هبة الأغا
حين تنقشع الحرب
لَنْ أَبْقَى مِثْلَمَا أَنَا
رُبَّمَا سَأَتَحَوَّلُ إِلَى خِزَانَةٍ أَوْ سَرِيرٍ
رُبَّمَا سَأَتَحَوَّلُ إِلَى سَجَّادَةٍ، أَوْ جَرَّةِ غَازٍ
أَوْ مَكْتَبَةٍ
سَأَتَحَوَّلُ إِلَى حُضْنٍ كَبِيرٍ.
حينَ تَنْقَشِعُ الحَرْبُ
لَنْ أَجِدَ مَقْبَرَةً أَزُورُهَا
فَكُلُّ الطَّرِيقِ مَقْبَرَةٌ
وَلَنْ أَجِدَ وَرْدًا
لِأَضَعَهُ عَلَى الرُّفَاتِ
الوَرْدُ مَاتَ أَيْضًا.
وَلَا نَخِيلَ عَلَى القُبُورِ، وَلَا قُبُورَ أَيْضًا.
سَأَتَعَثَّرُ فِي رَأْسٍ هُنَا، وَقَدَمٍ هُنَاكَ، سَأَتَعَثَّرُ فِي وَجْهِ صَدِيقٍ عَلَى الأَرْضِ،
سَأَعْثُرُ فِي حَقِيبَتِهِ عَلَى بَقَايَا خُبْزٍ لِلصِّغَارِ.
سَأَرَى عُيُونًا كَثِيرَةً مُتَنَاثِرَةً
وَسَأَجِدُ قَلْبًا تَائِهًا يَلْهَثُ
يَسْتَقِرُّ القَلْبُ عَلَى كَتِفِي
وَأَسِيرُ بِهِ فَوْقَ الرُّكَامِ
فَوْقَ الحِجَارَةِ الَّتِي قُتِلْنَا بِهَا.
لَمْ يُخْبِرْنَا أَحَدٌ فِي دُرُوسِ التَّارِيخِ
كَيْفَ نَسْتَعِدُّ لِلْحَرْبِ الطَّوِيلَةِ
لَمْ يُعَلِّمْنَا مُدَرِّسُ التَّنْشِئَةِ كَيْفَ نَنْصِبُ خَيْمَةً
عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ
وَلَمْ يُخْبِرْنَا مُعَلِّمُ الرِّيَاضِيَّاتِ أَنَّ الزَّاوِيَةَ
تَتَّسِعُ لِعَشَرَةِ أَشْخَاصٍ
وَلَمْ يُخْبِرْنَا مُعَلِّمُ الدِّينِ
أَنَّ الأَطْفَالَ يَمُوتُونَ أَيْضًا
وَلَكِنَّهُمْ يَصْعَدُونَ عَلَى هَيْئَةِ
فَرَاشَةٍ أَوْ طَيْرٍ أَوْ نَجْمَةٍ.
كُنْتُ أَكْرَهُ الطَّبَاشِيرَ
وَطَابُورَ الصَّبَاحِ
لَكِنَّنِي كُنْتُ أُحِبُّ الوُقُوفَ فِي السَّطْرِ الأَوَّلِ
وَأُحِبُّ المَشْيَ فِي السَّطْرِ الشَّرْقِيِّ
وَأَسْرَحُ فِي تَخَيُّلِ المَدِينَةِ الَّتِي تَقِفُ عَلَى شَجَرَتَيْنِ كَبِيرَتَيْنِ
لَكِنَّنِي خَارِجَ المَدُنِ الَّتِي أَعْرِفُهَا
وَخَارِجَ الأَمْكِنَةِ
وَقَسْرًا خَرَجْتُ مِنْ غِلَافِ الزَّمَنِ
إِلَى غِلَافِ غَزَّةَ، لِأَتَسَاءَلَ عَمَّا حَدَثَ وَيَحْدُثُ
مَا اسْمُ شَارِعِنَا؟
هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ شَارِعَنَا، بَيْتَنَا؟
هَلْ تَعْرِفُ الحَارَاتُ بَعْضَهَا؟
هَلْ تَعْرِفُنَا المَدِينَةُ؟
هَلْ تَعْرِفُنَا أُمِّي؟
هَلْ يَعُدُّ البَحْرُ الضَّحَايَا؟
هَلْ تَخْرُجُ الشَّمْسُ لِتَحْمِيَ الجُثَثَ المُلْقَاةَ فِي الشَّوَارِعِ؟
هَلْ بِوُسْعِ التُّجَّارِ شِرَاءَ الجَنَّةِ؟
هَلْ سَتَخْرُجُ مَكَانَ الجُثَثِ عِمَارَاتٌ ضَخْمَةٌ بِأَسْمَائِهِمْ؟
هَلْ سَنَعْرِفُ أَسْمَاءَ مَجْهُولِي الهُوِيَّةِ جَمِيعِهِمْ؟
هَلْ سَتُدْرِكُ عَمَّاتِي حَجْمَ الفَجِيعَةِ؟
هَلْ كَانَ البَيْتُ حَقًّا بَيْتَنَا؟
هَلْ يَنَامُ الجُنْدِيُّ لَيْلَهُ؟
فِي حَلْقِي كَلَامٌ كَثِيرٌ
وَحَلْقِي مُلْتَهِبٌ
وَلَا دَوَاءَ إِلَّا البَيْتُ.
…………
*شاعرة فلسطينية










