عبد الرحمن خاطر
ليس هذا ديوانًا عن العائلة، كما قد يوحي العنوان في قراءته الأولى، بل هو ديوان عن الخروج منها. عن تلك اللحظة التي يتحول فيها النَّسب من امتدادٍ طبيعيّ إلى عبءٍ وجوديّ، ومن جذورٍ تمنح الحياة إلى جذورٍ تلتفّ حول العنق.
آلاء فودة ترى العائلة أسطورةً أكثر منها أشخاصًا أو حكايات طفولة أو حنينًا مكسورًا مثل ما اعتادت الكتابات — كما في نص أسطورة الآباء — أسطورة تُورَّث قيدًا يرتدي ملامح الحكمة. الأب هنا ليس فردًا، إنما نظام معرفة مغلق: يعرف كل شيء، ولا يسيطر على شيء. وهذه المفارقة هي قلب المشروع كله: سلطةٌ بلا قدرة، ومعرفةٌ بلا خلاص.
منذ الصفحات الأولى، تشتغل الشاعرة على تفكيك المسلّمات الكبرى: الشعر، الأمومة، الجسد، الخوف، اللغة، الألم، العائلة، الموت…
“ماتت العائلةُ التي لم أنتمِ إليها يوماً
رغمَ تجاربي في المحبَّة”
..
“ويدي التي لم تردَّ الصفعات
تُلوِّح منْ بعيد”
لكن اللافت أن الشاعرة تعيد إدخال الموت في بنية الحياة اليومية: الأطفال “قبور صغيرة” تكبر حولها، في نص “يكبرن حولي”، تبلغ هذه الفكرة ذروتها. الأنوثة هنا ليست نموًا طبيعيًا، هي عملية تَشكُّل تحت ضغط: الأحلام المحترقة، القسوة، الرجال الناقصون، البلاد التي لا يُعاد إليها… كل شيء يُصبّ داخل كيان الأنثى حتى تصبح وعاءً للتجارب لا ذاتًا مستقلة. وحين تقول: “وعليك الآن أن تنضجي جيدًا” فهي تصدر حكمًا: النضج هنا ثمرةٌ قسرية للتشقق الداخلي.
لكن أهم ما يميز هذا الديوان هو صدقه الوحشي.
لا توجد محاولة لإرضاء القارئ، ولا لتلطيف التجربة.
كل شيء يُقال كما هو، أو كما يُحَسّ به في أقصى درجاته.
وأمام التفاصيل التي تبدو عادية لكنها محمّلة بما لا يُقال يخرج القارئ من هذا الديوان وقد أُعيد تشكيل إحساسه، تاركًا الإجابة خلفه. إحساس بأن الانتماء ليس دائمًا نعمة، وأن القطيعة ليست دائمًا خسارة، وأن ما نعتقد أنه أصل ثابت قد يكون مجرد بداية لسؤال طويل.
على مستوى البناء، لا يقدّم الديوان سردًا متصلًا، ولا يتبع تصاعدًا تقليديًا. النصوص تبدو منفصلة، لكنها تتجاور لتُشكّل حالة واحدة. لا توجد ذروة واضحة، بل تراكم بطيء، يجعل التجربة أشبه بضغط مستمر لا ينفجر، بل يزداد ثقلًا مع الوقت.
الأمومة: “مرآة تُصفعك كل ليلة”
..
العائلة: “اختبار ترسب فيه دائمًا”
لكن، ربما الإشكال الأعمق في هذا الديوان لا يكمن فقط في تفكيك العائلة، إنه العجز عن تخيّل بديلٍ كامل لها.
فبينما تنجح الشاعرة في تقويض الأب بوصفه نظامًا، وفي تفريغ الأمومة من طمأنينتها التقليدية، تظل الذات — رغم تمرّدها — معلّقةً في الفراغ الذي خلّفه هذا الانهيار. لا تظهر هوية جديدة مكتملة، هي شظايا هوية، تتشكّل من الرفض أكثر مما تتشكّل من الاختيار.
في النهاية، يمكن القول إن “أبترُ فرعي من شجرة العائلة” ليس مجرد ديوان عن القطيعة، بل عن إعادة التكوين. عن تلك اللحظة التي يختار فيها الإنسان أن يبدأ من نفسه، لا مما وُرِّث له.
إنه ديوان يطرح سؤالًا بسيطًا وخطيرًا في آن: ماذا لو لم تكن جذورك خلاصك، بل مشكلتك الأولى؟








