عبد السلام فاروق
ليس أمراً عسيراً على من اعتاد التنقيب في أروقة الأدب العربي الحديث أن يتبين أن ساحة الإبداع السردي في مصر، على ما لها من سعة وامتداد وتنوع، تخضع لمنطق لا صلة له بالضرورة بجودة النص. منطق السوق، وشبكات العلاقات، وأضواء الإعلام، ومنظومة الجوائز. وفي ظل هذا المنطق، يبرز عدد من الكتاب اختاروا، أو فُرض عليهم، أن يكتبوا بعيداً عن الضجيج، مكتفين بالنص وحده شاهداً على تجربتهم. ومن هؤلاء الكاتب البارع خالد إسماعيل، الذي ينتمي جيلياً وجمالياً إلى ما اصطلح على تسميته «جيل التسعينيات»، وإن اتخذ منه موقفاً نقدياً صارماً، فلم يجد في انتمائه الجيلي ما يعفيه من مساءلة التجربة ذاتها.
السياق التاريخي والثقافي
تتشكل التجارب الأدبية الكبرى، في الأغلب، في سياقات تاريخية محددة تترك بصماتها في الرؤية واللغة والاختيار السردي. وجيل التسعينيات في مصر ليس استثناء من هذه القاعدة؛ إذ نشأ وتربى في ظل انفتاح اقتصادي وثقافي أفرز تحولات عميقة في بنية المجتمع المصري. أنتج هذا الجيل عدداً من الأصوات السردية المهمة، لكنه تفكك ولم يقدم مشروعاً جماعياً متماسكاً. وملاحظة كهذه، تصدر عن كاتب ينتمي إلى الجيل ذاته، تكشف عن وعي نقدي نادر، لأن الانتماء الجيلي في الثقافة العربية كثيراً ما يتحول إلى امتياز غير قابل للمساءلة، لا إلى موضوع للتحليل.
النشأة والتكوين
وُلد خالد إسماعيل في قرية «كوم العرب» قرب طما بمحافظة سوهاج. وهذه المنطقة ذات دلالة خاصة في التاريخ الثقافي المصري؛ فهي تقع في نطاق تجاورت فيه الحضارات المصرية القديمة والقبطية والعربية الإسلامية. ولم يكن هذا التجاور تعايشاً سطحياً، بل كان تفاعلاً عميقاً أنتج أشكالاً ثقافية مركبة، من بينها السيرة الهلالية، التي لا تزال حاضرة في الوجدان الشعبي في الجنوب، والتي سيستلهم منها خالد إسماعيل لاحقاً بعض أعماله.
جاء خالد إسماعيل إلى القاهرة عام 1992، وهو عام شهد تصاعداً وتحولاً في المزاج الثقافي العام، وبداية مرحلة جديدة في العلاقة بين الدولة والمثقفين. عمل في الصحافة، أولاً في «الأهالي»، ثم في مجلة «الإذاعة والتلفزيون»، حيث انتهى نائباً لرئيس التحرير. وهنا تبرز مسألة جوهرية في تجربته، وهي تعريفه لنفسه بأنه «كاتب يعمل في الصحافة»، لا «صحفي يهوى الأدب». وهذا التعريف، على بساطته اللغوية الظاهرة، ذو دلالة عميقة في تاريخ العلاقة بين الصحافة والأدب في مصر، تلك العلاقة التي أنتجت ظواهر أدبية مهمة منذ عشرينيات القرن الماضي وصولاً إلى جيل نجيب محفوظ ويوسف إدريس، حيث كانت الصحافة غالباً الميدان الاقتصادي للكاتب، لا مقياسه الجمالي.
الكتابة والالتزام
ما يميز خالد إسماعيل في هذا السياق أنه يتعامل مع الصحافة بوصفها تجربة معرفية تثري الكتابة، حيث يرى أن الصحافة علمته أن يسأل عند كل جملة هل يفهمها القارئ؟ وهذا السؤال، البسيط في ظاهره، عميق في مضامينه، لأنه يشير إلى مفهوم متأصل للكتابة يقوم على التواصل لا على الاستعراض اللغوي؛ وهو المفهوم الذي يميز أهم الساردين المصريين، من محفوظ إلى يوسف إدريس إلى خيري شلبي. كما أن هذا المفهوم هو ما يميز السرد المصري في أفضل حالاته عن كثير من السرد العربي المعاصر الذي يميل إلى الانغلاق والغموض.
غير أن الملمح الأكثر إثارة في تجربة خالد إسماعيل هو موقفه من «الوسط الثقافي». فقد انسحب منه منذ عام 2005، وتوقف عن حضور اللقاءات والندوات والمهرجانات، منتقداً ما سماه حفلات «تجميل المشاهير» في وسائل الإعلام، ورأى أن الجوائز الأدبية في مصر ليست سوى شبكة علاقات عامة. وهو موقف نقدي صريح يستحق التوقف، لأنه يصدر عن كاتب عاش داخل المؤسسة الثقافية، ومن ثم يعرف آلياتها الداخلية معرفة مباشرة.
الجانب الأكثر دلالة في هذا الموقف هو ما يتعلق بمسألة النشر. فقد نشر خالد إسماعيل ستة كتب في دار «ميريت»، التي أسسها الراحل محمد هاشم، والتي تعد من أهم دور النشر الخاصة في مصر والعالم العربي، إذ انطلق منها عدد كبير من الأسماء التي تشكل اليوم خريطة السرد المصري. ومع ذلك، لم يوقع إسماعيل عقداً واحداً مع هاشم. وهذه المسألة، التي تبدو إدارية أو قانونية في ظاهرها، ذات دلالة ثقافية عميقة؛ لأنها تكشف عن مفهوم مختلف لعلاقة الكاتب بالناشر، لا يقوم على الالتزام التعاقدي بل على الثقة المتبادلة، أو ربما على رفض الانضواء في «شبكة» النشر التي تحكم سوق الكتاب في العالم العربي.
من القرية إلى النص
على المستوى الأدبي، تشكل القرية الصعيدية المتن السردي الأساسي في أعمال إسماعيل. بدأ نشر أعماله في أواخر التسعينيات مع «درب النصارى» (1997) و«غرب النيل» (2002)، ثم توالت أعماله: «عقد الحزون»، و«قهوة الصحافة»، و«زهرة البستان»، و«العباية السوداء»، و«حكايات عائلية». وكل هذه الأعمال تشترك في كونها تستكشف الصعيد كفضاء اجتماعي وثقافي معقد، تتشابك فيه العلاقات الطبقية بعلاقات القرابة، وتتصادم فيه الحداثة بالتقاليد، وينتج عنهما معاً أشكال من الوعي واللاوعي الجماعي.
في «عرق الصبا»، على سبيل المثال، يعود خالد إسماعيل إلى ثورة الفلاحين في «قاو الشرق» في عهد الخديوي إسماعيل، وهي ثورة نسيها أو تناساها التاريخ الرسمي، لكنها ظلت حية في الذاكرة الشعبية على شكل مواويل وأحاجي. وهذا النبش في التاريخ غير المكتوب هو ما يمنح كتابة خالد إسماعيل ثقلاً خاصاً، ويضعها في تقليد أدبي عربي مهم، هو تقليد الرواية التاريخية الشعبية الذي يمتد من «حديث عيسى بن هشام» للمويلحي إلى أعمال أمثال عبد الرحمن الشرقاوي وخيري شلبي.
وفي «قهوة الصحافة»، يتناول خالد إسماعيل المهنة التي يعرفها جيداً، لكنه لا يكتب «فضيحة»، بل يكتب نماذج بشرية من الصحفيين: من قهر فقهر، ومن خرّب مهنة نبيلة. وهذه المقاربة، التي تتجنب الفضيحة لصالح التحليل، تشير إلى نضج سردي مهم، وإلى رفض للكتابة الاستعراضية التي تبحث عن الإثارة السريعة.
أما آخر أعماله في «ميريت»، فهي المجموعة القصصية «مقتل بخيتة القصاصة» (2022)، وتضم سبع قصص ورواية قصيرة بعنوان «مذكرات رفيق سلاح»، وتمتد أحداثها من أربعينيات القرن الماضي إلى تسعينياته. وفي هذه المجموعة، يظهر إسماعيل متمكناً من تقنيات القصة القصيرة، قادراً على اختزال عقود من التاريخ الاجتماعي في مشهد واحد. ففي القصة التي تحمل عنوان المجموعة، يلتقي عائد من المدينة في المحطة بامرأة كانت تبيع الفطائر أمام المدرسة في طفولته، فصارت تبيع المناديل والكبريت. هذا المشهد الصغير، الذي لا يشكل حدثاً بالمعنى التقليدي، يحمل في طياته نصف قرن من التحولات الاجتماعية والاقتصادية في مصر، من دون شرح أو تعليق، تاركاً للقارئ مهمة إكمال المعنى.
وفي عام 2024، صدرت روايته «أبو القمصان»، وهي مستوحاة من السيرة الهلالية، إذ إن «أبو القمصان» هو العبد الذي ولد في اليوم نفسه الذي ولد فيه الفارس أبو زيد الهلالي، وظل الثنائي حاضراً في المخيلة الشعبية الجنوبية. وهنا يظهر إسماعيل مرة أخرى ككاتب يعرف أن التراث ليس ديكوراً يمكن استعارته لتزيين النص، بل هو مادة بناء حية يمكن أن تنتج سرداً معاصراً.
على الرغم من هذه التجربة الأدبية الممتدة لأكثر من ربع قرن، وأن نقاداً بارزين مثل محمد سليم شوشة ومصطفى الضبع ومجدي توفيق ويسري عبدالله وشريف الجيار كتبوا عنه، وأن أعيان الثقافة المصرية مثل عبد الوهاب الأسواني وعبد الرحمن الأبنودي وفاروق عبد القادر قدّموا تجربته، فإن خالد إسماعيل لا يزال في هامش المشهد الثقافي المصري. وهذا الهامش، الذي اختاره الكاتب جزئياً، وفرض عليه جزئياً، يستحق التأمل؛ لأنه يكشف عن آليات الاعتراف في الثقافة العربية، حيث لا يكفي النص الجيد وحده لضمان المكانة، بل لا بد من «الشبكة» و«الظهور» و«الجائزة».
في المحصلة، تجربة خالد إسماعيل تستحق أن تقرأ بوصفها شهادة على لحظة تاريخية في الثقافة المصرية، وعلى آليات الاعتراف والتهميش فيها، وعلى إمكانية الكتابة الجادة خارج «الشبكة» و«الأضواء» و«العقود». وهذا كله يجعل من هذا الكاتب الصعيدي نموذجاً يحتاج إلى دراسة أعمق، وإلى قراءة أكثر إنصافاً.






















