محمد أسامة
حين نتأمل ديوان “خطوات هاربة من طريق” للشاعرة “مروة مجدي” – والصادر عن دار ريشة للنشر 2026- نجد المقاطع الشعرية ذات الإيقاع المتدرج، والمتماشي مع عمق أفكارها ورموزها، فضلا عما يجاور هذه المقاطع من رسوم معبرة، قد تتآلف لتغزل نسجا يعبر عن شيء من مأساة النفس في تحديد هوية تضع لخطواتها المترددة الجامعة بين النقائض أيضا معنى، وبالمثل تلقي الضوء على محنة قوامها سؤال: كيف يجد الإنسان نفسه إذا ناوشته نوائب أيامه؟
أُسافِرُ بين دُرُوبِ الغُربةِ والوَطَن،
بين المَجَرّاتِ والعوالمِ،
أَبحثُ عن
مأوى مَفقُودٍ،
هُويّةٍ ضَائعةٍ،
أَطيافِ حَياةٍ،
أحلامٍ بِكْرٍ،
مَصَابِيحَ شَفّافَةٍ.
من قصيدة “ولادة”
تبث الشاعرة في قصائدها -خاصة قصائد “نطفة”، “ولادة”، “أنقاض”، و”ثلاث هويات للموت “- طيفا يمثل رغبة في إعطاء التجربة الإنسانية والمشاعر الخاصة معبرا تنفذ منه إلى إلقاء الضوء على هم جمعي يحمل آثارا لمن وقعوا في نفس الحيلة فدوخهم الخيال عن ذواتهم وأحلامهم. مؤمنة بأن الخطوات بمجموعها تكوّن إطارا بعيدا عن صخب الحياة ومعاركها المستمرة والمتعارضة مع لوازم الواقع-دلت عليها في جمل بقصيدة “هوية بلا مرور”: “يَشغَلُني تَنْظِيفُهم،
وأنسَى سَببَ وُجُودي، وتَنسَاني الهُويّةُ”. وفي الوقت نفسه تنظر لتلك الآثار الخجولة، نظرة مجرب مشفق رضي بمصيره واختار مقعد المخلص في عالمه-كما تصف نفسها بالقصيدة سمية المجموعة “أم للعالم…فلم يعوقني؟-، لتستخلص مستعينة بذاتها وأدواتها -الذي رمزته بالخبز في ذات القصيدة-ما هو قابل للفهم والتماس مع متلقيها
❞ أيامٌ فَضَّ الزَّمنُ عُذريّتَها،
فلم يَبقَ منها
سوى صُورٍ بَاهِتَةٍ على القلب.
حَوّلْنا حُلمَ العَودَةِ إليها
إلى أُرجُوحَةٍ
نَقفِزُ بها نحوَ السَّماءِ بَحثًا عن الأملِ،
ثم نَضِيعُ مع الذِّكرَيات… ❝
من قصيدة “ركن بعيد في الذاكرة”.
وفي سبيل ذلك، تبدأ “مروة مجدي” بتوصيف الرؤية الحياتية التي تحرضها على الكتابة من استمراريتها، محاولة تجريدها من أي انطباعات باستخدام الرموز- والموجودة بالاستعارات الثلاث بقصيدة “ثلاث هويات للموت” (العين الثالثة، وبابا نويل، والمطرب الأبكم) كدلالة على تعاطي النفس مع المعنى من مجرد فناء اللحظة وتحولها لذكرى، مرورا إلى الاصطدام بحقيقته مع وتذوق شعور الفقد، إلى التعايش والتصالح معه كشيء ثابت، وعدم الاكتراث به لمجاراة الواقع إلى حين. فضلا عن الرموز الأخرى بذات القصيدة كجملة “طفل نائم بجوار الملائكة…أفاق على صوت العدم” كإشارة على نقطة البداية الصافية للنفس، وبداية الصراع مع معنى الموت وأداته “الزمن” وأيضا بجملة “الأقدام الصناعية لن تكسب الماراثون” والتي تعبر عن العجز القدري للحياة في استمرارية التعايش مع هذا المعنى دون أن تصطدم به ولو بتلويحة صغيرة
❞ تَشغَلُني فِكرةُ أن أمُوتَ دونَ أنْ أُفرِغَ ما في قلبِي،
أن يُدفَنَ جسدي مُتخَمًا بأُمنيَّاتِ القُبُلَاتِ والأَحضَانِ،
أن تتآكلَ خلاياي دُونَ مُلامسةِ خَلاياكَ،
أن يتحوّلَ قلبي إلى سِردَابٍ عَتيقٍ لرسائلَ لم تُرسَل،
وحنجرتي إلى سَجنٍ لأغانٍ لم تُغنَّ، ❝
من قصيدة “مقبرة مثالية لدفن المحبة”.
يصب ذلك كله-إن مددنا الخط على استقامته- في تبلور نظرتها على ذاتها ونظرائها بأنهم في حالة غير مفهومة من البناء والهدم، يصحبها نظرة مشوشة تحاول أن تقيم إعطاء الأشياء بجهد يائس-وضعته الكاتبة في إطار رومانسي كمناجاة منفردة للحبيب بقصيدتيّ “خيبة كبيرة، والله تستاهل يا قلبي”- نظرا لانعدام البوصلة، أو بمعنى أدق في حالة معلقة بين إثبات الوجود والتسليم للتلاشي،وهو الموضح بقصائد “أنقاض”، و “مرآة”، و “ركن بعيد في الذاكرة”. تحتاج تبعا لذلك إلى استجداء عنصر ثابت-سواء بالإشارة المباشرة كأنقاض التاريخ في قصيدة “أنقاض” أو المشاعر المجهضة في قصيدة “مقبرة مثالية لدفن المحبة “او التعريض بالخطوة من خلال الاستعانة بمناجاة الحبيب كما في قصيدة “خيبة كبيرة”- يرحب بما تلقيه من بقايا المشاعر والانفعالات المقصورة، ليتسنى لها أن تسترشد بها إن ضللتها التجارب، ومن ثم تكمل.
















