عبد السلام فاروق
لا أريد أن أظلم الفلسفة، فقد كانت رفيقة درب جميلة. علمتني كيف أفكر، كيف أشك، كيف أنقض المسلمات وأفكك البديهيات. علمتني أن أسأل لماذا؟ وكيف؟ ومن أين؟ وإلى أين؟ لقد أطلقت في رأسي ألف سؤال، وألف سؤال آخر يتفرع من كل سؤال. كانت الفلسفة أشبه بمرآة حدباء تعكس لي صورتي مكبرة أو مصغرة، لكنها لم تكن قادرة على أن تخبرني من أنا حقاً.
أذكر أنني قرأت “الوجود والعدم” لسارتر، وانبهرت بتحليله للوعي والحرية والمسئولية. لكنني حين أغلقت الكتاب، وجدت نفسي أمام فراغ وجودي مخيف. سارتر يقول: “الإنسان محكوم عليه أن يكون حراً”. حرية بلا مرجعية، بلا غاية، بلا معنى سوى المعنى الذي نصنعه بأنفسنا. وكأننا نصنع قارباً من ورق في محيط هائج، ثم نأمل أن ينقذنا!
وقرأت نيتشه وهو يعلن موت الإله، ويبشر بالإنسان الأعلى الذي يتجاوز الخير والشر. لكنني وجدت أن “موت الإله” لم يلد إنساناً أعلى، بل أنتج وحوشاً صغيرة تتصارع على السلطة والمال والشهوات، وجعلت من الأرض ساحة حرب لا ترحم. وقرأت كانط وهيجل وشوبنهاور، وتتلمذت في مدرسة الفكر الوضعي المنطقي، ووجدت أن العقل حين يعتمد على نفسه فقط، يصبح كمن يحاول أن يرفع نفسه من الشعر. إنه يصول ويجول داخل دائرة مغلقة، لكنه لا يستطيع أن يقفز خارجها ليرى الحقيقة كما هي.
الفلسفة تشبه رجلاً يدور في غرفة مظلمة ومعه مصباح صغير. يرى الجدران، يرى الأثاث، يرى ظلاله على الحائط. لكنه لا يرى ما وراء الجدران. لا يرى الشمس، ولا السماء، ولا النجوم. هو أسير الغرفة، مهما كبر مصباحه.
العجز الفلسفي عن هداية القلب
وهنا مربط الفرس… الفلسفة قد تهدي العقل، لكنها تعجز عن هداية القلب. والقلب له منطق آخر، منطق لا تعرفه كتب المنطق الصوري ولا قوانين الاستدلال الرياضي.
القلب يريد أن يعشق، أن يخاف، أن يرجو، أن يطمئن. القلب يريد أن ينام مطمئناً إلى أن هناك يداً كبرى تدبر هذا الكون، وأن هذا الوجود ليس عبثاً، وأن الموت ليس نهاية الحكاية. القلب يشبه الطفل الصغير الذي يخاف من الظلام. يحتاج إلى يد حانية تمسك بيده، إلى صوت دافئ يطمئنه: لا تخف، أنا معك. الفلسفة تحاول أن تقنع هذا الطفل بأن الظلام مجرد غياب للضوء، وأن الخوف مجرد استجابة بيولوجية، وأنه لا وجود للوحوش تحت السرير. لكن الطفل لا يقتنع. هو يريد شعور الأمان، لا تفسير الخوف!
كم مرة قرأت عن “البراهين العقلية على وجود الله”؟ براهين أرسطو والأكويني وديكارت وكانط. كانت مقنعة عقلياً، لكنها لم تكن كافية لتجعلني أسجد لله باكياً. كانت تشبه برهان رياضي على أن النار حارة. صحيح، لكنه لا يدفئني!
القلب يحتاج إلى لقاء، ليس إلى برهان. يحتاج إلى أن يشعر بالقرب، لا أن يقتنع بالوجود. يحتاج إلى أن يذوق، لا أن يعرف. وهنا كان العجز الفلسفي الأكبر. الفلسفة تظل واقفة على باب الحديقة تصف الزهور، لكنها لا تدخلك إليها. تخبرك عن رائحة الياسمين، لكنك لا تشمها. تصف لك طعم العسل، لكنك لا تتذوقه.
الغرور السخيف.. أو وهم الوصول
ثم هناك غرور آخر أخطر… ذلك الغرور الذي يصيب الباحث عن الحقيقة بعد أن يقرأ ويطالع ويناقش. يبدأ يشعر بأنه وصل، وأنه أصبح فوق العامة، وأنه يمتلك مفاتيح الحقائق التي لا يعرفها الآخرون. كنت أظن أن قراءة “فلسفة الدين” لهيجل، و”نقد العقل المحض” لكانط، و”الظاهريات” لهوسرل، و”التأويلية” لجادامير، تجعلني إنساناً متفوقاً قادراً على رؤية ما لا يراه الآخرون. لكن هذا الغرور السخيف كان ينهار في اللحظة التي أواجه فيها سؤالاً بسيطاً طفولياً لماذا نحن هنا؟. كنت أجد أن كل تراكماتي الفلسفية لا تنتج جواباً يملأ الفراغ، بل تنتج المزيد من الأسئلة والاحتمالات والنظريات المتضاربة. الفلسفة تشبه امرأة جميلة تغريك وتغويك، لكنها حين تصل إلى اللحظة الحاسمة، تخذلك. تمنحك وعوداً بلا وفاء. تفتح أمامك ألف باب، لكن كل باب يؤدي إلى ألف باب آخر.
وأدركت أنني كمن يبني برجاً عاجياً عالياً، وكلما ارتفع البناء، ازدادت عزلته عن الأرض، وازداد خوفه من السقوط. وكلما قرأت أكثر، كلما ازددت حيرة وشكاً واضطراباً. وكأنني أدور في دائرة مفرغة: كلما عرفت أكثر، أدركت أنني لا أعرف شيئاً.
العودة إلى القرآن.. كالمريض العاقل
حين أكون كالمريض العاقل الذي لا يخفي علته على الطبيب… هذه هي الصورة الدقيقة. المريض العاقل هو الذي يعرف أنه مريض، ويعرف أن علاجه عند الطبيب، فيذهب إليه صادقاً كاشفاً عن جراحه. وكنت أنا ذلك المريض. كنت أشكو من داء الحيرة، من داء القلق الوجودي، من داء الفراغ الروحي. وذهبت إلى فلاسفة العالم أظنهم أطباء، لكنني وجدتهم في كثير من الأحيان مثل مرضى يحاولون علاج بعضهم بعضاً! ثم عدت إلى القرآن، ليس ككتاب مقدس أقدسه بالتقاليد، بل كطبيب أعرض عليه علتي. قرأته كمن يبحث عن دواء، لا كمن يؤدي طقساً دينياً. ويا للفرق!
في القرآن، لم أجد براهين فلسفية جافة على وجود الله، بل وجدت نداء: “يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم”. لم أجد نظرية في الأخلاق، بل وجدت تزكية: “قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها”. لم أجد فلسفة في التاريخ، بل وجدت سنناً إلهية: “وتلك الأيام نداولها بين الناس”. القرآن لا يجادلك في وجود الله، بل يخاطب فطرتك التي تعرف الله أصلاً، ثم تذكرك به. إنه كمن يوقظ نائماً، لا كمن يثبت لفقير بلاستيكي أنه فقير!
اقرأ قوله تعالى: “فلينظر الإنسان إلى طعامه أنا صببنا الماء صباً”. إنه لا يقدم برهاناً على وجود الخالق، بل يدعوك للتأمل في ما تراه بعينيك كل يوم. يدعوك لترى المعجزة في المألوف، والآية في العادي. القرآن يشبه النهر الجاري. تستطيع أن تقف على ضفته وتناقش مصدره ومجراه ووجهته. لكن الأفضل أن تنزل فيه فتغتسل وترتوي! الفلسفة تقف على الضفة تناقش. القرآن يدعوك للنزول.
ما وجدته في القرآن.. وما لم أجده في الفلسفة
ماذا وجدت في القرآن تحديداً مما لم أجده في كل كتب الفلسفة التي قرأتها؟
أولاً: وجدت اليقين بعد الشك. الفلسفة تعيش في منطقة الشك الممنهج، وتعتبره فضيلة. والشك فضيلة في البحث، لكنه عاهة في الحياة. الإنسان لا يستطيع أن يعيش بشك دائم. يحتاج إلى يقين يبني عليه حياته. وفي القرآن وجدت يقيناً لا يقوم على الإلغاء العقلي للشك، بل على تجاوزه إلى رتبة أعلى: “الذين يؤمنون بالغيب”.
ثانياً: وجدت المعنى بعد العبث. الفلسفة الوجودية تقول: الحياة عبث، لكنك أنت من تصنع معناها. وكأنها تقول: أنت غريق، لكنك أنت من يصنع طوق النجاة من الزبد! القرآن يقول: “وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين”. الحياة لها معنى موضوعي، لها غاية، لها خالق يعلم لماذا خلقها. وهذا المعنى يمنح الوجود ثقله وقيمته.
ثالثاً: وجدت الطمأنينة بعد القلق. الفيلسوف الوجودي يعيش في قلق دائم، ويظن أن هذا القلق هو علامة وعيه وصدقه. لكن القرآن يعد بطمأنينة أخرى: “ألا بذكر الله تطمئن القلوب”. طمأنينة لا تعني التوقف عن التفكير، بل تعني أن تفكر وفي قلبك سكينة، وأن تبحث وفي روحك سلام.
رابعاً: وجدت المنهج بعد الفوضى. الفلسفة تقدم لك مذاهب متضاربة، وتتركك في حيرة الاختيار. القرآن يقدم لك منهجاً متكاملاً للحياة، عقيدة وشريعة، وأخلاقاً وقيماً، وتصوراً للكون والإنسان والحياة. ليس مجرد أفكار للتأمل، بل خريطة طريق للسير.
خامساً: وجدت الرحمة بعد الجفاف. الفلسفة جافة، عقلانية، باردة. حتى حين تتحدث عن الحب والرحمة، تتحدث عنهما نظرياً. القرآن يخاطب القلب كما يخاطب العقل، يمس الوتر الحساس في النفس. تجد فيه الترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، والقصص والأمثال، كلها تصب في نهر واحد هو هداية الإنسان.
لكن… هل يعني هذا هجر الفلسفة؟
لا، لا أدعو إلى حرق كتب الفلسفة، ولا إلى تكفير الفلاسفة، ولا إلى العودة إلى قراءة القرآن فقط دون أي ثقافة أخرى. هذا تطرف جديد لا أريده. ما أدعو إليه هو وضع الفلسفة في مكانها الصحيح، لا جعلها إلهاً من دون الله. الفلسفة أداة تفكير، ليست غاية للحياة. هي جسر، لا مدينة. هي مصباح، لا شمس. يمكن للفلسفة أن تنمي عقلك، وتشحذ ذكاءك، وتعلمك كيف تناقش وتحلل. لكنها لا تستطيع أن تروي ظمأ روحك، ولا أن تملأ فراغ قلبك، ولا أن تهديك إلى معنى وجودك.
القرآن يهديك إلى الله، ثم تأتي الفلسفة لتفهم وتتدبر وتتفكر. القرآن هو الأصل، والفلسفة يمكن أن تكون خادمة له، لا سيدة عليه. تماماً كما كانت الفلسفة في العصور الذهبية للحضارة الإسلامية، خادمة للعقيدة، أداة لفهم الوحي، وسيلة للدفاع عن الإيمان، لا بديلاً عنه.
أن ترى النور بعينيك
في النهاية، أستطيع أن أقول إن رحلتي مع الفلسفة كانت ضرورية، لكن عودتي إلى القرآن كانت حتمية. كنت كمن سافر حول العالم بحثاً عن وطنه، ليكتشف أن وطنه كان أجمل ما رأى، لكنه لم يدرك جماله إلا بعد أن سافر!
الفرق بين الفلسفة والقرآن يشبه الفرق بين من يصف لك النور ومن يريك النور بعينيك. الفلسفة تصف، والقرآن يري. الفلسفة تناقش، والقرآن ينير. الفلسفة تحلل، والقرآن يهدي. وما زلت أرجع إلى القرآن من حين إلى حين… أرجع إليه كلما ضاقت بي الأرض بما رحبت، كلما تاهت بي السبل، كلما شعرت أنني أغرق في بحر الأسئلة بلا شاطئ. أرجع إليه فأجد فيه ما لا أجده في أي كتاب آخر: نوراً يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام، ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه، ويهديهم إلى صراط مستقيم.
هذا ليس كلاماً إنشائياً، ولا خطاباً وعظياً. إنها شهادة إنسان عاش التجربة، وذاق المر والمرير، ثم وجد ضالته أخيراً.
“قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون”.












