كموارد طبيعية في إطار رأسمالية حرة تخترق الحدود الوطنية.  وفي ظل هذه العولمة الكاسحة ستصبح “المدرسة السوقَ الكبير للقرن الواحد والعشرين وجنة المقاولات الجديدة”. في هذه المقالة نتعرف مع ريكاردو بيطريلا أحد أهم مناهضي العولمة على الفخاخ التي تنصبها العولمة للتربية والتعليم.

ترجمة:

عندما نطلب من المدرسة مواجهة تحدي التقدم الاجتماعي بمفردها، فإننا نقلل تدريجيا من مصداقيتها ونخضعها لطموح وشهية سوق الشغل. ففي “مجتمع المعرفة” ــ حيث تطورُ التكنولوجيات الحديثة يقوم مقام الفكر ــ ليست التربية سوى أداة لشرعنة تقسيم اجتماعي غير عادل. هذه الرؤية الاختزالية، تنسى بأن المدرسة هي أولا وقبل كل شيء، المكان الذي تنبني فيه العلاقة الاجتماعية، والذي يجب أن تتبلور فيه “ديمقراطية الحياة”.

إن المحيط التربوي يواجه خمس خدع رئيسية، نتيجة التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية للسنوات الثلاثين الماضية، هذه الفترة التي شهدت أسلوب حياة يتمركز حول الغلو في الاستهلاك والتسويق المعمم لكل الخيرات والخدمات، ويتمركز أيضا حول انفجار التكنولوجيات الحديثة والعولمة الليبرالية.

أول هذه الفخاخ: الغلو المتفاقم في جعل التربية أداة في خدمة تكوين “الموارد البشرية”، وهي وظيفة تستند على التربية من أجل الشخص وبواسطته. هذا الفح الأول تجد أصوله في اختزال “الشغل” إلى “مورد” منظم ومنحط ، يعاد تدويره عند الاقتضاء، ويهمل تبعا لنفعيته التي هي في صالح المقاولة . وكأي مورد من الموارد الأخرى، مادية كانت أو لامادية، فإن الموارد البشرية تعتبر سلعة اقتصادية، يجب أن تكون متاحة في كل مكان. لا تعرف الحقوق المدنية ولا أية حقوق أخرى، سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو ثقافية. إن الحدود الوحيدة التي تقف في وجه استغلالها هي حدود ذات طبيعة مالية (التكاليف). أما حقها في الوجود وفي الدخل فهو متوقف على كفاءتها ومردوديتها. إنه من الواجب عليها أن تبرهن على أنها قابلة للاستخدام. ومن هنا حل هذا الواجب الجديد: تقديم البرهان على هذه القابلية للاستخدام، محل “الحق في الشغل”.  الأمر الذي يسميه بعض المسؤولين: “السياسة الاجتماعية النشطة للشغل”.  وبالنسبة لهؤلاء، إذا كان على التربية أن تلعب دورها الرئيسي، فإنها أساسا ستلعبه بالنسبة لهذا الواجب طيلة العمر، في إبقاء الموارد البشرية للبلاد قابلة للاستخدام و ذات مردودية. على هذا الأساس، توقف الشغل على أن يكون موضوعا اجتماعيا.

الفخ الثاني: هو مرور التربية من حقل غير ُمَسِّوق إلى حقل ُمَسِّوق. ففي الوقت الذي نحصر المهمة الرئيسية للتربية في تكوين الموارد البشرية لخدمة المقاولة، فليس غريبا على المنطق التجاري والمالي للرأسمال الخاص، أن ينحو نحو فرض تحديد غاياته و أولوياته على التربية، وفق منطقه الخاص. هكذا أصبحت التربية تُعامل أكثر فأكثر على أنها سوق من الأسواق.

يدور الكلام في أمريكا الشمالية باستمرار عن “سوق التربية” و”أعمال التربية” و”سوق المنتجات والخدمات البيداغوجية “و “المقاولات التربوية” و”سوق الأساتذة والتلاميذ “.  و ليس من الصدفة أن يُعقد  “السوق العالمي للتربية ـ Word Education Market ”   في فانكوفر- Vancouver  بكندا  23-27/05/2000 .  فبالنسبة لغالبية الحاضرين من الفاعلين العموميين والخواص، تسويق التربية لا يمثل أدنى شك بالنسبة إليهم. المسالة الرئيسية هي معرفة  “من” سيبيع  “ماذا”  في السوق العالمي وحسب أية ” قواعد” .

هذا ال ” من “، قد بدأت ملامحه تتضح ، ويتعلق الأمر بناشري منتوجات الوسائط المتعددة، والمصممين، والمزودين بالخدمات عبر الخط وبالتعليم المتلفز ، وفاعلي الاتصالات والمقاولات المعلوماتية. كل هذه القطاعات يتوالى فيها الانصهار والاندماج والتحالف بوتيرة مسعورة في هذه السنوات الأخيرة. هذه المقاولات سبق لها أن استثمرت الكثير في هذا ال ” ماذا “، وأغلبيتها تعمل على عرض ما تملك من بيانات لبرامج رئيسية جاهزة للتكوين عبر الخط. هكذا تتضاعف “الجامعات الافتراضية” كالفطريات عبر الحدود “الوطنية”. فحسب توقعات بنك الأعمال الأمريكي Meryll Lynch  ، إن عدد الشبان الذين سيتابعون دراستهم  العليا في العالم سيرتفع إلى 160 مليون شاب عند سنة 2025. أما حاليا فيصل عددهم إلى 84 مليون شاب، 40 مليونا منهم يتابعون تعليما عبر الخط.  فلنتخيل ماذا يمكن أن يمثل هذا السوق الجديد في ربع القرن المقبل. في كل الدول  ” المتقدمة ” هناك نزعة تسير بخطى حثيثة نحو بناء نسق للتربية، منظم على “قاعدة فردية”، وعن بعد (عن طريق الأنترنيت) ومتحول عبر الزمن وممتد طيلة الحياة وبالاختيار. أما فيما يخص ” قواعد ” هذا السوق العالمي الجديد، فإن فشل مفاوضات السلك الألفي  للمنظمة العالمية للتجارة(OMC) بسياتل Seattle  في دجنبر 1999 ، قد عرقل مؤقتا، تطبيق مبادئ التجارة الحرة، على التربية أيضا. هذه الأخيرة كانت واردة في جدول أعمال الاتفاق العام حول التجارة والخدمات ( AGCS). إن المفاوضات التي استأنفت بمقر المنظمة العالمية للتجارة بجنيف، لا شيء يضمن بأن لا تُسجل في جدول أعمالها، من جديد، قضية خلخلة القطاع التربوي و تحريره.

في الواقع، إن عدد المسؤولين السياسيين للدول المتقدمة، المستعدين ، لقبول أن ينظم السوقُ التربيةَ ويحدد غاياتِها، يزداد أكثر فأكثر. أما المنظمات النقابية ( خصوصا النقابة العالمية للتربية ) والمنظمات غير الحكومية وجمعيات المجتمع المدني، فما عليها إلا أن تضاعف الجهود من أجل التصدي وعرقلة هذا السيناريو .

ثقافة الحرب

الفخ الثالث: يتجسد في تقديم التربية على أنها أداة جوهرية للبقاء بالنسبة لكل فرد، كما هو الحال بالنسبة لكل بلد في عصر المنافسة العالمية. هكذا ينزع المحيط التربوي إلى التحول إلى “مكان” يكتسب فيه المتعلم ثقافة الحرب (كل بمفرده، النجاح عوض الآخرين و بالتفوق عليهم ) عوض ثقافة الحياة ( الحياة سويا مع الآخرين في ظل المصلحة العامة). إن الجامعات والسلطات العامة والطلبة بل حتى بعض النقابات – بشكل عام – ، الكل قَبِل بثقافة كهاته . هكذا  فرغم مجهودات عدد كبير من المربين، فإن النسق التربوي اقتيد إلى منح الامتياز لوظيفة انتقاء الممتازين، عوض وظيفة تثمين القدرات النوعية لكل التلاميذ.

الفخ الرابع: تبعية التربية للتكنولوجيا. إن المسؤولين، ونتيجة اعتقادهم الحاصل منذ السبعينيات بأن التكنولوجيا هي المحرك الأساسي للتغيرات المجتمعية، قد فرضوا أولويتها وضرورتها المستعجلة التي يجب التلاؤم معها . فمهما كان حقل تطبيقها ( على الطاقة، الاتصالات، الصحة، الشغل) فإن نزعتهم تميل نحو اعتبار كل تغير اقتصادي واجتماعي مرتبط بالتكنولوجيات الحديثة أمرا حتميا لا يقاوم، وأن الابتكارات الذائعة الصيت التي تنتجها تساعد على تقدم الإنسان والمجتمع .

إن العولمة الحالية، بالنسبة للغالبية العظمى من المسؤولين، هي وليدة التقدم التكنولوجي ومقاومتها أمر مستحيل. أما الدور الرئيسي للتربية سيكون إذن، هو منح الأجيال الجديدة القدرة على فهم التغيرات الجارية والأدوات الضرورية للتلاؤم معها. 

الفخ الخامس: استخدام النسق التربوي كأداة لإضفاء الشرعية على الأشكال الجديدة للتقسيم الاجتماعي. فوفقا للخطاب السائد، فإن اقتصاديات ومجتمعات الدول المتقدمة، لكانت قد مرت من العصر الصناعي، المشيد على أساس الموارد المادية والرساميل  الطبيعية ( الأرض ، الطاقة ، الفولاذ ، الإسمنت المسلح ، والسكك) إلى عصر المعرفة المبني أساسا على الموارد و الرساميل اللامادية (المعارف والإعلام والاتصال واللوجستيك) . وأصبحت المعرفة المورد الأساسي للاقتصاد الجديد المتولد من ثورة الوسائط المتعددة والقنوات الرقمية ومشتقاتها: “الاقتصاد – الإلكتروني ” و ” النقل – الإلكتروني ” و ” التربية – الإلكترونية ” و ” المقاولة – الإلكترونية ” و ” العامل الإلكتروني “.  وانطلاقا من هذا المنظور، تعتبر المقاولة كباعث وحيز رئيسيين للترقية والتنظيم والإنتاج وتثمين  ونشر “المعرفة ذات الأهمية” .

إن تشجيع  نشر العقلية المقاولاتية، وإحداث المقاولات في الوسط العلمي وداخل المؤسسات التعليمية الثانوية والجامعية، وإعادة بعث الديناميكية في النسق التربوي من أجل تحويله إلى ميدان خصب لتكوين الأجيال الشابة على بناء ” مجتمع المعرفة ” هو ما يشكل إحدى الوصفات  الرئيسية للسياسات العامة في البحث والتعليم .  و الحال أن هذه الوصفات بدأت تنفذ في العالم بأسره في الوقت الذي بدأ ينشأ فيه تقسيم اجتماعي جديد بين “المؤهلين ”  ( الذين لهم منفذ نحو المعرفة ذات الأهمية ) و”غير المؤهلين” ( الذين تم إقصاؤهم من منفذ كهذا أو لم يستطيعوا الاحتفاظ به). هذا التقسيم يأتي ليفاقم وضعية تقسيمات أخرى، تنبثق عن التفاوتات  في المنفذ إلى محو الأمية الأبجدية.  إن المعرفة أصبحت من المواد الرئيسية لبناء جدار جديد ( ” جدار المعرفة” ) بين الموارد البشرية النبيلة ( المنظمة في  مجرات مهنية جديدة معزولة) والموارد البشرية من الشعب، البروليتاريا الجديدة للرأسمال العالمي.

بالتأكيد ، ليس بالاختيار الذي اتخذه رؤساء الدول وحكومات الخمسة عشر، عند انعقاد المجلس الأوروبي  بلشبونة في مارس 2000 ، سيتحرر الأوروبيون من هذه الخدع الخمسة. هذا الاختيار المترجم  إلى خطة عمل من طرف المجلس الأوروبي المنعقد ب فييرا في يونيو 2000، يرتكز على التأكيد بأن الأسبقية الكبرى لخمس عشرة سنة القادمة، هي لبناء أوربا– الإلكترونية من أجل أن تصبح في سنة 2015 “الاقتصاد – الإلكتروني” الأكثر تنافسية في العالم. لهذه الغاية، فإن الهدف الرئيسي هو منح كل الأوروبيين، منذ التعليم الأولي والابتدائي منفذا لمحو الأمية الرقمية، بغرض أن يصبحوا بمستوى “الموارد البشرية ” القادرة  على منافسة نظيرتها في أمريكا الشمالية والتي تتجاوز أوروبا بعشر سنوات من السبق. في هذا الميدان ، إن التوافق الحاصل بين المسؤولين الأوروبيين كبير للغاية. فبعد عشرين سنة من السياسات المنتهجة في خدمة التنافسية حسب مشيئة السوق، ألم يفهموا بعد بأنه حسب هذا المنطق، ليس هناك إلا القليل من الرابحين، وهذا يصدق على جل الميادين بما في ذلك ميدان التربية ؟ كيف يستطيعون أن يتجاهلوا بان المستوى الثقافي لمواطني الولايات المتحدة البلد الأكثر ” تقدما ”  في العالم ،  في تكنولوجيات الإعلام والاتصال والوسائط المتعددة و الأنترنيت. . .،  مستوى يرثى له بوجه خاص، حسب دراسة لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية .

لماذا يغضون الطرف عن الحالة المزرية للتربية الأساسية والتفاوتات الاجتماعية الكبرى التي تميز الآن الولوج إلى التعليم العالي بالمملكة المتحدة ؟ و كيف يستطيعون تجاهل نتائج سنوات من الأبحاث متعددة الاختصاصات حول نمو الأطفال، التي تبرز بأن هؤلاء هم في حاجة ماسة  إلى علاقات شخصية عميقة مع الراشدين، و أن الإصرار على إغراق المدرسة بالحواسيب منذ الطفولة المبكرة يمكن أن يحرمهم من هذه العلاقات الضرورية ؟

إن الاقتراحات الملائمة والواقعية من أجل سياسية تربوية ليست بالمعيبة، كتلك التي قدمت من طرف Oxfam International  والعالمية للتربية في مارس 1999، من أجل ” تربية عمومية ذات جودة للجميع ” .  أن نتعلم معرفة قول “صباح الخير” للآخر يمثل نقطة الانطلاق من أجل تربية ” أخرى”، هذا يعني أن النسق التربوي يعتبر وظيفته الأصلية هي تعليم كل مواطن الاعتراف بوجود الآخر كقاعدة أساسية لوجوده الخاص وللحياة سويا.

توترات خلاقة

أن نتحاور مباشرة وجها لوجه، يعني أن نتعلم المركزية  والغيرية  في تاريخ المجتمعات الإنسانية، و في خضم  التوترات الخلاقة والصدامية بين الوحدة والتعددية، وبين العالمية والخصوصية، والشمولية والمحلية. يعني أيضا أن نتعلم الديمقراطية والحياة. يعني أن نتعلم التضامن والقدرة على الاعتراف بقيمة كل إسهام لكل كائن إنساني من أجل الحياة سويا، مهما كان أقل تأهيلا بالنسبة لمعايير الإنتاجية والمردودية .

إن الانطلاق من هذا المبدأ العام، بأن سياسة ما للتربية متمحورة حول التنمية ، وحماية وتقسيم ” الخيرات المشتركة” التي هي المعارف والعلوم، يمكن أن تؤدي إلى تنمية عالمية تضامنية على المستوى الاقتصادي وفعالة على المستوى الاجتماعي وديمقراطية على المستوى السياسي. وبتطبيقها على أوروبا – الإلكترونية ستمنح الأسبقية لتكوين جيل من المواطنين يملكون الكفايات والمؤهلات التي تلتمس منطقا جديدا: منطق الاقتصاد الاجتماعي والاقتصاد التضامني والاقتصاد المحلي والاقتصاد التعاوني. وستمنح أيضا هذه السياسة التربوية أهمية قصوى للتعاون مع المجتمعات والجهات الأخرى وشعوب العالم، لجعل النزعة الحالية للتملك الخاص للمعارف تتقهقر، ولجعل هذه الأخيرة في خدمة حالة ازدهار عالمي تضمن الحق في الحياة للجميع .

…………….

  Le Monde Diplomatique /Riccardo Petrella   أكتوبر/ 2000

 

 

مقالات من نفس القسم